الطبقة المتوسطة في إندونيسيا تواجه ضغوطاً، هل يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يكون المنقذ؟

الطبقة المتوسطة في إندونيسيا تواجه ضغوطاً، هل يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يكون المنقذ؟

بقلم: محمد نور ريانتو العارف

أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا

تواجه إندونيسيا حالياً مفارقة اقتصادية مثيرة للاهتمام ومقلقة في آن واحد. فمن ناحية، لا يزال النمو الاقتصادي الوطني صامداً عند حدود 5 في المائة، وتواصل الحكومة التباهي بمختلف المشاريع الاستراتيجية الوطنية، وهندسة الصناعات التحويلية، فضلاً عن التفاؤل برؤية "إندونيسيا الذهبية 2045". ولكن من ناحية أخرى، فإن الفئة التي طالما شكلت العمود الفقري للاستهلاك المحلي تواجه ضغوطاً متزايدة القسوة، وهي الطبقة المتوسطة. فهم ليسوا من الفئات الفقيرة التي تتلقى المساعدات الاجتماعية المتنوعة، وليسوا كذلك من الأثرياء الذين يمتلكون مصدات من الأصول والاستثمارات الضخمة. إن الطبقة المتوسطة تقف في المنتصف؛ فهي محرك الاستهلاك، وأكبر دافعي الضرائب، وفي الوقت نفسه الفئة الأكثر عرضة للتراجع الاقتصادي عند حدوث أي صدمات.

في السنوات الأخيرة، تشير مؤشرات مختلفة إلى أن الطبقة المتوسطة في إندونيسيا تواجه ضغوطاً حقيقية؛ فركود الدخل الحقيقي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وغلاء التعليم والرعاية الصحية، وعدم اليقين الوظيفي الناتج عن التحول الرقمي، إلى جانب تفاقم ديون الأسر، كل ذلك شكل مزيجاً أدى إلى تآكل قدرة هذه الفئة على الصمود. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن للاقتصاد الإسلامي أن يكون جزءاً من الحل؟ وهل يمكن لهذا النظام الاقتصادي القائم على مبادئ العدالة والاستدامة والتكافؤ أن يكون "المنقذ" للطبقة المتوسطة الإندونيسية المأزومة؟

عندما نتحدث عن الطبقة المتوسطة، فإننا في الواقع نتحدث عن الأساس المتين للاقتصاد الإندونيسي. وتظهر بيانات الهيئة المركزية للإحصاء (BPS) لعام 2024 أن فئة الطبقة المتوسطة والفئة المرشحة لدخولها تمثلان 66.35 في المائة من إجمالي سكان إندونيسيا. والأهم من ذلك، أن هذه المجموعة تساهم بنحو 81.49 في المائة من إجمالي الاستهلاك العائلي الوطني. وهذا يعني أن الجزء الأكبر من العجلة الاقتصادية الإندونيسية يتحرك بفضل إنفاق هذه الفئة. بناءً على ذلك، عندما تتعرض الطبقة المتوسطة لضغوط، فإن الأثر لا يقتصر على الأسر ذاتها، بل يمتد ليشمل الاقتصاد بأكمله.

بيد أن الاتجاه الحالي يشير للأسف إلى انكماش في حجم الطبقة المتوسطة. وتوضح أحدث البيانات أن عدد أفراد الطبقة المتوسطة في إندونيسيا انخفض من 47.9 مليون نسمة في عام 2024 إلى حوالي 46.7 مليون نسمة في عام 2025. وفي المقابل، ارتفع عدد أفراد الفئة "الطامحة للدخول في الطبقة المتوسطة" إلى حوالي 142 مليون نسمة. قد تبدو هذه الأرقام للوهلة الأولى غير مقلقة، ولكن عند التدقيق فيها، يتضح أن جزءاً من المجتمع الذي كان يصنف سابقاً ضمن الطبقة المتوسطة قد عانى من تراجع قدرته الاقتصادية وانزلق إلى فئة أكثر هشاشة. بل إن تقريراً لوكالة "رويترز" أشار إلى أن نسبة الطبقة المتوسطة من إجمالي السكان في إندونيسيا تراجعت من نحو 21.5 في المائة في عام 2019 إلى حوالي 17.1 في المائة في عام 2024. ويمثل هذا التراجع تهديداً خطيراً، نظراً لأن الاستهلاك العائلي يعد المساهم الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي لإندونيسيا، وإذا ضعف الاستهلاك، سيفقد النمو الاقتصادي قوته الدافعة.

