الروبية تتذبذب، مؤشر البورصة يهتز: علاج الجذور، ليس مجرد الأعراض، الحلول الاقتصادية الإسلامية

الروبية تتذبذب، مؤشر البورصة يهتز: علاج الجذور، ليس مجرد الأعراض، الحلول الاقتصادية الإسلامية

بقلم: الأستاذة الدكتورة إيناس أماليا
(أستاذة الاقتصاد الإسلامي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا / رئيسة القسم الخامس بالمجلس التنفيذي المركزي لجمعية خريجي الاقتصاد الإسلامي الإندونيسية (IAEI) / نائبة مجلس الخبراء بالمجمع الإندونيسي للاقتصاد الشامل (MES))

جاكرتا، وكالة ريبوبليكا للأنباء-- مع الدخول في الأسبوع الثاني من شهر يونيو ٢٠٢٦، شهدت الأسواق المالية الإندونيسية مشهدًا دراماتيكيًا ومربكًا في آن واحد. ففي الثامن من يونيو، تهاوت قيمة الروبية الإندونيسية لتتجاوز حاجز ١٨,١٠٠ روبية مقابل الدولار الأمريكي الواحد، مسجلةً أدنى مستوى لها في التاريخ. ومنذ بداية العام الحالي، فقدت العملة الوطنية ما يقرب من ٩ بالمئة من قيمتها، مما جعلها واحدة من أسوأ العملات أداءً في آسيا.

ولم يكن مؤشر أسعار الأسهم الموحد (IHSG) بأفضل حال؛ إذ هبط إلى أدنى مستوياته السنوية ليتأرجح عند حدود ٥,٣١٧ نقطة، متراجعًا بنحو ٣٥ بالمئة خلال ستة أشهر، ليحمل لفترة وجيزة لقب أسوأ البورصات أداءً في العالم. ومع ذلك، شهد يومي ٩ و١٠ يونيو تحولاً حاداً؛ حيث قفز المؤشر بنسبة ٧٫٥٧ بالمئة، تلاها صعود آخر بنسبة ٢٫٧١ بالمئة ليصل إلى مستوى ٥,٩٠٢ نقطة، بينما تعافت الروبية نسبيًا لتعود إلى مستوى ١٧,٩٠٠ روبية للدولار.

وكان المحرك لهذا التعافي هو القرار المفاجئ بزيادة سعر الفائدة لدى بنك إندونيسيا المركزي (BI Rate) بمقدار ٢٥ نقطة أساس ليصل إلى ٥٫٥٠ بالمئة في اجتماع استثنائي خارج الجدول الزمني المحدد، إلى جانب طرح خطة لإعادة شراء (Buyback) أسهم الشركات المملوكة للدولة (BUMN). والسؤال المطروح هنا: هل هذا الارتفاع مؤشر على انجلاء العاصفة، أم أنه مجرد هدوء مؤقت تتبعه أزمات أكثر عمقًا؟

لقد خلص "منتدى أساتذة إنسان شيتا" (Forum Guru Besar Insan Cita) في ندوته المنعقدة بتاريخ ٨ يونيو ٢٠٢٦، بناءً على شروحات أساتذة وخبراء في الاقتصاد والنقد، إلى أن ما نواجهه اليوم هو بمثابة "ضوء أصفر" تحذيري وليس "ضوءًا أحمر". فالركائز الأساسية للقطاع المصرفي لم تهتز بعد، والتضخم لا يزال تحت السيطرة، والاحتياطي النقدي الأجنبي كافٍ لتغطية الواردات لنحو ستة أشهر، وصامد حتى الآن.

إن ما حدث بالفعل هو أزمة ثقة في السوق، وليس أزمة اقتصادية شاملة وشبيهة بأزمة عام ١٩٩٧ / ١٩٩٨. وبالتالي، فإن الانتعاش الذي استمر ليومين متتاليين ينبغي قراءته بدقة على أنه "صعود تنفيسي" (Relief Rally)؛ أي هدوء مؤقت للذعر، دون زوال أسباب القلق الحقيقية. ولا يزال الفاعلون في السوق يترقبون وتيرة خروج رؤوس الأموال الأجنبية (Capital Outflow) وعلاوة مخاطر المالية العامة (Fiscal Risk Premium) التي لا تزال تخيم على الأجواء.

