الحج وحدود منطق السوق

الحج وحدود منطق السوق

أحمد ثولابي خارلي
أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا

أثار طرح تطبيق آلية "المنافسة السريعة" على تذاكر الحج جدلًا واسعًا في الأوساط العامة ويأتي ذلك في إطار البحث عن حلول لطول قوائم انتظار الحج في إندونيسيا التي تجاوزت حاليًا خمسة ملايين مرشح للحج وتبدو الفكرة في ظاهرها بسيطة إذ تقوم على إتاحة حصص الحج التي تمنحها المملكة العربية السعودية مباشرة للمجتمع دون نظام الانتظار الطويل المعمول به حاليًا

وتشبه هذه الآلية إلى حد كبير نظام حجز تذاكر الحفلات أو الفعاليات الكبرى عبر الإنترنت حيث يحصل على الفرصة من يتمكن من الحجز أولًا غير أن هذه البساطة الظاهرية تخفي وراءها إشكاليات أكثر تعقيدًا

فالحج لا يقتصر على توزيع تذاكر السفر بل هو خدمة دينية عامة تقوم على قيم العدالة والأمانة وحماية حقوق المسلمين وهنا تبرز أهمية النقاش حول فكرة "المنافسة على التذاكر"

يبلغ عدد المسجلين للحج في إندونيسيا حاليًا ما بين 5.6 إلى 5.7 مليون شخص في حين أن الحصة السنوية لا تتجاوز نحو 221 ألف حاج ومع هذا التفاوت قد تصل مدة الانتظار في بعض المناطق إلى 30 أو 40 عامًا وهو ما يعكس عمق المشكلة والحاجة إلى حلول سياسية مدروسة تراعي مبادئ العدالة

لا شك أن طول فترة الانتظار يتطلب ابتكار سياسات جديدة غير أن أي حل يجب ألا يخل بمبدأ تكافؤ الفرص خاصة لمن انتظروا سنوات طويلة

في هذا السياق تبدو فكرة "المنافسة السريعة" قائمة على منطق الكفاءة حيث يمكن للمتقدمين الحصول على فرصة الحج مباشرة دون انتظار طويل لكن هذا الطرح يحمل تبعات معقدة

فإذا تم توزيع الحصص عبر نظام رقمي مفتوح فإن المنطق الذي سيحكم العملية لن يكون منطق الخدمة العامة بل منطق التنافس على الوصول حيث ستكون الأفضلية لمن يمتلك إنترنت أسرع وأجهزة أفضل ومهارات رقمية أعلى في حين تتراجع فرص الفئات الأقل حظًا

وهنا يبرز سؤال جوهري هل تظل الدولة قائمة بوظيفتها في تقديم الخدمة العامة إذا خضع توزيع فرص العبادة لمنطق المنافسة الرقمية

من الناحية القانونية تخضع إدارة شؤون الحج في إندونيسيا لقانون رقم 14 لسنة 2025 المعدل لقانون رقم 8 لسنة 2019 والذي يؤكد أن تنظيم الحج يقوم على مبادئ الشريعة والأمانة والعدالة والمصلحة العامة والمهنية والشفافية والمساءلة والحذر إلى جانب حماية الحجاج وخدمتهم

وتؤكد هذه المبادئ أن دور الدولة لا يقتصر على الجانب الإداري بل يشمل ضمان العدالة وحماية حقوق الحجاج

وتزداد أهمية هذا الأمر بالنظر إلى طبيعة الحجاج في إندونيسيا إذ يشكل كبار السن نسبة كبيرة منهم كما أن كثيرًا منهم لا يمتلكون مهارات رقمية كافية إضافة إلى وجود مناطق تعاني من ضعف البنية التحتية للإنترنت

وبالتالي فإن نظام "المنافسة السريعة" قد يؤدي إلى فجوات جديدة في العدالة حيث ستتاح الفرص بشكل أكبر لسكان المدن ذات الاتصال الجيد مقارنة بالمناطق النائية

كما أن الضغط الكبير على الأنظمة الرقمية من قبل ملايين المستخدمين في وقت واحد قد يؤدي إلى أعطال تقنية إذا لم تكن البنية التحتية جاهزة وهو ما قد يخلق مشكلات جديدة بدلًا من حل الأزمة

ومن القضايا الجوهرية أيضًا مصير الملايين من المسجلين حاليًا في قوائم الانتظار والذين دفعوا بالفعل مبالغ أولية إذ قد يؤدي تطبيق هذا النظام دون وضوح إلى اضطراب اجتماعي وشعور بعدم العدالة

ولا يقتصر النقاش على الجوانب التقنية بل يمتد إلى الدور الأساسي للدولة في خدمة شؤون العبادة حيث تقوم إدارة الحج على مبدأ ضمان العدالة في الوصول وحماية الحجاج وتوفير خدمات مستقرة

ويرتبط ذلك أيضًا بإدارة أموال الحج التي تشرف عليها هيئة إدارة أموال الحج والتي تبلغ قيمتها مئات التريليونات من الروبية حيث يشكل نظام الانتظار أساسًا لإدارة هذه الأموال بشكل مستدام بما يساهم في خفض تكاليف الحج

لذلك فإن أي تغيير في السياسات يجب أن يراعي أثره على المنظومة الكاملة لإدارة الحج من العدالة في التوزيع إلى إدارة الأموال

ومن هنا فإن الحلول المقترحة يجب أن تكون أكثر شمولًا ومن بين هذه الحلول تعزيز الجهود الدبلوماسية لزيادة حصة الحج من المملكة العربية السعودية بشكل مستدام

كما أن تحسين نظام الانتظار القائم من خلال تعزيز الشفافية وتطوير الأنظمة الرقمية وتوفير معلومات أوضح حول ترتيب الانتظار وتوقيت السفر يعد خطوة مهمة

ويمكن أيضًا إعادة النظر في سياسة تكرار الحج من خلال تنظيم الفترات بين الرحلات لمن سبق لهم أداء الحج بما يتيح فرصًا أكبر لغيرهم

إلى جانب ذلك فإن تطوير منظومة الاقتصاد المرتبط بالحج وإدارة الأموال بشكل أكثر إنتاجية وشفافية يمكن أن يسهم في خفض التكاليف دون التأثير على جودة الخدمات

هذه الحلول قد لا تقدم نتائج فورية لكنها أكثر انسجامًا مع مبادئ العدالة التي تشكل أساس خدمة الحجاج

تم نشر هذا المقال في صفحة الرأي بصحيفة كومباس يوم الاثنين 13 أبريل 2026

الوسم
أستاذ في جامعة UIN جاكرتا