وتكمن وراء هذا الوضع عدة عوامل رئيسية؛ أولها أن الوظائف ذات الجودة العالية تنمو بوتيرة أبطأ من نمو القوى العاملة. فرغم نجاح إندونيسيا في خلق ملايين الوظائف، إلا أن معظمها تتركز في القطاع غير الرسمي أو تتميز بإنتاجية منخفضة. ونتيجة لذلك، يضطر الكثير من خريجي الجامعات للعمل في مجالات لا تتناسب مع مؤهلاتهم، مما يعني أن الارتفاع في المستوى التعليمي لا يتبعه بالضرورة زيادة في الدخل. وتنتج هذه الظاهرة ما يُعرف بـ "فخ الطبقة المتوسطة المتعلمة"، حيث يحمل الفرد شهادة جامعية، لكن دخله لا يكفي للحفاظ على نمط حياة الطبقة المتوسطة.

العامل الثاني يتمثل في أن تكاليف المعيشة ترتفع بسرعة أكبر من نمو الدخل؛ فأسعار العقارات في تصاعد مستمر، وتكاليف التعليم تزداد غلاءً، ونفقات الرعاية الصحية في ارتفاع، في حين أن زيادة الرواتب غالباً ما تعجز عن مجاراة هذا الغلاء. هذا الوضع جعل الهامش المالي للأسر من الطبقة المتوسطة يضيق بشكل حاد؛ فبعد أن كان لديهم فائض للادخار والاستثمار، باتت معظم دخولهم تُستنزف في تلبية الاحتياجات اليومية الروتينية.

العامل الثالث هو ظاهرة "التحول نحو خيارات أقل تكلفة" (Downtrading). وتظهر الاستطلاعات المختلفة أن الطبقة المتوسطة بدأت تغير سلوكها الاستهلاكي؛ فهم ما زالوا يرتادون مراكز التسوق، لكنهم باتوا أكثر انتقائية في شراء السلع، حيث يبحثون عن بدائل أرخص، ويشترون بكميات أقل، ويظهرون حساسية شديدة تجاه الأسعار. وتعد هذه الظاهرة إشارة كلاسيكية واضحة على تراجع القوة الشرائية.

العامل الرابع يتجسد في زيادة الهشاشة المالية؛ فالكثير من أسر الطبقة المتوسطة تعيش على الكفاف من راتب إلى راتب. وعند حدوث أي طارئ مثل فقدان الوظيفة، أو المرض، أو أي نفقات مفاجئة، فإنهم يفتقرون إلى الاحتياطيات المالية الكافية، مما يدفع بعضهم للاعتماد على القروض الاستهلاكية، بما في ذلك القروض الإلكترونية عبر الإنترنت، وهو ما يزيد من تفاقم وضعهم المالي سوءاً.

إن الضغوط التي تواجهها الطبقة المتوسطة تكشف أيضاً عن وجود خلل هيكلي أعمق. فعلى مدى العقدين الماضيين، حقق الاقتصاد الإندونيسي نمواً مستقراً نسبياً، لكن هذا النمو لم يثمر عن تحول اقتصادي حقيقي قادر على توليد وظائف رسمية عالية الجودة وبأعداد كبيرة. ويرى العديد من الاقتصاديين أن التراجع المبكر للتصنيع (Deindustrialization) هو أحد الأسباب الرئيسية؛ إذ تواصل مساهمة قطاع الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي انخفاضها، في حين أصبح النمو مدفوعاً بشكل أكبر بقطاع السلع الأساسية والخدمات ذات الإنتاجية المنخفضة. وتاريخياً، فإن الطبقة المتوسطة القوية تنشأ دائماً من تصنيع قوي يوفر وظائف رسمية بأجور مجزية، وبدون خلق وظائف إنتاجية واسعة النطاق، سيكون من الصعب على الطبقة المتوسطة أن تنمو وتزدهر، ومن هنا يكتسب الحديث عن الاقتصاد الإسلامي أهمية بالغة.

