الزكاة والوقف كحواجز اقتصادية وسط حالة عدم اليقين العالمي

الزكاة والوقف كحواجز اقتصادية وسط حالة عدم اليقين العالمي

محمد نور ريانتو العارف

أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية
الأمين العام لرابطة المحاضرين الإندونيسيين
رئيس قسم السياسات العامة في المعهد الدولي للمهندسين الإندونيسيين
رئيس فرع جاكرتا للمعهد الإندونيسي للمهندسين الإندونيسيين
مدير برنامج القيادة والتعلم التابع لمجلس العلماء الإندونيسيين

الضغوط الاقتصادية العالمية لم تعد مجرد خطاب نظري، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يتمثل في تراجع أسعار الصرف، وتقلب أسعار الطاقة، واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وبالنسبة لإندونيسيا، تمثل هذه الأوضاع اختبارًا جادًا، خاصة مع بدء الحكومة بقيادة برابوو سوبيانتو تنفيذ مجموعة من البرامج ذات الأولوية التي تتطلب حيزًا ماليًا كبيرًا.

جاءت حكومة برابوو سوبيانتو بطموحات كبيرة، تتمثل في تسريع النمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين جودة الموارد البشرية من خلال برامج اجتماعية واسعة النطاق مثل برنامج الوجبات الغذائية المجانية. وتعكس هذه الرؤية بوضوح قناعة بأن الدولة يجب أن تكون أكثر حضورًا وقوة وفعالية في دفع عجلة الرفاه الاجتماعي.

غير أنه، خلف هذه الطموحات، يبرز سؤال جوهري نادرًا ما يُناقش بجدية، وهو: ما مدى قوة الدعامة الاقتصادية لإندونيسيا؟ لقد تم اختزال هذه الدعامة غالبًا في الميزانية العامة للدولة. فعند حدوث الأزمات، تقوم الدولة بزيادة الإنفاق الاجتماعي، وتوسيع الدعم، أو تقديم حوافز مالية. لكن هذا النهج له حدود، إذ يجب الحفاظ على عجز الميزانية ضمن سقف معين، وعدم تضخم الدين، وضمان ثقة الأسواق.

والمفارقة أن هناك موارد كبيرة لا تزال خارج المنظومة الاقتصادية الوطنية، وهي الزكاة والوقف. فلو أُديرت هاتان الأداتان بشكل جاد، لأمكن أن تشكلا دعامة اقتصادية فعالة ومستدامة. ومع ذلك، لا تزال الزكاة والوقف يُنظر إليهما غالبًا كمسألة دينية وأخلاقية، وليس كأدوات اقتصادية استراتيجية.

إندونيسيا ليست دولة تفتقر إلى الموارد الاجتماعية. تشير الدراسات إلى أن إمكانات الزكاة الوطنية تتراوح بين 250 و320 تريليون روبية سنويًا، بينما يُقدّر حجم الوقف النقدي بحوالي 180 تريليون روبية سنويًا. وإذا أُضيفت إليها الصدقات والتبرعات، فإن إجمالي أموال المجتمع قد يتجاوز 400 تريليون روبية سنويًا، وهو رقم يقارب حجم الإنفاق على الحماية الاجتماعية في الميزانية العامة.

لكن الواقع يختلف كثيرًا، إذ لا يتجاوز تحصيل الزكاة 40 إلى 45 تريليون روبية سنويًا، بينما لا يصل الوقف النقدي حتى إلى 1% من إمكاناته. وهذا يعني أن أكثر من 80% من إمكانات الزكاة، ومعظم إمكانات الوقف، لا تزال غير مستغلة.

ولا يُعد هذا مجرد فجوة عادية، بل يعكس خللًا هيكليًا، ويشير إلى وجود دعامة اقتصادية مجتمعية كبيرة غير مفعّلة. وفي سياق السياسات العامة، يُعد ذلك نوعًا من الهدر المكلف.

في الاقتصاد الإندونيسي، يُعد الاستهلاك الأسري المحرك الرئيسي للنمو، حيث يساهم بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي. وعندما تتراجع القدرة الشرائية، يتباطأ النمو الاقتصادي. وهنا تبرز أهمية الزكاة.

