الحفاظ على البيسانترن في فضاء الدولة
أحمد ثلابي خارلي
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
دخلت العلاقة بين المعاهد الإسلامية التقليدية (البيسانترن) والدولة مرحلة جديدة. وتمس هذه الديناميكية إحدى أعمق طبقات التقاليد الدينية وإدارة الشأن العام. ويمكن فهم إنشاء المديرية العامة للبيسانترن باعتباره تعبيرًا عن رغبة الدولة في وضع البيسانترن كجزء أساسي من منظومة التنمية الوطنية.
وقد برز هذا التوجه خلال اجتماع صباحي عُقد يوم الثلاثاء (5/5)، بحضور نحو ألف من أصحاب المصلحة في وزارة الشؤون الدينية. وفي هذا اللقاء، أكد وزير الشؤون الدينية تعزيز دور البيسانترن باعتباره ركيزة استراتيجية في التعليم، والتنمية الاجتماعية، وتمكين المجتمع. وأصبحت البيسانترن في صميم التوجهات السياسية الوطنية.
ويحمل هذا التوجه آمالًا كبيرة، إذ إن تعزيز المؤسسات سيفتح المجال أمام دعم أوسع للموارد، كما يتيح للبيسانترن توسيع دورها في مواجهة مختلف القضايا الوطنية. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تتطلب في الوقت نفسه قدرًا كبيرًا من الحذر، لأن عملية المأسسة إذا لم تكن حساسة لخصوصية البيسانترن فقد تؤدي إلى اختزال معناها الحقيقي.
مخاطر المأسسة
ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة البيسانترن، ليس فقط بوصفها مؤسسة تعليمية، بل باعتبارها أيضًا منظومة قيمية متكاملة. فقد نشأت البيسانترن من تقاليد طويلة تجمع بين السلطة العلمية، وقدوة العلماء، والعلاقات الاجتماعية المميزة. وهذه المنظومة تشكلت أساسًا من ممارسات ثقافية متجذرة عبر الزمن.
وعندما تدخل البيسانترن ضمن الإطار الرسمي للدولة، تظهر نزعة نحو تنظيمها عبر أدوات إدارية رسمية، مثل الاعتماد، والتقارير، ومؤشرات الأداء. وهذه الأدوات مهمة لضمان المساءلة، غير أنها إذا أصبحت المعيار الوحيد، فقد تؤدي إلى تغيير التوجه الأساسي. فالتقاليد المرنة قد تتحول إلى نظام جامد.
وتظهر مخاطر أخرى في المجال العلمي. فالبيسانترن تمتلك نظامًا خاصًا في نقل المعرفة يعتمد على السند العلمي ودراسة الكتب التراثية (التراث). وفي هذا النظام، تكون السلطة العلمية بيد الكياهي بوصفه حارسًا للتقاليد. وأي تدخل مفرط في المناهج قد يؤدي إلى نقل هذه السلطة إلى الجهات التنظيمية، وهو ما سيمس جوهر البناء المعرفي للبيسانترن.
كما تواجه تعددية البيسانترن تحديات أخرى. فقد تطورت هذه المؤسسات عبر أشكال متنوعة وفقًا لظروفها الاجتماعية؛ فبعضها يحافظ على النموذج السلفي، وبعضها يتبنى النهج الحديث، بينما يمزج آخرون بين الاثنين. وأي تنظيم موحد قد يؤدي إلى تبسيط هذا التنوع، رغم أن قوة البيسانترن تكمن أساسًا في قدرتها على التكيف من دون فقدان جذورها.
وفي نطاق أوسع، فإن دمج البيسانترن ضمن النظام الرسمي للدولة قد يفتح الباب أمام التسييس. فالدعم البرامجي والمالي قد يتحول إلى أداة تؤثر في استقلالية هذه المؤسسات. وقد تجد البيسانترن، التي كانت طوال الوقت فضاءً أخلاقيًا للمجتمع، نفسها مندفعة نحو مصالح قصيرة المدى. وفي الوقت نفسه، قد يتحول مفهوم الخدمة المجتمعية إلى توجه أكثر براغماتية، يتبع معايير التنمية الرسمية.
كما أن الاعتماد المالي المفرط على الدولة يمثل مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها. فالدعم الحكومي مهم لتقوية قدرات البيسانترن، لكن الإفراط فيه قد يضعف استقلاليتها. وفي بعض الظروف، قد تفقد البيسانترن قدرتها على اتخاذ مواقف مختلفة أو مستقلة.
ولا تهدف هذه التحذيرات إلى رفض دور الدولة، بل إلى التذكير بأن العلاقة بين البيسانترن والدولة تحتاج إلى توازن. فالبيسانترن لا ينبغي أن تُعامل كموضوع تنظيمي فقط، بل يجب النظر إليها كشريك استراتيجي يمتلك استقلالية قيمية وتقاليد خاصة.
ومن ثم، فإن المقاربة المطلوبة هي الاعتراف من دون هيمنة. أي أن تحضر الدولة لتقديم التسهيلات والحماية، من دون التدخل في الجوانب الجوهرية التي تشكل مصدر سلطة البيسانترن. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تهدف التنظيمات إلى التوحيد القسري، بل إلى التعزيز والدعم.