يفهم الكثير من الناس الاقتصاد الإسلامي في حدود البنوك الإسلامية، أو الزكاة، أو علامات المنتجات الحلال فقط، في حين أن حقيقة الاقتصاد الإسلامي أوسع من ذلك بكثير. فهو يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية: العدالة في التوزيع، والنشاط الاقتصادي المرتبط بالقطاع الحقيقي، وحظر الاستغلال والمضاربات المفرطة. وتعتبر هذه المبادئ ذات صلة وثيقة بالمشكلات التي تواجهها الطبقة المتوسطة اليوم. ففي الوقت الذي يهيمن فيه النشاط المضاربي والتفاوت في توزيع الدخل على الاقتصاد الحديث، يقدم الاقتصاد الإسلامي منهجاً أكثر شمولاً، لا يهدف فقط إلى تحقيق النمو، بل يضمن أيضاً توزيع ثمار هذا النمو بشكل أكثر عدالة.

ومن أكبر الضغوط التي تثقل كاهل الطبقة المتوسطة هي التكلفة العالية للتمويل، بدءاً من قروض المنازل والسيارات والتعليم وصولاً إلى رؤوس أموال المشاريع. ومن الناحية النظرية، يوفر نظام التمويل الإسلامي علاقة أكثر عدالة من خلال مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر والتمويل القائم على الأصول. ورغم أن العمل المصرفي الإسلامي في إندونيسيا لا يزال يعتمد بشكل كبير في تطبيقه العملي على صيغ المرابحة، والتي تشبه اقتصاديًا القروض التقليدية، إلا أن مسار تطويره يظل واعداً. وقد بلغت الأصول المالية الإسلامية في إندونيسيا نحو 3,100 تريليون روبية في عام 2025، محققة نمواً سنوياً بنسبة 8.61 في المائة، وهو ما يعكس ثقة المجتمع المتزايدة في هذا القطاع. وإذا ما استمر الابتكار في المنتجات، فإن التمويل الإسلامي يمتلك القدرة على أن يكون بديلاً أكثر أماناً للطبقة المتوسطة، لا سيما في تمويل السكن والتعليم وتطوير المشاريع الإنتاجية.

غالباً ما يُنظر إلى الزكاة كأداة لمساعدة الفقراء والمساكين فقط، لكن أثرها في الواقع يتجاوز ذلك بكثير. فعندما تُدار الزكاة بشكل إنتاجي، يمكنها منع الفئات الهشة من السقوط في مستنقع الفقر. فالكثير من عائلات الطبقة المتوسطة لا يفصلها عن الفقر سوى صدمة اقتصادية واحدة؛ وفقدان الوظيفة، أو المرض الشديد، أو إفلاس العمل قد يودي بهم سريعاً إلى طبقة أدنى. وفي هذا السياق، يمكن لمنظومة زكاة قوية أن تعمل كشبكة أمان اجتماعي تكمل البرامج الحكومية، لاسيما وأن الإمكانات الوطنية للزكاة لا تزال ضخمة ولم تُستغل بعد على الوجه الأمثل.

أما المعضلة الأخرى التي ترهق الطبقة المتوسطة فهي الارتفاع الباهظ في تكاليف التعليم والرعاية الصحية، وهنا تبرز الأهمية البالغة لمفهوم الوقف الإنتاجي. فإذا ما استُخدمت أصول الوقف لبناء مدارس متميزة، ومستشفيات حديثة، ومراكز أبحاث، أو مجمعات سكنية بأسعار معقولة، فإن العبء الأكبر الذي تحمله الطبقة المتوسطة سيتقلص بشكل ملحوظ. وتظهر تجارب دول مختلفة عبر التاريخ أن مؤسسات الوقف كانت الركيزة الأساسية لتقديم الخدمات العامة لقرون طويلة، ولكن هذه الطاقات الكامنة لم تُستثمر بشكل كامل في إندونيسيا بعد.

كما يتميز الاقتصاد الإسلامي بقدرته الكبيرة على دعم ريادة الأعمال؛ إذ يتيح مبدأ الشراكة وتقاسم الأرباح والخسائر توزيع مخاطر العمل بين الأطراف المتشاركة. وبالنسبة لأفراد الطبقة المتوسطة الذين يرغبون في تأسيس مشاريعهم الخاصة ولكنهم يفتقرون إلى رأس المال، فإن صيغاً مثل المشاركة والمضاربة يمكن أن تمثل حلولاً جاذبة. وعلاوة على ذلك، يفتح نمو صناعة المنتجات الحلال آفاقاً اقتصادية جديدة تشمل الأغذية الحلال، والأزياء المحتشمة، والأدوية ومستحضرات التجميل الحلال، والسياحة الحلال، والاقتصاد الرقمي الإسلامي. ويمكن لهذه القطاعات أن تصبح مصادر نمو جديدة قادرة على استيعاب العمالة المتعلمة وتوسيع قاعدة الطبقة المتوسطة.