تكمن جذور هذا الاضطراب في تدفقات رؤوس الأموال؛ حيث قام المستثمرون الأجانب بعمليات بيع مكثفة للأسهم في مطلع يونيو - وسجل صافي البيع أكثر من تريليون روبية في يوم واحد - مدفوعين بمخاوف حيال توجهات السياسة المالية، واستقلالية البنك المركزي، وشفافية سوق رأس المال. وقد زاد تخفيض النظرة المستقبلية للاقتصاد الإندونيسي من قبل وكالتي "موديز" و"فيتش" للتصنيف الائتماني من قتامة هذه المشاعر.

إن خروج رؤوس الأموال ليس مجرد أرقام على شاشات البورصة، بل هو ضغط مباشر على الروبية، ورفع لتكلفة استيراد المواد الخام، وفي نهاية المطاف، إنهاك للقطاع الحقيقي. وعندما تضعف الروبية، تواجه الصناعات التي تعتمد على المكونات المستوردة قفزة في تكاليف الإنتاج، وتراجعًا في هوامش الربح، وانخفاضًا في الإنتاجية. وهذا ما يخشاه الاقتصاديون: تسلل الأعراض المالية إلى قلب الاقتصاد الإنتاجي.

وقد بدأت قنوات هذا التأثير تظهر جليًا على أرض الواقع. فاعتبارًا من ١٠ يونيو ٢٠٢٦، وتماشيًا مع القفزة في أسعار النفط العالمية جراء الصراعات في الشرق الأوسط، رُفعت أسعار الوقود غير المدعوم بشكل ملحوظ؛ حيث ارتفع سعر وقود "بيرتاماكس" (RON 92) بنسبة ٣٢ بالمئة ليصل إلى ١٦,٢٥٠ روبية للتر الواحد، وارتفع "بيرتاماكس غرين ٩٥" بنسبة تقارب ٣٢ بالمئة ليبلغ ١٧,٠٠٠ روبية للتر. ورغم أن الحكومة ثبتت أسعار وقود "بيرتاليت" و"الديزل الحيوي" لحماية القدرة الشرائية للفئات الضعيفة، إلا أن زيادة أسعار الوقود غير المدعوم تنطوي على مخاطر الانتقال إلى تكاليف اللوجستيات، وأسعار المواد الغذائية، والسلع الاستهلاكية؛ وهو أثر الدومينو المتتابع الذي حذر منه الاقتصادي والوزير الأسبق خطيب بصري كأثر مباشر لضعف الروبية.

بالنسبة للأسر الإندونيسية، هذا هو الوجه الحقيقي للأزمة: ليس منحنيات أسعار الصرف، بل الأسعار في الأسواق. وتكمن المخاوف الأساسية ليس في التضخم المؤقت، بل في تشكل "توقعات تضخمية" لدى المجتمع إذا استشعروا أن ارتفاع أسعار الطاقة سيستمر. ومتى ما ترسخت تلك التوقعات، فإن أصحاب العمل والتجار سيميلون إلى رفع الأسعار مسبقًا، مما يجعل السيطرة على دوامة التكاليف أمرًا بالغ الصعوبة، وهو ضغط ينهش في القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة التي تمثل العمود الفقري للاستهلاك المحلي.

وهنا نتساءل: هل كانت خطوات بنك إندونيسيا صائبة؟ على المدى القصير، يمكن وصف استجابة البنك المركزي بالسرعة واليقظة. فبعد رفعه أسعار الفائدة بمقدار ٥٠ نقطة أساس في مايو الماضي - وهي الزيادة الأولى منذ عام ٢٠٢٢ - عاد ليفاجئ السوق برفع الفائدة مجددًا بمقدار ٢٥ نقطة أساس لتصل إلى ٥٫٥٠ بالمئة في ٩ يونيو، مصحوبة بتدخل مكثف في سوق الصرف الأجنبي وحزمة "الخطوات الاستراتيجية السبع" لتعزيز الروبية. وقد أكد محافظ البنك، بيري وارجيو، أن هذه الخطوة تهدف إلى تثبيت سعر الصرف وسط الاضطرابات العالمية والحفاظ على التضخم ضمن النطاق المستهدف البالغ ٢٫٥ بالمئة (± ١٪). وقد أدت الاستجابة الإيجابية للسوق - المتمثلة في تعافي الروبية وصعود البورصة - إلى نجاح هذه السياسة في كبح جماح الذعر على المدى القصير.

لكن هنا تكمن الحدود والقيود؛ فالفائدة المرتفعة وإن كانت تجذب رؤوس أموال المحافظ الاستثمارية، إلا أنها تزيد من الأعباء على قطاع الأعمال وتكلفة الائتمان، وتأتي في وقت يعاني فيه القطاع الحقيقي من الركود. وتجربة مايو الماضي تقدم درسًا بليغًا؛ حيث رفع البنك الفائدة وتدخل في الأسواق، ومع ذلك استمرت الروبية في التراجع.

