الجامعات وأجندة الوطن
أحمد ثلّابي خارلي
(أستاذ كرسي – جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية، جاكرتا)
عُقِدَ التوجيه الرئاسي الذي ألقاه الرئيس برابوو سوبيانتو في قصر الاستقلال يوم 15 يناير 2026، بحضور أكثر من ألف رئيس جامعة وأستاذٍ كبير من الجامعات الحكومية والأهلية.
وفي هذا المنتدى، عرض الرئيس الاتجاهات الاستراتيجية لسياسات الحكومة نحو تحقيق رؤية إندونيسيا الذهبية 2045، مؤكِّدًا في الوقت ذاته الدور المحوري للتعليم العالي في مواجهة التحديات الوطنية.
وكانت رسالته الأساسية واضحة: لا يكفي أن يظلّ الحرم الجامعي مراقبًا أو مركزًا لإنتاج المعرفة فحسب، بل يجب أن يقدّم إسهامًا فعليًا في معالجة قضايا الأمة.
إن اختيار الرئيس مخاطبة القيادات الأكاديمية مباشرة يعكس وعيًا عميقًا بأن التحديات المعاصرة، بدءًا من الأمن الغذائي وأمن الطاقة، ومرورًا بجودة الموارد البشرية والخدمات الصحية، وصولًا إلى اضطرابات التكنولوجيا والتحولات الجيوسياسية، لا يمكن حلّها بالسياسات الإدارية أو المقاربات التكنوقراطية وحدها.
دور النخبة الفكرية
إن السياسات العامة تحتاج إلى سندٍ من العقل العلمي وعمقٍ في التفكير التحليلي. وفي هذا السياق، تُوضَع النخبة الفكرية في موقع الشريك الاستراتيجي للدولة، لا كمجرّد مكمّل للعملية السياسية.
ويجب أن يُفهَم هذا النداء بوصفه دعوةً لتحمّل المسؤولية المشتركة. فلم يعد التعليم العالي كافيًا إذا عُدَّ فضاءً منفصلًا عن الواقع الاجتماعي. بل إن أفراد المجتمع الأكاديمي والنخب الفكرية في الجامعات مُطالَبون بأن يكونوا جزءًا من الحل.
ولا يُطلَب من الجامعات تبرير كل سياسة حكومية، وإنما الإسهام بشكل نقدي وبنّاء، تحقيقًا للمصلحة العامة.
إن إندونيسيا تواجه اليوم مشكلاتٍ بنيوية ومتعددة الأبعاد. فالأمن الغذائي وأمن الطاقة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتغير المناخي، كما أن التفاوت في جودة الموارد البشرية يتصل بإتاحة التعليم والخدمات الصحية، في حين يعكس النقص في الكوادر الطبية، ولا سيما الأطباء، خللًا منظوميًا في التعليم وتوزيع القوى العاملة وحوكمة السياسات الصحية.
وتتطلّب هذه القضايا مقارباتٍ عابرة للتخصصات، قائمة على البيانات، وموجَّهة نحو الأمد الطويل، وهي مجالات تُعَدّ من صميم اختصاص الجامعات.
غير أنّ الواقع يشير إلى أن الحرم الجامعي كثيرًا ما ينغلق على روتين أكاديمي بعيد عن مشكلات المجتمع الفعلية. وغالبًا ما تُختزَل رسالة الجامعة الثلاثية في واجبات إدارية: تعليمٌ محصور في القاعات، وبحوثٌ تتوقّف عند النشر، وخدمة مجتمع ذات طابعٍ شكلي.
ونتيجة لذلك، تتراكم المعرفة دون أن ينعكس أثرها بصورة ملموسة على حل مشكلات الوطن.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التوجيه الرئاسي بوصفه تذكيرًا بأن استثمار الدولة في التعليم العالي يجب أن يترافق مع إسهامٍ حقيقي يشعر به المجتمع.
هذا الإسهام لا ينبغي أن يكون رمزيًا، بل يتجلّى في عملٍ فكري ذي صلة، وتوصياتٍ للسياسات قائمة على الأدلة، وتعزيزٍ للأنظمة العامة.
الشراكة النقدية
لقد أظهر تاريخ إندونيسيا أن النخبة المتعلّمة أدّت دورًا محوريًا منذ مرحلة الحركة الوطنية وحتى فجر الاستقلال. غير أن التاريخ نفسه سجّل معضلةً دائمة، وهي كيفية الحفاظ على الاستقلال الأكاديمي دون الوقوع في معارضةٍ عقيمة، أو التعاون مع الدولة دون التفريط في النزاهة.
ومن هنا، فإن المسار المطلوب هو الانخراط المبدئي، أي حضورٌ فكري نقدي وفي الوقت ذاته تقديميّ الحلول.