ورغم هذه الإمكانات الكبيرة، يجب أن نكون واقعيين؛ فالاقتصاد الإسلامي ليس حلاً سحرياً وفورياً. وهناك نزعة لدى البعض للاعتقاد بأن التوسع في الصناعة المالية الإسلامية كفيل بحل كافة المعضلات الاقتصادية، وهذا التصور يبسط الأمور أكثر من اللازم. إن المشكلة الأساسية للطبقة المتوسطة في إندونيسيا تظل هيكلية وطبيعية؛ فلا بد من زيادة الوظائف عالية الجودة، ورفع إنتاجية العمالة، وتعزيز الاستثمارات في قطاع التصنيع، وجعل التعليم أكثر ملاءمة لمتطلبات سوق العمل. وبدون هذه الإصلاحات الجذرية، سيظل الاقتصاد الإسلامي مجرد عامل مكمل وليس حلاً أساسياً. يُضاف إلى ذلك أن الصناعة المالية الإسلامية لا تزال تواجه تحديات جمة، مثل تدني الوعي المالي لدى المجتمع، وصغر حصتها السوقية نسبياً، ومحدودية الابتكار في المنتجات، فضلاً عن مستويات الكفاءة التي لم تصل بعد إلى حدها الأقصى، مما يجعل الإصلاح الداخلي للاقتصاد الإسلامي حاجة ملحة وعاجلة.

إن ما تحتاجه إندونيسيا اليوم ليس مجرد زيادة عدد أفراد الطبقة المتوسطة، بل خلق طبقة متوسطة قوية ومتماسكة؛ طبقة تحظى بوظائف إنتاجية، وتملك القدرة على الادخار، وتتمتع بفرص الوصول إلى تعليم متميز ورعاية اجتماعية كافية، وتستطيع الاستثمار وبناء المشاريع. وفي هذا الإطار، يقدم الاقتصاد الإسلامي حزمة من الأدوات التي يمكن أن تسهم في تحقيق ذلك؛ فالبنوك الإسلامية يمكنها تيسير الوصول إلى تمويلات آمنة، والزكاة يمكنها تعزيز الحماية الاجتماعية، والوقف الإنتاجي يمكنه خفض تكاليف المعيشة، بينما تستطيع صناعة الحلال توليد فرص عمل جديدة، وفي الوقت ذاته، يمثل مبدأ العدالة التوزيعية تصحيحاً لنموذج النمو الذي يتركز بشكل مفرط في أيدي فئات معينة.

إن انكماش الطبقة المتوسطة ليس مجرد رقم إحصائي عابر، بل هو ناقوس خطر ينذر بأن ركائز الاستهلاك والنمو الاقتصادي في إندونيسيا تواجه ضغوطاً حقيقية. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن هدف التحول إلى دولة متقدمة بحلول عام 2045 سيكون بعيد المنال، إذ لا توجد دولة متقدمة بدون طبقة متوسطة قوية. وهنا تكمن أهمية الاقتصاد الإسلامي، لا كبديل للنظام الاقتصادي الوطني، بل كشريك في عملية التحول يقدم مبادئ العدالة والشمولية والاستدامة. ولم يعد السؤال اليوم يدور حول ما إذا كان الاقتصاد الإسلامي قادراً على إنقاذ الطبقة المتوسطة، بل يكمن في مدى جديتنا في جعل الاقتصاد الإسلامي أداة تنموية تنحاز فعلياً نحو تقوية هذه الطبقة ودعمها.

وإذا أُحسنت إدارته، فإن الإجابة تدعو إلى التفاؤل؛ فقد لا يكون الاقتصاد الإسلامي قادراً بمفرده على حل جميع مشكلات الطبقة المتوسطة في إندونيسيا، ولكنه بلا شك يمكن أن يكون أحد الركائز الأساسية لضمان ألا تكتفي ملايين العائلات الإندونيسية بمجرد البقاء والصمود، بل لتتمكن من الصعود مجدداً وتصبح المحرك الفاعل لنمو اقتصادي وطني أكثر عدالة واستدامة.

نُشر هذا المقال في زاوية CNBC إندونيسيا يوم السبت (13/06/2026).