وهذا يعني أن السياسة النقدية في جوهرها لا تفعل شيئاً سوى "شراء الوقت". وطالما لم تُعالج الجذور الهيكلية للأزمة - مثل الثقة في الحوكمة المالية والمؤسسية - فإن الاستقرار النقدي يظل مسكنًا للأعراض وليس علاجًا للمرض. بل إن التساؤلات التي أثارها الرأي العام حول استقلالية البنك المركزي أصبحت جزءًا من أزمة الثقة ذاتها.

وقد شدد "منتدى أساتذة إنسان شيتا" على أن الاكتفاء بتثبيت سعر الصرف ومؤشر الأسهم ليس كافيًا؛ فالأزمة الإندونيسية ذات طبيعة هيكلية: وتتمثل في عجز الحساب الجاري الناتج عن الاعتماد على استيراد الطاقة والغذاء؛ وتراجع التصنيع (Deindustrialization) الذي قلص مساهمة القطاع التحويلي في الناتج المحلي الإجمالي من ١٨٫٤ بالمئة إلى ١٦٫٩ بالمئة، في الوقت الذي تنطلق فيه دول كمثل فيتنام بسرعة؛ فضلاً عن التفاوت الطبقي الحاد؛ حيث تسيطر فئة قليلة من الحسابات على غالبية الودائع المصرفية، ويستحوذ نحو ١ بالمئة من السكان على معظم الأراضي.

وفوق كل ذلك، تبرز معضلة الحوكمة: من تخصيص ميزانيات ضخمة مع ضعف الرقابة، والمخاوف المستمرة من هيمنة الأوليغارشية. وبدون إصلاح هذه الركائز، فإن أي تعافٍ سيكون مؤقتًا. وتظهر بيانات المنتدى تفاوتًا يكاد يكون صارخًا؛ إذ تسيطر نحو ١٫٢٥ بالمئة من الحسابات على أكثر من ٨٠ بالمئة من إجمالي الودائع المصرفية، بينما لا تملك نسب مئوية واسعة من المواطنين أي مدخرات تذكر. وفي ظل هذه الظروف، فإن النمو الذي يُقاس فقط بأرقام العملة ومؤشرات الأسهم سيفقد معناه إذا لم ينعكس على أغلبية الشعب.

وقد رسم المنتدى ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة:

* **السيناريو الخفيف:** استقرار الروبية بين ١٧,٥٠٠ و١٨,٥٠٠ واستعادة البورصة لمستوى ٧,٠٠٠ نقطة مع بقاء النمو فوق ٤٫٥ بالمئة.
* **السيناريو المتوسط:** تجاوز الروبية حاجز ١٨,٥٠٠، وهبوط البورصة نحو ٥,٠٠٠ نقطة، وصاحب ذلك موجات تسريح للعمالة وتراجع حاد في القدرة الشرائية.
* **السيناريو الشديد:** وهو الأزمة الحقيقية التي تقع إذا تزامنت ستة متغيرات: تجاوز الروبية مستوى ٢٠,٠٠٠ دون تصحيح، تراجع الاحتياطي النقدي دون ١٠٠ مليار دولار، وصول عجز الموازنة إلى ٥-٦ بالمئة، حدوث تهافت على سحب الودائع المصرفية (Bank Rush)، نزوح جماعي للمستثمرين الأجانب، وضغوط شديدة على السيولة المصرفية. وموقعنا الحالي يقع بين السيناريوهين الخفيف والمتوسط؛ وهو موقع يستدعي الحذر الشديد، لكنه لا يغلق الباب أمام إمكانية تصحيح المسار.

إن الحسم في نهاية المطاف ليس بيد التكنوقراطية النقدية، بل يعتمد على الإرادة السياسية. فطالما ظلت العلاقة بين القوى الاقتصادية والسلطة السياسية متشابكة ومصالحها متبادلة، فإن إصلاح الحوكمة سيظل رهينة لها. ولذلك، فإن الإصلاح المالي الشفاف، وتطبيق القانون دون انتقائية، والجرأة في تفكيك هيمنة الأوليغارشية، هي شروط أساسية لاستعادة ثقة السوق بشكل مستدام؛ فالأسواق لا تقرأ الأرقام فحسب، بل تقرأ التوجهات والانحيازات السياسية. وهنا تبرز الحاجة إلى براديغام (نموذج فكري) لا يكتفي بالترقيع، بل يعيد ترتيب الأسس.

