الدين، وأخلاقيات العمل، والمسؤولية الإنسانية

الدين، وأخلاقيات العمل، والمسؤولية الإنسانية

الأستاذ الدكتور إمام صبحِي، الماجستير

(نائب رئيس جامعة UIN جاكرتا للشؤون الإدارية والمالية، وأستاذ في برنامج الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الإسلامية)

غالبًا ما يشكّل نهاية العام مساحة للتوقّف المؤقّت؛ لحظة مناسبة لإعادة التفكير في اتجاه الخطوات، وصياغة الآمال من جديد، وترتيب الجهود التي يكون لها أثر في الحياة المشتركة. وفي هذه النقطة تحديدًا تبرز أهمية التأمّل الديني. لا بوصفه مجرّد طقس لختام العام، بل باعتباره محاسبة جماعية: إلى أيّ مدى كان الدين حاضرًا حقًّا في مساعي إصلاح الوطن. فالجراح في سومطرة، على سبيل المثال، لم تندمل بعد. إنّ الكوارث البيئية التي وقعت لا يمكن فصلها عن علاقة الإنسان بالطبيعة التي غالبًا ما تتّسم بعدم التوازن.

تُجتاح الغابات، وتُسوّى التلال، وتُغيَّر وظائف الأنهار، وكأنّ الطبيعة ليست سوى كيان صامت يمكن استغلاله بلا حدود. غير أنّ الطبيعة تمتلك قدرة على الارتداد. وعندما يُنتهك التوازن بصورة عشوائية، تصبح الكوارث ثمنًا لا بدّ أن يدفعه الجميع. في هذا السياق، ينبغي للوعي الديني أن يعلو صوته. فالإنسان—كما تذكّرنا الكوارث—لم يكن يومًا سيّدًا مطلقًا على الكون. وهذا الوعي بالحدود هو الأساس الأخلاقي المؤدّي إلى مفهوم الإنسان الكامل: إنسان لا تكمُل إنسانيته بالقوّة، بل بالمسؤولية.

ومن هنا، فإنّ خطوة وزارة الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا التي تعمل على ترسيخ نموذج الإيكوتيولوجيا (اللاهوت البيئي) جديرة بالتقدير. فهذا النموذج يؤكّد أنّ الإيمان بالله لا ينفصل عن محبّة الطبيعة وتحمل المسؤولية تجاهها. إنّ حماية البيئة ليست مجرّد أجندة تكنوقراطية، بل هي جزء لا يتجزّأ من الممارسة الدينية ذاتها. فطريق الحضارة، في نهاية المطاف، يتقاطع دائمًا مع طريقة تعامل الإنسان مع الطبيعة.

التوجّه الأخلاقي

في حياة اجتماعية تزداد تعقيدًا، لا يكفي فهم الدين بوصفه نظامًا للمعتقدات الروحية فحسب، بل هو أيضًا مصدر للقيم، وبوصلة أخلاقية، ومرشد معنوي في مواجهة مشكلات المجتمع الواقعية. وفي إندونيسيا—بتنوّعها الديني والثقافي—يضطلع الدين بدور استراتيجي بوصفه عامل تماسك اجتماعي، وفي الوقت نفسه ناقدًا أخلاقيًا للممارسات التي تدمّر الكرامة الإنسانية.

وتُظهر قضايا الغابات وإزالة الغابات والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية أنّ الأزمة البيئية في جوهرها أزمة أخلاقية. فالدين يعلّم مفهوم الأمانة: أن الطبيعة ليست مجرّد إرث من الأسلاف، بل وديعة للأجيال القادمة. ومن ثمّ، فإنّ تدمير البيئة ليس فقط انتهاكًا قانونيًا، بل هو أيضًا إخفاق أخلاقي وروحي.

وفي مجال آخر، يواجه الاحتراف المهني تحدّيات خطيرة. فالفساد، والتلاعب، وإساءة استخدام السلطة ما تزال تتكرّر، حتى في ظلّ التقدّم التكنولوجي وتطوّر القوانين. وهنا يقدّم الدين أساسًا لا بديل عنه: الصدق، والمسؤولية، والانضباط، والاجتهاد. وهذه القيم، حين تُستبطن، تُنتج إنسانًا مهنيًا لا يتمتّع بالكفاءة التقنية فحسب، بل يتحلّى أيضًا بالنزاهة. وعلاوة على ذلك، يسهم الدين في رفع المعايير الإنسانية. فتوجيهاته حول العدالة، والتعاطف، والتضامن الاجتماعي، تدفع إلى الانحياز للفئات الهشّة—الفقراء، والمهمّشين، وضحايا اللامساواة البنيوية. وبهذا المعنى، يصبح الدين طاقة أخلاقية لولادة سياسات عامة أكثر عدلًا.

أزمة 2025

إنّ التحدّيات الأخلاقية والاجتماعية في عام 2025 لا تأتي من الطبيعة وحدها. إذ تشير أحدث البيانات إلى مظاهر أزمة أخلاقية عامة، من بينها أولًا: استمرار الفساد بوصفه مشكلة خطيرة؛ حيث سُجِّل خلال الفترة 2015–2025 أكثر من 1700 قضية فساد جنائي، من مستوى المحافظات والمدن إلى أعلى مؤسسات الدولة (GoodStats، 2025). بل إنّ شكاوى المواطنين من ممارسات الفساد آخذة في الازدياد، ما يدلّ على أنّ التصوّر العام حول تفشّي الفساد لم يتغيّر.