التنسيق والقيادة
إلى جانب قضية الاستقلالية، توجد تحديات أخرى تتعلق بالتصميم المؤسسي داخل وزارة الشؤون الدينية. وقد نبّه الوزير نفسه إلى ضرورة تجنب تداخل الصلاحيات. فشؤون البيسانترن ترتبط بعدة وحدات، منها التعليم الإسلامي، والإرشاد الديني، وتمكين المجتمع، وغيرها. وفي هذا الوضع، يصبح التنسيق حاجة لا يمكن تأجيلها.
وخلال الفترة الماضية، كانت الوظائف المتعلقة بالبيسانترن تندرج غالبًا تحت إشراف المديرية العامة للتعليم الإسلامي. ومع إنشاء المديرية العامة للبيسانترن، بات من الضروري تحديد الصلاحيات بوضوح. ومن دون تنسيق قوي، سيكون من الصعب تجنب تداخل السياسات.
والتنسيق المطلوب لا يقتصر على الجوانب الإدارية فقط، بل يشمل أيضًا توحيد الرؤية، ودمج البيانات، ومواءمة البرامج. وفي هذا السياق، يمكن فهم توجيهات وزير الشؤون الدينية (5/5/2026) باعتبارها محاولة لدفع عملية توحيد مؤسسي أكثر تكاملًا، بحيث تصبح البيسانترن نقطة التقاء للسياسات المختلفة. وهذه المقاربة تفتح المجال لتكامل أقوى، شريطة أن تكون مصحوبة بتصميم مؤسسي واضح.
ومن الجوانب المهمة أيضًا استمرارية الموارد البشرية، وهو أمر أكد عليه الوزير كذلك. ففي المرحلة التأسيسية للمديرية العامة للبيسانترن، ينبغي أن يراعى في شغل المناصب الاستراتيجية إشراك الأشخاص ذوي الخبرة العملية المباشرة في إدارة البيسانترن. فهؤلاء يمتلكون فهمًا أعمق لديناميكيات هذا العالم.
وتشمل هذه الخبرة القدرة على قراءة الثقافة الداخلية، وفهم الشبكات الاجتماعية، والتعرف إلى الاحتياجات الحقيقية للبيسانترن. ومن دون هذه الاستمرارية، قد تفقد السياسات اتجاهها وتصبح بعيدة عن السياق التاريخي. ذلك أن تعقيدات البيسانترن لا يمكن فهمها من خلال المقاربات الإدارية وحدها أو من خلال نظرة سطحية من الخارج.
الحفاظ على التوازن
وفي سياق البيسانترن، يعني ذلك أن اللوائح التنظيمية يجب أن تكون قادرة على تحقيق التوازن بين المساءلة والاستقلالية. فتعزيز المؤسسات لا ينبغي أن يكون على حساب التقاليد، بل يجب أن تصبح التقاليد نفسها أساسًا لصياغة السياسات.
وتتطلب المرحلة المقبلة شجاعة في تطوير مقاربات أكثر تكيفًا. وينبغي أن تتيح اللوائح مساحة للاستقلالية الجوهرية للبيسانترن، خاصة في الجوانب العلمية. كما يجب أن تتم مأسسة التنسيق بين مختلف الوحدات داخل وزارة الشؤون الدينية بصورة منهجية ومنظمة.
كذلك، ينبغي أن يراعى عند اختيار الموارد البشرية في المديرية العامة للبيسانترن عامل استمرارية الخبرة وفهم الواقع الميداني.
ومن المهم أيضًا توسيع مشاركة البيسانترن في عملية صياغة السياسات. فلا يكفي أن تكون هذه المؤسسات مجرد متلقية أو منفذة للسياسات، بل يجب إشراكها بوصفها جزءًا من عملية صنع القرار نفسها. وبهذه الطريقة، تصبح السياسات أكثر ارتباطًا بالسياق وأكثر قدرة على الاستجابة للاحتياجات الواقعية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يوجه دعم الدولة نحو تعزيز الاستقلالية، لا نحو خلق التبعية. ويجب أن تظل للبيسانترن مساحة للنمو اعتمادًا على قوتها الداخلية.
لقد كانت البيسانترن جزءًا مهمًا من مسيرة الأمة، وأسهمت في تخريج العديد من العلماء، كما لعبت دورًا في تشكيل شخصية المجتمع. ومع تطور بنية الدولة، يزداد الدور الاستراتيجي للبيسانترن أهمية.
ويبقى التحدي الأساسي في المستقبل هو القدرة على الحفاظ على التوازن: فالدولة مطالبة بالتعزيز والدعم، بينما من حق البيسانترن الحفاظ على هويتها. وهذا اللقاء بين الطرفين يتطلب سياسات دقيقة إداريًا وحكيمة ثقافيًا في آن واحد.
وفي هذه النقطة تحديدًا يتحدد مستقبل البيسانترن. فالقوة لا تُقاس بحجم الدعم الحكومي، بل بقدرتها على الحفاظ على روح التقاليد وسط تيارات التغيير. فالبيسانترن القوية هي التي تنمو من وفائها للقيم التي أنشأتها، مع قدرتها في الوقت نفسه على الاندماج الطبيعي في النظام المتطور.
نُشر هذا المقال في Media Indonesia يوم الخميس (7/5/2026).
حقوق الصورة: العلاقات العامة لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية.
الوسوم:
أستاذ بجامعة Universitas Islam Negeri Syarif Hidayatullah Jakarta