الدين والحرب والسلام

الدين والحرب والسلام

رُمادي أحمد
أستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا

في خضم عالم يزداد اضطرابًا بفعل الحروب، ولا سيما الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، تُزَجّ الأديان في صراعات لا تخلّف فقط أزمات اقتصادية عالمية، بل تحصد أيضًا آلاف الأرواح. فقد صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قائلًا: «إن الجنود الأمريكيين يقاتلون من أجل يسوع» (4/4/2026)، وهو تصريح يضفي بُعدًا دينيًا على حرب ذات طبيعة سياسية.

وسبق لهيغسيث أن أدلى بتصريح أكثر إثارة للجدل حين قال: «عدوّنا هو الإسلام، ولسنا في حرب مع دولة، بل مع منظومة اعتقادية» (30/3/2026)، وهو ما أثار موجة غضب واسعة.

وفي محاولة لحشد دعم التيار الإنجيلي، قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب في إطار أخلاقي، ودعا شخصيات دينية للصلاة حول مكتبه دعمًا للمواجهة مع إيران (6/3/2026).

وقد أثارت هذه التصريحات ردود فعل دولية، أبرزها موقف البابا ليو الرابع عشر، الذي عبّر عن رفضه للحرب، واصفًا إياها بأنها «فضيحة إنسانية». ودعا البابا إلى وقف النزاعات، مؤكدًا أن رسالة الدين هي السلام لا السياسة، وأن «عددًا كبيرًا من الأبرياء يُقتلون، ولا بد من وجود طريق أفضل».

ورغم أهمية هذا الصوت الأخلاقي، فقد تعرّض لانتقادات من ترامب، الذي وصف موقف الفاتيكان بأنه «ضعيف تجاه الشر»، بل ولوّح باستخدام القوة العسكرية حتى ضد الكرسي الرسولي، ما أثار استنكارًا واسعًا.

تحولات في توظيف الدين

إن توظيف الدين في الحروب ليس أمرًا جديدًا في تاريخ الأديان، لكنه شهد تحولًا لافتًا. ففي الماضي، كان هذا التوظيف يأتي من السلطات الدينية نفسها، أما اليوم، فنجد أن قادة سياسيين ذوي توجهات علمانية هم من يضفون الطابع الديني على الصراعات.

وفي المقابل، تقف القيادات الدينية—مثل البابا—في موقع الدفاع عن القيم السلمية، رافضةً إدخال الدين في دوامة العنف. وهنا نلاحظ مفارقة لافتة: المؤسسات الدينية تدعو إلى السلام، بينما يوظف السياسيون الدين لتبرير الحرب.

الحرب المقدسة وإعادة إنتاجها

يُعد مفهوم “الحرب المقدسة” حاضرًا في تراث الأديان الكبرى. وتشير الباحثة كارين أرمسترونغ في كتابها «الحرب المقدسة: الحروب الصليبية وتأثيرها على العالم اليوم» (1991) إلى أن هذه الحروب لا تنبع في الغالب من صميم العقيدة، بل من مخاوف سياسية تبحث عن تبرير أخلاقي مطلق.

فالدين لا يخلق العنف، بل يُستَخدم لإضفاء الشرعية عليه. وهذا ما يتجلى في الخطاب المعاصر حين تُستخدم عبارات مثل “القتال من أجل يسوع” لتبرير حروب سياسية، بل ومخالفات للقانون الدولي.

وقد حدث ذلك سابقًا في الحروب الصليبية (1095–1291)، حيث جرى تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني كوني، وأصبح العدو السياسي “عدوًا لله”، والقتال وسيلة للخلاص الأخروي.

ويمكن فهم هذا الخطاب في سياقه التاريخي، إذ كانت السلطة الدينية والسياسية متداخلة، وكانت الدول تُعرَّف بهويتها الدينية، ولم تكن الحدود السياسية واضحة كما هي اليوم.

أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد شهد العالم تحولات عميقة، منها تبلور مفهوم الدولة الحديثة، وازدياد الفصل النسبي بين الدين والسياسة. ومع ذلك، يشير الباحث ران هيرشل إلى ظاهرة “الثيوقراطية الدستورية”، حيث تعود الدينيات الدينية للتأثير في السياسة، حتى في الدول ذات الطابع العلماني.

تشوّه لاهوتي

في هذا الإطار، يمكن أن يحدث تشوّه لاهوتي حين يُستخدم الدين لتبرير العنف من قبل قادة سياسيين. ويبرز موقف البابا ليو الرابع عشر بوصفه ردًا واضحًا على هذا التشوّه، إذ أكد أن «الله لا يبارك الحروب»، وأن الإيمان لا يمكن أن يكون أداة لتبرير القتل.

إن موقف البابا لا يقتصر على نقد السياسات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك الأساس الرمزي الذي يدّعي أن الله يمكن أن يكون طرفًا في العنف. وهو بذلك يمثل رؤية دينية أخلاقية ترى الدين ممارسة إنسانية قائمة على التعاطف، لا أيديولوجيا للصراع.

خاتمة

تكشف الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن صحة تحذير كارين أرمسترونغ: أخطر الحروب هي تلك التي تدّعي القداسة. فعندما يُمنح العنف شرعية إلهية، يصبح بمنأى عن النقد الأخلاقي والقانوني.

وفي المقابل، تذكّرنا أصوات مثل البابا ليو الرابع عشر بأن الدين لن يحتفظ بقيمته الإنسانية إلا إذا رفض أن يكون أداة لتبرير القتل الجماعي. وفي عالم يزداد هشاشة بفعل صراعات الهوية، فإن الحفاظ على مسافة بين الإيمان والعنف يُعدّ علامة على نضج ديني وحضاري.

نُشر هذا المقال في صحيفة «ميديا إندونيسيا» يوم الثلاثاء (28/4/2026).
حقوق الصورة: Harian Jogja

الوسوم:
أستاذ بجامعة UIN جاكرتا