وفي هذه النقطة بالتحديد، يقدم منظور الاقتصاد الإسلامي إطارًا هيكليًا ملائمًا، ليس كشعارات، بل كمنهج للعلاج البنيوي. ومبدأه الأساسي بسيط: **يجب ربط المال بالقطاع الحقيقي**. ففي الاقتصاد الإسلامي، تنمو الثروة من الإنتاج الفعلي للسلع والخدمات، لا من المضاربات المالية.

إن تحريم الربا والمعاملات القائمة على المضاربة (الغرر والميسر) يمثل في جوهره كبحًا لجماح رؤوس الأموال الساخنة (Hot Money) التي تعد مصدر التقلبات اليوم. فالأموال القائمة على أساس المشاركة في الربح والخسارة (Profit-Loss Sharing) تميل إلى الارتباط بالمشاريع الإنتاجية ولا تفر هارية عند تغير أمزجة المستثمرين، وهو تمامًا عكس سلوك خروج رؤوس الأموال (Capital Outflow) الذي يضربنا اليوم.

ومن الناحية العملية، يمكن تعزيز عدة أدوات؛ **أولاً:** تمويل التنمية عبر الصكوك القائمة على الأصول الحقيقية والمشاريع الإنتاجية، مما يقلل الاعتماد على الديون الربوية ورؤوس أموال المحافظ المتذبذبة. **ثانياً:** تفعيل الزكاة والأوقاف كأدوات للتوزيع وشبكات أمان اجتماعي لتقليص الفجوة الطبقية؛ فالوقف الإنتاجي - على سبيل المثال - يمكنه تمويل قطاعات الغذاء والطاقة المتجددة للحد من الاعتماد على الاستيراد الذي يضغط على العملة.

**ثالثاً:** تعزيز الصناعات الحلال والاقتصاد الحقيقي القائم على المجتمعات المحلية لزيادة الإنتاجية المحلية والاعتماد على الذات، ووقف تراجع التصنيع. **رابعاً:** الانضباط المالي الذي يتجنب الإفراط في الديون تماشيًا مع روح الابتعاد عن أعباء الربا على مستوى الدولة، وهو المبدأ الذي يجيب بشكل مباشر على مخاوف السوق من اتساع عجز الموازنة. وهذه الأدوات ليست طوباوية (أفكارًا خيالية)، بل إن بعضها قائم ومطبق بالفعل، ويحتاج فقط إلى توسيع النطاق وتحسين الحوكمة.

والأهم من ذلك، يركز الاقتصاد الإسلامي على "مقاصد الشريعة" المتمثلة في حفظ المصالح، والعدالة، والتوازن. وهذا يعني رفض الاقتصاد الذي تسيطر عليه قلة من النخبة، والدفع نحو التوزيع العادل، والشفافية، والحوكمة القائمة على الأمانة. وبعبارة أخرى، فإن الرد على أزمة الثقة يكون باستعادة الأمانة: عبر سياسة مالية خاضعة للمساءلة، ومؤسسات مستقلة، والانحياز للإنتاجية لا للاقتصاد الريعي. فالاستقرار في سعر الصرف ليس مجرد مسألة أسعار فائدة، بل هو مرآة لصحة الاقتصاد الحقيقي والعدالة التي تسنده.

إن الحلول لا يمكن أن تكون فورية؛ فعلى المدى القصير، يجب أن يسير تثبيت الروبية، وتقليص الاستيراد الاستراتيجي، وشفافية الموازنة العامة جنبًا إلى جنب مع السيطرة على تضخم الغذاء والطاقة. ويتطلب المدى المتوسط إعادة التصنيع، والصناعات التحويلية (Hilirisasi)، وتعميق سوق رأس المال المحلي لتقليل الهشاشة أمام التدفقات الخارجية. أما المدى الطويل، فهو التحول نحو اقتصاد إنتاجي، عادل، وذي سيادة.

إن الارتداد الإيجابي للأسواق ليومين قد يبعث على الارتياح، لكنه يجب ألا يدعنا نغط في النوم. فالروبية القوية والبورصة الصحية لن يكتب لهما الدوام إلا إذا استندتا إلى اقتصاد إنتاجي وعادل. وإن مهمتنا ليست مجرد إطفاء الحرائق على شاشات البورصة، بل علاج جذور المرض؛ بالجرأة، والأمانة، والانحياز التام لمصلحة الشعب.

نُشر هذا المقال في زاوية جريدة "ريبوبليكا" (Republika) يوم الجمعة، ٥ يونيو ٢٠٢٦.