وثانيًا، تشير تقارير مركز الإبلاغ والتحليل للمعاملات المالية (PPATK) لعام 2025 إلى أنّ حجم المقامرة الإلكترونية بلغ 155 تريليون روبية، رغم انخفاضه مقارنة بالعام السابق (359 تريليون روبية) (PPATK، 2025). وتعدّ هذه الظاهرة مؤشرًا على ارتفاع اعتماد المجتمع على السلوك الاستهلاكي والمضاربي، ولا سيما بين ذوي الدخل المنخفض.

وثالثًا، تستمرّ الأزمة البيئية. إذ تُظهر بيانات Global Forest Watch أنّ إندونيسيا ما تزال تواجه معدلات كبيرة من إزالة الغابات حتى عام 2025، نتيجة التوسّع الزراعي، واستغلال زيت النخيل، والتعدين، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. ولا يقتصر أثر ذلك على البيئة فحسب، بل يمتدّ إلى الصحّة العامة، والموارد المائية، والرفاه الاقتصادي على المدى الطويل.

إنّ هذه الظواهر ليست مجرّد أرقام إحصائية، بل تمثّل أزمة أخلاقية تتجاوز الإطار الإداري والقانوني: حين يتورّط المسؤولون الذين يُفترض أن يكونوا قدوة أخلاقية في الفساد، وحين تضرّ المقامرة الإلكترونية والاحتيال بالمجتمع، وحين تُترك الطبيعة للدمار، يفقد المجتمع بوصلته القيمية التي يقوم عليها العيش المشترك. وفي هذا السياق، لا يجوز للدين أن يتوقّف عند الطقوس أو العقائد فحسب، بل يجب أن يصبح أساسًا أخلاقيًا عمليًا، يوجّه سلوك الأفراد والجماعات، من إدارة الدولة إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقيم الصدق، والأمانة، والمسؤولية، والتعاطف، والتضامن الاجتماعي ليست مجرّد مثاليات، بل أدوات أساسية لبناء التماسك الاجتماعي ونزاهة الأمة.

أخلاقيات العمل المؤثّرة

يبلغ الدين أعلى درجات أهميّته حين يتحوّل إلى أخلاقيات عمل. فالعمل، في الرؤية الدينية الناضجة، ليس مجرّد نشاط اقتصادي، بل هو شكل من أشكال التعبّد، يحمل أبعادًا أخلاقية وروحية تضفي المعنى على كلّ جهد إنساني. ويُنتج هذا الفهم أخلاقيات عمل متجذّرة في الصدق، والأمانة، والمسؤولية. فالإنسان يعمل لا بدافع الرقابة وحدها، بل بدافع الوعي القيمي. ولا يعود الانضباط والمثابرة مفروضين من الخارج، بل ينبعان من الداخل بوصفهما التزامًا أخلاقيًا.

كما يشكّل الدين طريقة تفاعل الإنسان في بيئة العمل، إذ يعزّز الاحترام المتبادل، والعمل الجماعي، والتعاطف. ولا تنزلق أخلاقيات العمل المتولّدة عن هذا الفهم إلى الفردانية الضيّقة، بل تراعي المصلحة العامة والاستدامة الاجتماعية. والأهمّ من ذلك، أنّ الدين يعلّم التوازن. ففي عالم يمجّد الإنتاجية بلا حدود، يقدّم الدين مفهوم الحدّ والكفاية. وبذلك، تتشكّل أخلاقيات عمل أكثر إنسانية واستدامة، لا تضحّي بالصحّة، ولا بالعلاقات الاجتماعية، ولا بالبعد الروحي للإنسان.

الدين، والأيديولوجيا، والمسؤولية الإنسانية

يقدّم المفكّر سلافوي جيجك، في كتابه The Fragile Absolute (2000)، قراءة نقدية للدين. فهو لا يراه مجرّد وهم روحي، بل بنية رمزية فاعلة في المجال الاجتماعي واللاوعي الإنساني. ويساعد الدين الإنسان على مواجهة فراغ المعنى والصدمات الوجودية في الحياة الحديثة. غير أنّ جيجك يحذّر أيضًا من الجانب المظلم للدين. فعندما يتحوّل الدين إلى أيديولوجيا مخدِّرة، قد يُكرّس الظلم ويجعل الإنسان يستسلم للمعاناة باسم القدر. وفي هذه الحالة، يبعد الدين الإنسان عن مسؤوليته الأخلاقية والسياسية.

ولا يرفض جيجك الدين رفضًا مطلقًا، بل يدعو إلى قراءته قراءة نقدية غير دوغمائية. فالدين، إذا تحرّر من وظيفته الأيديولوجية، يمتلك القدرة على أن يكون قوّة تحرّرية—دافعًا للتضامن، والشجاعة الأخلاقية، والعمل الإنساني الملموس. وهنا يلتقي الدين بأخلاقيات العمل في أهمّ نقاطهما. فالدين الحيّ هو الدين المؤثّر: الذي يحيي العمل المهني، ويعزّز مسؤولية الإنسان عن استدامة الحياة، ويرفض الاستسلام الذي يقتل روح الكفاح. وعلى الرغم من تجذّره في المجال المتعالي، فإنّ الدين، في يد إنسان تأمّلي ومهني، يتحوّل إلى طاقة أساسية لمشروع إنساني طويل الأمد.

نُشِرَ هذا المقال في صحيفة «ريبوبليكا» يوم السبت، 10 يناير 2026.