ويجب أن تُفهَم دعوة الدولة للجامعات باعتبارها محاولة لبناء شراكة نقدية لا علاقة تبعية. فالجامعة مطالَبة بالحفاظ على قدرتها النقدية، مع الإسهام في إثراء السياسات العامة بتحليلاتٍ علمية موضوعية وموجَّهة نحو المستقبل.
وفي هذا الإطار، لا يُعدّ النقد عائقًا، بل جزءًا لا يتجزأ من صياغة سياساتٍ أكثر نضجًا.
وتُعدّ قضية نقص الأطباء التي طُرِحت في التوجيه مثالًا واضحًا. فالعجز العددي لا ينفصل عن تصميم التعليم، وتوزيع الكوادر، ونظم الحوافز، وحوكمة الخدمات الصحية.
ولا يكفي لمواجهته زيادة أعداد المقبولين أو فتح برامج دراسية جديدة، بل يتطلّب بناء منظومة تعليمية متكاملة، تكيُّفية، تعاونية، ومتوافقة مع احتياجات المجتمع، دون المساس بمعايير الجودة الأكاديمية.
وينبغي تعزيز دور الجامعات بوصفها مختبرات للسياسات العامة، بحيث تُوجَّه بحوث الأساتذة والطلاب لمعالجة المشكلات الواقعية، مع الالتزام بمعايير الأداء الأكاديمي.
إن الدولة بحاجة إلى سياسات قائمة على الأدلة، وتمتلك الجامعات القدرة على توفيرها متى وُجِّهَت طاقاتها الفكرية على نحوٍ سليم.
وفي هذا السياق، يُستحسَن التنويه بقرار الرئيس برابوو زيادة مخصصات البحث العلمي في الجامعات إلى نحو 12 تريليون روبية، بعد أن كانت تقارب 8 تريليونات، في إشارةٍ واضحة إلى مكانة البحث والابتكار كأساسٍ لصناعة السياسات العامة.
غير أن زيادة التمويل وحدها لا تضمن جودة البحث ولا أثره. فلا بد من حوكمةٍ رشيدة، وتوجيهٍ واضح نحو حل المشكلات الوطنية، وشجاعةٍ أكاديمية للخروج من أنماط البحث التكرارية وغير المرتبطة بحاجات المجتمع.
وهنا يجب فهم استقلالية الجامعات فهمًا متوازنًا؛ فهي ليست تحررًا من تدخل الدولة فحسب، بل مسؤولية اجتماعية أوسع في الاستجابة لمطالب الجمهور.
فالجامعة التي تتمتع بالاستقلالية مطالَبة بالحفاظ على صلتها بالمجتمع ونزاهتها من خلال الانحياز إلى حل مشكلاته. ومن دون هذا التوجّه، قد تفقد الاستقلالية مشروعيتها الأخلاقية أمام الرأي العام.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن يُقابَل دعم الدولة، تنظيمًا وتمويلًا وسياساتٍ، بتفانٍ فكري موجَّه نحو الصالح العام.
ويتجلّى إسهام التعليم العالي في عملٍ أكاديمي نزيه، نقدي، ومتّسق، موجَّه لتحقيق المصلحة العامة على المدى البعيد.
ويستدعي ذلك إعادة تموضع دور النخبة الفكرية، من التركيز على إنتاج المعرفة إلى الانخراط الجوهري في حل المشكلات العامة.
وبذلك، لا يكون المثقف مجرّد مراقب، بل فاعلًا تأمليًا يشارك بمسؤولية في الفضاءين السياسي والاجتماعي.
وفي أفقٍ أوسع، تقوم أجندة إندونيسيا الذهبية 2045 على نموٍّ اقتصادي وبناءٍ للبنية التحتية يتلازمان مع الارتقاء بجودة الموارد البشرية، وتعزيز المؤسسات، ونضج الوعي الجمعي، وهي مجالات تقع في صميم رسالة التعليم العالي.
وعليه، يمكن فهم التوجيه الرئاسي بوصفه خطوةً أولى في مسارٍ طويل لتعزيز دور الجامعات في المشروع الوطني.
لقد فُتِحَ فضاء الحوار، وتُنتَظَر من الجامعات استجابةٌ عبر عملٍ أكاديمي ذي صلة ومستدام.
وفي هذا السياق، تُقاس قيمة المثقف بقدرته على الجمع بين السمعة الأكاديمية والقدرة على تحويل المعرفة إلى سياسا عادلة، وأنظمة مستدامة، وتحسينٍ لكرامة حياة المجتمع.
وفي النهاية، سيحكم الزمن على مدى استجابة النخبة الفكرية لهذا النداء، بما تمتلكه من شجاعة فكرية، واتساق أخلاقي، ومسؤولية وطنية.
نُشِرَ هذا المقال في صحيفة كومباس يومَ الجمعة، 16 يناير 2026.
