الدولة والمدارس الدينية

الدولة والمدارس الدينية

الأستاذ الدكتور أحمد ثلابي خارلي،
بكالوريوس في الشريعة، وبكالوريوس في القانون، وماجستير في القانون، وماجستير في الدراسات الإسلامية
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا

إن إنشاء المديرية العامة لشؤون المعاهد الإسلامية (البيسانترن) ضمن هيكل وزارة الشؤون الدينية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 18 لسنة 2026 يُعدّ مؤشرًا على تعزيز مكانة المعاهد بوصفها فاعلًا رئيسيًا في السياسات العامة. ووفقًا للنصوص التنظيمية، تُفهم المعاهد الإسلامية بوصفها منظومة متكاملة تشمل التعليم، والدعوة، وتمكين المجتمع.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع، إذ تشير أحدث بيانات وزارة الشؤون الدينية إلى وجود أكثر من 368 ألف مؤسسة تعليمية تندرج ضمن نطاق المديرية العامة لشؤون البيسانترن، وتشمل: المعاهد الإسلامية، وبرامج التعليم الديني الرسمي (PKPPS)، والمدارس الدينية (SPM)، والتعليم الديني الرسمي العالي (PDF)، والمدارس الدينية التقليدية (MDT)، ومعاهد تحفيظ القرآن (LPQ)، ومعاهد “معهد عالي”، مع عدد طلاب (السانتري) يُقدّر بنحو 7.5 مليون، وقد يقترب من 8 ملايين عند احتساب غير المقيمين.

ويعكس هذا الحجم موقع البيسانترن بوصفها واحدة من أكبر المنظومات التعليمية الدينية في العالم الإسلامي. وفي ظل هذا الاتساع، يصبح تعزيز الحوكمة ضرورة موضوعية في تطوير السياسات.

ويمثل إنشاء هذه المديرية استجابةً تنظيميةً لهذا الواقع، حيث تضع الدولة البيسانترن في موقع يجمع بين نقل المعرفة، وبناء القيم الأخلاقية، وتمكين المجتمع ضمن إطار متكامل. كما أن حضور الدولة عبر هذا الهيكل يعكس اعترافًا مؤسسيًا، ويعزز في الوقت ذاته منظومة الحوكمة ضمن سياسات دينية عامة.

التميّز المؤسسي

مع ذلك، فإن وجود المديرية العامة لشؤون البيسانترن يستدعي تحديدًا واضحًا لعلاقتها مع المديرية العامة للتعليم الإسلامي ضمن نظام مؤسسي متكامل. ويمكن فهم التمايز بينهما من خلال طبيعة كل منهما.

فالمديرية العامة للتعليم الإسلامي تركز على إدارة منظومة التعليم الإسلامي الرسمي، بما يشمل المدارس الدينية (المدارس)، والجامعات الإسلامية، إلى جانب أدوات المناهج، والاعتماد، والمعايير الوطنية. ومع وجود أكثر من 80 ألف مدرسة وملايين الطلاب، فإنها تدير نظامًا تعليميًا واسعًا ومنظمًا.

أما المديرية العامة لشؤون البيسانترن، فتمتد وظيفتها إلى مجالات التعليم والدعوة وتمكين المجتمع، حيث تتحرك المعاهد ضمن فضاء معرفي حي يقوم على العلاقة بين الشيخ (الكياي) والطالب (السانتري)، وتعليم الكتب التراثية (الكتب الصفراء)، والممارسات الدينية ذات الطابع السياقي.

ويحتاج هذا التمايز إلى ترجمة عملية في السياسات، خاصة في إدارة “معهد عالي”، والتعليم الديني، وتطوير التقاليد العلمية في البيسانترن، بما يضمن وضوح الصلاحيات وتحقيق الانسجام المؤسسي. إن توزيع الأدوار وفقًا لطبيعة كل مؤسسة يسهم في تعزيز التكامل وفعالية التنفيذ.

سلطة الدولة

يعكس إنشاء المديرية العامة لشؤون البيسانترن التقاء الدولة والتقاليد في حيز سياساتي واحد. فالدولة تحضر عبر القوانين والإجراءات والحوكمة الإدارية، بينما تنمو البيسانترن من خلال كاريزما الكياي، ومرونة التعلم، والحكمة المحلية. ويتحرك الطرفان ضمن مشهد واحد من السياسات الدينية، في علاقة تتطور باستمرار.

وفي هذا السياق، يتطلب تنفيذ البرامج الحكومية داخل البيسانترن آليات إدارية، وإدارة مالية، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مما يعزز من المساءلة ويقوي القدرات المؤسسية. وقد أظهرت الممارسة قدرة البيسانترن على التكيف مع هذه المتطلبات بوصفها جزءًا من مسار تعزيزها المؤسسي.

وفي الوقت نفسه، تحافظ البيسانترن على طابعها الأساسي كمجتمع علمي وديني اجتماعي، حيث تستمر التقاليد العلمية، وعلاقة الشيخ بالطالب، والممارسات الدينية في التطور ضمن سياق السياسات الحديثة، مما يضمن استمرارية هذا النموذج في مواجهة التحولات.

وفي هذا الإطار، تكتسب المديرية العامة لشؤون البيسانترن دورًا استراتيجيًا في ربط متطلبات الدولة بخصوصيات البيسانترن، عبر مقاربة تحافظ على الطابع المميز لهذه المؤسسات. كما أن وضوح العلاقة مع المديرية العامة للتعليم الإسلامي يعزز من تكامل الحوكمة ضمن منظومة السياسات الدينية الوطنية.

تعزيز مؤسسي مستدام

يمكن تعميق هذا التعزيز عبر خطوات بناءة، من أبرزها إعداد خريطة طريق وطنية للبيسانترن تحدد الأهداف متوسطة وطويلة المدى، ودمج بيانات البيسانترن في نظام معلومات موحد ودقيق، بما يدعم التخطيط وتوزيع البرامج بكفاءة.

كما أن تطوير نماذج تمويل مرنة تراعي خصوصية البيسانترن يسهم في تحقيق الاستدامة، إلى جانب رفع كفاءة الموارد البشرية، سواء لدى إدارات البيسانترن أو موظفي المديرية العامة، بما يعزز المهنية وجودة الحوكمة.

ويُعد تعزيز التنسيق بين المديريات داخل وزارة الشؤون الدينية، خاصة مع المديرية العامة للتعليم الإسلامي، خطوة مهمة نحو تحقيق انسجام السياسات، إلى جانب تطوير لوائح تنفيذية واضحة، ودعم الابتكار في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا وتمكين المجتمع.

وعلى مستوى أوسع، يمكن توسيع دور البيسانترن في المنظومة الوطنية عبر شراكات مع الحكومات المحلية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، واعتماد نهج تشاركي يُشرك الكياي ومديري البيسانترن في صياغة السياسات، بما يضمن استجابة واقعية للاحتياجات الميدانية.

إن حضور الدولة لا يتم فقط عبر الهياكل، بل عبر الفهم. والفهم الدقيق يفضي إلى سياسات متناغمة مع ديناميات البيسانترن. وفي هذا الإطار، يكتسب تعزيز هذه المؤسسات أساسًا مستدامًا ضمن السياسات العامة.

نُشر هذا المقال في منصة «Disway» يوم الثلاثاء (21/4/2026). (حقوق الصورة: Sidogiri.Net)

الوسوم:
أستاذ بجامعة UIN جاكرتا

العلامات :