فعلى عكس الحوافز المالية التي تحتاج إلى وقت، تُوزَّع الزكاة مباشرة على المستحقين الذين يتمتعون بميل مرتفع للاستهلاك، ما يعني أن كل وحدة نقدية من الزكاة تعود سريعًا إلى الدورة الاقتصادية. وبالتالي، تؤدي الزكاة دورًا مهمًا في دعم القدرة الشرائية للفئات الفقيرة، وتعمل كشبكة أمان اجتماعي، ومحفز اقتصادي مجتمعي.

غير أن فعاليتها لا تزال محدودة، لأن معظمها يُصرف في شكل مساعدات استهلاكية قصيرة الأجل. ورغم أهمية ذلك في حالات الطوارئ، إلا أن استمرار هذا النهج يجعل الزكاة مجرد حل مؤقت لا يعالج جذور المشكلة.

ومن منظور اقتصادي، لهذا النهج ثلاث نقاط ضعف رئيسية: أولًا، لا يعزز الاستقلال الاقتصادي للمستفيدين؛ ثانيًا، لا يحقق أثرًا طويل الأجل؛ وثالثًا، لا يرتبط بالنظام الاقتصادي الأوسع. في حين أنه لو وُجّهت الزكاة نحو القطاعات الإنتاجية، مثل تمويل المشاريع الصغيرة، لكان أثرها أكبر بكثير، حيث تتحول من أداة توزيع إلى أداة تنمية.

أما الوقف، فيمثل دعامة طويلة الأجل. لكن المشكلة تكمن في ضعف استثماره، حيث تتركز معظم أصوله في أراضٍ غير منتجة تُستخدم للمساجد أو المقابر. ورغم أهمية هذه الاستخدامات، إلا أن حصر الوقف فيها يُفقده دوره الاقتصادي. تاريخيًا، كان الوقف ركيزة لتمويل التعليم والصحة والخدمات العامة بشكل مستدام.

وفي ظل برامج الحكومة، مثل تنمية الموارد البشرية وتعزيز الأمن الغذائي، يمكن للوقف أن يشكل مصدر تمويل بديل يخفف العبء عن الميزانية العامة، إذا ما أُدير بطريقة إنتاجية.

إن برامج مثل التغذية المجانية، رغم أهميتها، تفرض تحديات مالية كبيرة. وهنا يمكن للزكاة والوقف أن يكونا مكملين للسياسات الحكومية، بحيث تدعم الزكاة الفئات الضعيفة، بينما يموّل الوقف البنية التحتية الاجتماعية.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الدولة لم تدمج بعد الزكاة والوقف ضمن النظام الاقتصادي الوطني بشكل كامل. فهناك تشريعات ومؤسسات، لكنها لا تزال تعمل بشكل جزئي وغير متكامل.

ومن أبرز التحديات: تشتت المؤسسات، ضعف الوعي المجتمعي، انخفاض الثقة، هيمنة النهج الخيري قصير الأجل، وغياب التكامل مع السياسات الاقتصادية.

لذلك، ينبغي التحول نحو نظام متكامل يُعرف بـ(ZISWAF)، حيث تؤدي الزكاة دور الدعم قصير الأجل، والصدقات دورًا مرنًا، والوقف دور الدعم طويل الأجل.

ولتحقيق ذلك، هناك خطوات ضرورية، منها: دمج الزكاة والوقف في السياسات الاقتصادية، تعزيز الشفافية والرقمنة، إصلاح المؤسسات، التركيز على الأثر الحقيقي، وتوفير إرادة سياسية قوية.

تمتلك إندونيسيا كل المقومات لبناء نظام اقتصادي متين قائم على التكافل الاجتماعي، لكن الزكاة والوقف لا يزالان مهمّشين.

وفي ظل حكومة برابوو سوبيانتو، تبرز فرصة حقيقية لتغيير هذا الواقع. والسؤال ليس ما إذا كان يمكن للزكاة والوقف أن يكونا دعامة اقتصادية، بل هل نحن مستعدون لدمجهما ضمن النظام، أم سنتركهما كإمكانات غير مستغلة؟

إذا أُديرت هذه الأدوات بشكل صحيح، فإنها لن تسهم فقط في تخفيف الأزمات، بل ستؤسس لاقتصاد أكثر عدالة واستدامة وشمولًا.

نُشر هذا المقال على موقع سي إن بي سي إندونيسيا يوم الجمعة الموافق 10 أبريل 2026.

الوسوم: أستاذ في جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية