الخروج من فخ الدخل المتوسط عبر اقتصاد قائم على الابتكار
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بروفيسور في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين
عضو الهيئة الإدارية للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة الاقتصاديين الإسلاميين في إندونيسيا (IAEI)
عضو الهيئة الإدارية لرابطة الاقتصاديين الإندونيسيين (ISEI) فرع جاكرتا
موجه لـ LPEU في مجلس العلماء الإندونيسي (MUI)
على مدى العقود القليلة الماضية، نعم الاقتصاد الإندونيسي بنعمة الثروات الطبيعية الوفيرة؛ حيث شكل الفحم، وزيت النخيل، والنيكل، والغاز الطبيعي، والنحاس، وغيرها من السلع الأساسية الأولية العمود الفقري للصادرات الوطنية. فعندما ترتفع أسعار السلع العالمية، ينمو الاقتصاد الإندونيسي بالتبعية، والعكس صحيح، إذ يتعثر الاقتصاد الوطني كلما تراجعت تلك الأسعار.
المالية؛ إن نموذج التنمية القائم على هذا النحو ليس حكراً على إندونيسيا وحدها، فالعديد من الدول النامية تعتمد على تصدير السلع الأساسية لدفع عجلة نموها. ومع ذلك، تُظهر التجارب التاريخية أن دولاً قليلة جداً نجحت في التحول إلى دول متقدمة بالاعتماد فقط على الموارد الطبيعية. فالبلدان التي تمكنت من القفز إلى مصاف الدول ذات الدخل المرتفع هي تلك التي استطاعت تحويل اقتصادها من اقتصاد قائم على السلع الأساسية إلى اقتصاد قائم على الابتكار، إذ إن الاعتماد المفرط على السلع يحمل في طياته مخاطر هيكلية متعددة.
أولاً، تتسم أسعار السلع الأساسية بالتقلب الشديد؛ فالتغيرات في الطلب العالمي، والنزاعات الجيوسياسية، والتباطؤ الاقتصادي العالمي يمكن أن تؤدي إلى تأرجح الأسعار بشكل حاد، مما يترتب عليه عدم استقرار النمو الاقتصادي.
ثانياً، يولد قطاع السلع الأساسية عموماً قيمة مضافة منخفضة نسبياً، في حين تذهب معظم الأرباح إلى مراحل المعالجة المتقدمة، والتصنيع، وتصميم المنتجات، والتسويق العالمي.
ثالثاً، غالباً ما يؤدي الاعتماد على السلع إلى ما يُعرف بـ "لعنة الموارد الطبيعية"؛ حيث تعاني العديد من الدول الغنية بالموارد من ركود اقتصادي نتيجة فشلها في بناء القدرات التكنولوجية وتطوير رأس المال البشري.
الاقتصاد؛ على المدى الطويل، يمكن للاعتماد على السلع الأساسية أن يعيق الإنتاجية الوطنية. فعندما تستكين الدولة لتصدير المواد الخام وتكتفي بذلك، تضعف حوافز الابتكار. واليوم، دخلت إندونيسيا تصنيف الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، لكن العديد من الدول تقع في فخ ما يسمى *middle-income trap* (فخ الدخل المتوسط)؛ حيث تنجح في الخروج من دائرة الفقر، لكنها تفشل في التحول إلى دول متقدمة بسبب ركود إنتاجيتها الاقتصادية.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من مائة دولة ذات دخل متوسط تواجه خطر الانحباس في هذا الفخ، ولم تنجح سوى نسبة ضئيلة منها في التحول إلى اقتصاد مرتفع الدخل. ووفقاً للبنك الدولي، يتعين على هذه الدول الانتقال من مرحلة الاعتماد المجرد على الاستثمار إلى مرحلة إتقان التكنولوجيا والابتكار.
في السنوات الأخيرة، استقر النمو الاقتصادي الإندونيسي نسبياً عند حدود 5%. ولتحقيق رؤية "إندونيسيا الذهبية 2045"، يجب أن يكون النمو الاقتصادي مدفوعاً بزيادة الإنتاجية، وليس فقط بالاستهلاك وتصدير السلع الأساسية. وهنا يبرز الابتكار ككلمة سر؛ ففي النظرية الاقتصادية الحديثة، يعد الابتكار المصدر الرئيسي للنمو طويل الأجل، إذ لا ينبع النمو الاقتصادي من تراكم رأس المال والعمالة فحسب، بل من ابتكار أفكار جديدة أيضاً.
الاقتصاد؛ كلما زادت الابتكارات التي تنتجها الدولة، ارتفعت إنتاجيتها. فالابتكار يتيح للدولة إنتاج مخرجات أكبر باستخدام نفس الموارد، كما أنه يخلق صناعات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
الإدارة؛ إن الابتكار هو ثمرة استثمار طويل الأجل في الموارد البشرية، والتعليم، والبحث العلمي، والمنظومة الصناعية. وفي تقرير مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024، حلت إندونيسيا في المرتبة 54 عالمياً، وهو تقدم ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت في عام 2020 تقبع في المرتبة 85 تقريباً.
وإذا ما قورنت بالدول التي نجحت في تحقيق التحول الاقتصادي، فإن إندونيسيا لا تزال تواجه تحديات جمة؛ فالاستثمار في البحث والتطوير لا يزال منخفضاً نسبياً مقارنة بالدول المتقدمة، وعدد الباحثين لكل مليون نسمة لا يزال محدوداً، كما أن التعاون بين الجامعات والقطاع الصناعي لم يصل بعد إلى المستوى الأمثل، وتواجه عملية تحويل البحوث إلى منتجات تجارية عقبات عدة.
