التعليم العالي ومنطق السوق
الأستاذ الدكتور أحمد ثلابي خارلي، الماجستير
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
مضت ثلاثة عقود منذ أن طُرح مفهوم “الربط والمواءمة” في السياسات التعليمية الوطنية. وقد نشأت هذه الفكرة التي بدأت تبرز بقوة في أوائل تسعينيات القرن الماضي من القلق بشأن اتساع الفجوة بين عالم التعليم واحتياجات سوق العمل. فقد كان يُنظر إلى المدارس والجامعات على أنها تُخرّج طلابًا بمهارات وكفاءات لا تتوافق تمامًا مع متطلبات الصناعة. ومنذ ذلك الحين، ظلّت العلاقة بين التعليم وسوق العمل موضوعًا للجدل الذي لم يُحسم بصورة نهائية.
وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة في الآونة الأخيرة. فالحكومة تدفع باتجاه تعليم أكثر قدرة على التكيف مع احتياجات الصناعة، والتطورات التكنولوجية، والتغيرات في سوق العمل العالمي. كما أن إعادة إحياء التعليم المهني، وتعزيز برامج التدريب العملي، وسياسة “الاستقلال في التعلّم والحرم الجامعي المستقل”، إضافة إلى تقييم مدى ملاءمة البرامج الدراسية، كلها تدل على حجم اهتمام الدولة بقضية الترابط بين التعليم وعالم العمل.
ولهذا التوجه أسس قوية بالفعل، إذ إن عالم العمل يشهد تغيرات متسارعة للغاية. فالذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي، والتحول نحو الصناعات الخضراء، قد غيّرت احتياجات سوق العمل بصورة جذرية. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره “مستقبل الوظائف 2025” أن تختفي ملايين الوظائف التقليدية بسبب التكنولوجيا، في حين تظهر وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة.
وفي السياق الإندونيسي، تظهر هذه الإشكالية من خلال بيانات التعليم والتوظيف. فبحسب بيانات هيئة الإحصاء المركزية لعام 2024، فإن قطاع التعليم يمتلك أكبر عدد من الخريجين، حيث بلغ 12.18 مليون شخص بنسبة تخرج وصلت إلى 60.78%. أما القطاع الصحي فقد حقق أعلى نسبة تخرج بلغت 69.60%، في حين بلغ قطاع الدراسات الدينية 47.50%، والفنون 47.14%.
وفي الوقت نفسه، لا يزال توزيع الوظائف الوطنية متركزًا في قطاعات معينة. فقد أظهرت بيانات فبراير 2026 أن قطاع الزراعة يستوعب 28.78% من القوى العاملة، يليه قطاع التجارة بنسبة 17.95%، ثم الصناعة بنسبة 13.57%. أما قطاع التعليم فلا يستوعب سوى نحو 5% من إجمالي العمالة الوطنية. وتكشف هذه البيانات عن وجود فجوة بين هيكل التعليم العالي وهيكل الاقتصاد الوطني الذي لم يتحول بعد إلى اقتصاد قائم على المعرفة.
وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن للتعليم أن يسير في فراغ. فالجامعات مطالبة بقراءة اتجاهات العصر. والمناهج الجامدة لن تؤدي إلا إلى تخريج طلاب يجدون صعوبة في التكيف مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتغير باستمرار.
غير أن الإشكالية تكمن في أن النقاش حول “ملاءمة التعليم” يتجاوز أحيانًا حدوده، حتى يُختزل دور الجامعة في كونها مجرد مُورِّد للعمالة. فيُقاس التعليم بمدى سرعة توظيف الخريجين في سوق العمل، وتُعتبر البرامج الدراسية ناجحة إذا وفرت فرص عمل مباشرة، بينما تُنظر إلى التخصصات التي لا ترتبط بالصناعة ارتباطًا مباشرًا على أنها أقل أهمية.
وظيفة الجامعة
إن الجامعات منذ نشأتها لم تُؤسس فقط لتلبية حاجات السوق. فالجامعة فضاء لتطوير المعرفة، وبناء العقل النقدي، وإنضاج الثقافة، ومهد للأفكار الكبرى المتعلقة بالإنسانية.
فالعلوم الإنسانية، والفلسفة، والدراسات الدينية، والأدب، والتاريخ، وحتى العلوم الأساسية، لا ترتبط غالبًا بعلاقة خطية مع احتياجات الصناعة قصيرة الأجل. ومع ذلك، فإن هذه العلوم هي التي تشكل الأساس الأخلاقي والفكري للأمة. فالحضارة لا تُبنى فقط بالمهارات التقنية، بل أيضًا بجودة الأخلاق، والحكمة العامة، والقدرة على قراءة التاريخ، والحساسية الاجتماعية، وعمق التأمل الإنساني.
وقد حذّرت الفيلسوفة مارثا نوسباوم سنة 2010 من أن توجيه التعليم نحو النمو الاقتصادي فقط قد يؤدي إلى إضعاف التفكير النقدي والتعاطف الاجتماعي لدى المجتمع. فالديمقراطية تحتاج إلى مواطنين قادرين على فهم تعقيدات الإنسان، لا مجرد عمال أكفاء.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل الاتجاه العالمي الذي يجعل من التعليم أداة اقتصادية بحتة. فالجامعات تُدفَع تدريجيًا إلى اتباع منطق السوق المتغير بسرعة، مما قد يحولها إلى مؤسسات تدريب تقني تركض خلف اتجاهات الصناعة، دون أن تبني أفقًا معرفيًا أوسع.