في السنوات الأخيرة، دَفَعت الحكومة بقوة نحو توطين الصناعات التحويلية (Hilirisasi). وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لأنها ترفع القيمة المضافة محلياً. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن هذه الخطوة ليست سوى مرحلة انتقالية؛ فالهدف النهائي ليس مجرد تحويل المواد الخام إلى سلع نصف مصنعة، بل الهدف هو خلق الابتكار. يجب أن تتطور الصناعات التحويلية إلى ابتكار صناعي، للتحول من الاقتصاد القائم على الموارد (*resource-based economy*) إلى الاقتصاد القائم على المعرفة (*knowledge-based economy*).
لا يمكن بناء اقتصاد مبتكر بدون تعليم عالي الجودة. وللأسف، لا تزال التحديات التعليمية في إندونيسيا كبيرة؛ فالعديد من خريجي الجامعات لا يتوافقون تماماً مع متطلبات صناعات المستقبل، وغالباً ما تتخلف المناهج الدراسية عن التطورات التكنولوجية المتسارعة.
الإدارة؛ في عصر الذكاء الاصطناعي، لا تقتصر المهارات المطلوبة على القدرات التقنية فحسب، بل تشمل الإبداع، وحل المشكلات، والقدرة التحليلية، والتعاون عابر التخصصات. لا ينبغي للجامعات أن تكتفي بمنح الشهادات، بل يجب أن تنتج براءات اختراع، وشركات ناشئة، وتقنيات جديدة، وحلولاً لمشكلات المجتمع. ويجب تعزيز الروابط بين الجامعات، والصناعة، والحكومة من خلال نموذج الحلزون الثلاثي (*triple helix*)؛ حيث يعمل هذا الثلاثي معاً لبناء منظومة ابتكار مستدامة.
تمتلك إندونيسيا في الواقع إمكانات هائلة؛ فالعدد الضخم لمستخدمي الإنترنت يخلق سوقاً رقمية واسعة، وقد أثبتت العديد من شركات التكنولوجيا الوطنية قدرتها على المنافسة إقليمياً. ومع ذلك، يكمن التحدي القادم في تأسيس المزيد من الشركات الناشئة (*startup*) ذات التقنيات المتقدمة.
إن السوق لا يستطيع دائماً خلق الابتكار بمفرده، فالكثير من التقنيات الكبرى في العالم ولدت بدعم من الدول؛ فالإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وغيرها من التقنيات الحديثة طُوِّرت في البداية بدعم بحثي حكومي. لذلك، يجب أن تحضر الدولة كعامل محفز للابتكار. ويمكن أن يتجسد هذا الدعم في زيادة ميزانيات البحث العلمي، وتقديم حوافز ضريبية لأنشطة البحث والتطوير (R&D)، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وتمويل الشركات الناشئة التكنولوجية، ودعم حاضنات الأعمال، وتطوير واحات العلوم والتكنولوجيا. كما تحتاج الدولة إلى صياغة تشريعات مرنة وتكيفية تواكب التقنيات الجديدة.
لا يجوز لإندونيسيا أن تظل مجرد سوق، بل يجب أن تصبح منتجاً للابتكار. فمع تعداد سكاني يتجاوز 280 مليون نسمة، ونافذة ديموغرافية (عائد ديموغرافي) كبيرة، واقتصاد رقمي سريع النمو، تمتلك إندونيسيا رأسمال أولي قوي للغاية.
الإدارة؛ ومع ذلك، لن يكون لهذا الرأسمال قيمة دون استثمار ضخم في جودة الموارد البشرية. فالمنافسة العالمية اليوم لم تعد صراعاً على الموارد الطبيعية، بل صراعاً على استقطاب المواهب. والدولة التي تنجح في جذب أفضل المواهب والاحتفاظ بها ستكون هي الرابحة.
إن التحول الاقتصادي هو في جوهره تحول في طريقة التفكير. تحتاج إندونيسيا إلى تغيير توجُّه التنمية من استغلال الموارد إلى تطوير المعرفة، ومن الاقتصاد القائم على الاستخراج إلى الاقتصاد القائم على الابتكار والابتداع، ومن الاقتصاد القائم على السلع الأساسية إلى الاقتصاد القائم على الابتكار.
أمام إندونيسيا فرصة عظيمة لتحقيق هذا التحول؛ فسياسة توطين الصناعات التحويلية، والعائد الديموغرافي، ونمو الاقتصاد الرقمي، وتنامي القدرة الابتكارية الوطنية كلها مقومات لا تقدر بثمن. فإذا طال اعتماد إندونيسيا على تصدير السلع، فستتزايد مخاطر وقوعها في فخ الدخل المتوسط (*middle-income trap*). وعلى النقيض من ذلك، إذا تمكنت من بناء منظومة قوية للبحث والتعليم والتكنولوجيا وريادة الأعمال، فإن فرص تحولها إلى دولة متقدمة بحلول عام 2045 ستكون واعدة وقريبة المنال.
وفي نهاية المطاف، لا يتحدد مستقبل إندونيسيا بحجم ما تملكه من موارد طبيعية، بل بمدى قدرة هذه الأمة على ابتكار الأفكار. ففي الاقتصاد الحديث، ستظل الدولة التي تهيمن على الأفكار متفوقة دوماً على الدولة التي تكتفي بالهيمنة على السلع الأساسية.
نُشر هذا المقال في عمود الرأي بـ Katadata يوم الأربعاء، 15 يوليو 2026.