في حين أن حاجات السوق نفسها دائمة التغير. فالمهارات التي تُعدّ اليوم ضرورية قد تصبح متقادمة خلال سنوات قليلة. بل إن تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تؤكد أن أهم المهارات المستقبلية تتمثل في التفكير النقدي، والإبداع، والتواصل، والتعاون، والقدرة على التكيف الاجتماعي.
وهذه المهارات لا تنشأ إلا من خلال تعليم يتيح مساحة للتأمل، والحوار، واستكشاف الأفكار، وحرية التفكير. فالجامعة تحتاج إلى فضاء أكاديمي يمكّن الطلاب من فهم الإنسان والمجتمع فهمًا شاملًا، لا مجرد تعلم مهارات تقنية محددة.
تشخيص غير دقيق
كثيرًا ما يؤدي الجدل حول التعليم والبطالة إلى تشخيصات غير دقيقة. فعندما ترتفع معدلات بطالة الخريجين الجامعيين، تصبح الجامعات أول من يُلام. فتُتهم البرامج الدراسية بأنها كثيرة، وتُنتقد المناهج بأنها غير ملائمة، ويُقال إن الجامعات فشلت في قراءة حاجات السوق.
مع أن مشكلة التوظيف أكثر تعقيدًا من مجرد العلاقة بين الجامعة وسوق العمل.
فالبيانات تشير إلى أن البطالة المفتوحة لا تزال مرتفعة بين خريجي الثانوية العامة بنسبة 28%، والثانوية المهنية بنسبة 22.35%. أما خريجو الدبلوم والجامعات فيواجهون بالفعل تحديات في الاندماج في سوق العمل، غير أن ذلك مرتبط بالبنية الاقتصادية الوطنية بشكل عام.
فالمشكلة الأساسية في إندونيسيا ليست في كثرة خريجي الجامعات، بل في محدودية خلق فرص العمل ذات الجودة العالية. فالتصنيع الوطني لم يصل بعد إلى مستوى قادر على استيعاب الأيدي العاملة المتعلمة بأعداد كبيرة، كما أن العديد من المناطق لا تزال تعتمد على القطاع غير الرسمي منخفض الإنتاجية، فضلًا عن أن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار لم يتطور بالشكل الكافي.
وفي مثل هذه الظروف، فإن إغلاق بعض البرامج الدراسية أو تقليصها لن يكون بالضرورة حلًا للمشكلة، إذ إن البطالة لن تنخفض تلقائيًا لمجرد اعتبار بعض التخصصات “غير ملائمة” للسوق.
ويكشف هذا الوضع عن نزعة لتحميل المؤسسات التعليمية وحدها عبء التنمية الاقتصادية الوطنية، وكأن الجامعات مطالبة بحل مشكلات هيكلية تتجاوز قدرتها الفعلية.
لذلك ينبغي فهم العلاقة بين التعليم وسوق العمل بصورة أكثر توازنًا. فالتعليم يحتاج بالفعل إلى مواكبة العصر، لكن هذه المواكبة لا تعني مجرد التكيف التقني مع حاجات الصناعة قصيرة المدى، بل تشمل القدرة على فهم التحولات الاجتماعية والتكنولوجية واحتياجات المجتمع بصورة شاملة.
أفق جديد
إن مستقبل التعليم يحتاج إلى رؤية أوسع من مجرد الجدل بين مثالية الجامعة ومتطلبات سوق العمل. المطلوب هو تحقيق توازن بين الملاءمة الاقتصادية والمسؤولية الحضارية.
فالجامعات بحاجة إلى تطوير مناهج قادرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية والاحتياجات الاجتماعية، كما ينبغي تعزيز التعاون مع قطاع الصناعة، وتوسيع برامج التدريب العملي، والبحث التطبيقي، وريادة الأعمال، والابتكار الاجتماعي، حتى يمتلك الخريجون خبرات واقعية في مواجهة تحولات سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على العلوم الأساسية والإنسانية باعتبارها جزءًا مهمًا من بناء الأمة. فالجامعة تحتاج إلى فضاء تأملي يحفظ للعقل العام توازنه وسط التغيرات المتسارعة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح القدرات الإنسانية الجوهرية أكثر أهمية من أي وقت مضى. فقد تستطيع التكنولوجيا أن تحل محل بعض الأعمال الإدارية أو التقنية، لكن التعاطف الإنساني، والحكمة الأخلاقية، والقدرة على فهم تعقيدات البشر، وعمق التأمل، تبقى مجالات يصعب على الآلة أن تحل محل الإنسان فيها.
ولهذا، فإن تعليم المستقبل لا يكفي أن يُخرّج أفرادًا جاهزين للعمل فقط، بل يجب أن يُنشئ إنسانًا قادرًا على فهم تغيرات العصر دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية والإنسانية.
فالجامعة مطالبة بأن تكون قريبة من الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته تتحمل مسؤولية الحفاظ على أفق معرفي أبعد من مجرد حاجات السوق الآنية. فالأمم القوية لا تُبنى فقط بالعمال المهرة، بل أيضًا بأشخاص قادرين على حفظ الاتجاه الأخلاقي والثقافي، وصياغة خيال المستقبل.
نُشرت هذه المقالة على موقع Disway يوم الاثنين (11/05/2026).
