التعليم العالي وتحديات الملاءمة

التعليم العالي وتحديات الملاءمة

بقلم: أ. د. أحمد ثعلبي

(نائب رئيس جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا للشؤون الأكاديمية)

عادت النقاشات والسجالات حول مدى ملاءمة وفائدة التعليم العالي لتتصدر الواجهة من جديد في السنوات الأخيرة. حيث باتت الجامعات تُطالب بشكل ملحّ بضرورة إعداد خريجين قادرين على الانخراط السريع في سوق العمل، والتمتع بالمرونة في مواكبة التطورات الصناعية، واكتساب الكفايات التي تتوافق مع متطلبات السوق. وفي الوقت ذاته، تبرز انتقادات ترى أن المناهج الجامعية باتت متخمة ومثقلة بالمواد، وتفتقر إلى التركيز، بل ويُنظر إليها أحياناً على أنها لا تتناسب دائماً مع الواقع المهني الفعلي الذي يواجهه الخريجون.

وقد ساهمت الطفرة التكنولوجية المتسارعة في تعزيز هذه الضغوط وتعميقها؛ إذ يتحرك عالم الوظائف بديناميكية متسارعة، وتتشكل وظائف جديدة باستمرار، في حين تشهد بعض المهن التقليدية تحولات جذرية بل وتبدأ في التلاشي تدريجياً. ويضعنا هذا الوضع أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للجامعات صياغة مناهج تعليمية تحافظ على ملاءمتها ومواكبتها للعصر دون أن تفقد هويتها الأكاديمية الراسخة؟

إن الملاءمة والفائدة بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي – بما فيها جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا – لا يمكن اختزالها بوعي ضيق يحصرها في القدرة على ضخ أيدي عاملة فحسب؛ فالتعليم يحمل رسالة ومسؤولية أكبر بكثير. إن التعليم هو عملية أنسنة للإنسان، وبناء لملكة التفكير النقدي، وتدريب على المحاكمة المنطقية، وتعميق للحس والمسؤولية الاجتماعية، صياغة لشخصية إنسانية وحضارية.

بناءً على ذلك، فإن تحديث المناهج التعليمية وتطويرها لا يمكن أن يقتصر على مجرد اللحاق بالنزعات والموجات الصناعية العابرة؛ بل يجب أن يكون المنهج قادراً على تلبية متطلبات العصر مع الحفاظ في الوقت ذاته على التوجهات الجوهرية للتعليم بوصفه عملية لبناء الإنسان ككتلة متكاملة.

المناهج المرنة والمهيأة (Kurikulum Adaptif)

في عام 2025، قامت جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا بعملية إعادة صياغة شاملة ومتزامنة للمناهج في جميع تخصصاتها وبرامجها الدراسية استناداً إلى نموذج "التعليم القائم على المخرجات" (OBE). ويضع هذا التوجه مخرجات التعلم ونواتجه بوصفها البوصلة والموجه الأساسي للعملية التعليمية برمتها.

وفي ضوء هذا النموذج، لم يعد المنهج الدراسي مجرد قائمة مرصوصة من المواد والمساقات التي يتوجب على الطالب اجتيازها؛ بل يجري تصميمه بشكل منهجي وهيكلي بدءاً من تحديد مواصفات الخريج المستهدف، مروراً بمخرجات التعلم المستهدفة للبرنامج (CPL)، ومخرجات التعلم للمواد الدراسية (CPMK)، وصولاً إلى مصفوفة الترابط والاتساق بين هذه المخرجات جميعاً.

ويضمن هذا التوجه أن يسهم كل مساق دراسي بمساهمة واضحة ومحددة في بناء الكفاية الإجمالية للخريج. وهنا لا تتوقف العملية التعليمية عند حدود التلقين ونقل المعارف، بل تُوجّه نحو بناء قدرات حقيقية ومهارات فعلية قابلة للقياس على المستويين الأكاديمي والمهني.

وقد غدا نموذج "التعليم القائم على المخرجات" (OBE) نزعة عالمية سائدة في قطاع التعليم العالي اليوم. ويؤكد وليام سبادي (1994) – وهو أحد الرواد البارزين في تطوير هذا النموذج – أن التعليم يجب أن يُوجّه نحو الكفاية النهائية والقدرة الفعلية التي يمتلكها الخريج حقاً بعد الفراغ من العملية التعليمية. فالجامعة لا يكفيها الاطمئنان إلى مجرد حضور الطالب في القاعات الدراسية، بل يتوجب عليها التحقق من وجود مخرجات ونواتج تعلم حقيقية وقابلة للقياس.

ومن هذا المنطلق، لم يكن تحديث المناهج في جامعة جاكرتا مجرد إجراء إداري شكلي، بل جاء كجزء من جهود حثيثة لبناء منظومة تعليمية أكثر مرونة، ونظامية، وملاءمة للتطورات المجتمعية.

كما يستند هذا التحديث في المناهج إلى "الإطار الوطني للمؤهلات في إندونيسيا" (KKNI) الصادر بموجب القرار الرئاسي رقم 8 لعام 2012. ويمثل هذا الإطار منظومة وطنية تحدد مستويات الكفاية لخريجي التعليم في إندونيسيا.

ويضم الإطار تسعة مستويات للمؤهلات والكفايات؛ حيث يقع خريج مرحلة البكالوريوس (S-1) في المستوى السادس. وفي هذا المستوى، يُتوقع من الخريج امتلاك القدرة على تطبيق حقول تخصصه، وإتقان المفاهيم النظرية، والقدرة على اتخاذ القرارات الصائبة، وتحمل المسؤولية الكاملة تجاه العمل والمؤسسة.

وتكمن أهمية هذا الإطار في كونه يوفر معايير وطنية للكفاية تشكل مرجعية مشتركة بين قطاع التعليم العالي وقطاع المهن والوظائف. وبوجوده، أصبحت مخرجات التعلم للخريجين تمتلك معايير ومقاييس أكثر وضوحاً وهيكلة.

وهنا تحديداً تتجلى العلاقة الوثيقة والضرورية بين الإطار الوطني (KKNI) ونموذج التعليم القائم على المخرجات (OBE)؛ فالإطار يحدد الهيكل الوطني العام للكفايات، بينما يضمن نموذج (OBE) أن تفضي العملية التعليمية فعلياً إلى صياغة تلك الكفايات عبر تصميم تعليمي محكم وقابل للقياس.

ولأجل ذلك، فإن إعادة صياغة المناهج في الجامعات لا يمكن أن تتم بشكل عشوائي؛ بل يتعين على كل برنامج دراسي ضمان وجود ترابط وثيق ومحكم بين مواصفات الخريج، ومخرجات التعلم، وطرق التدريس، ومنظومة التقييم.

التعليم الإنساني (Pendidikan Humanis)

ومن الانتقادات الشائعة التي تُطرح غالباً، الادعاء بأن المناهج الجامعية متخمة ومكتنزة بالمواد، مما يؤدي – حسب هذا الادعاء – إلى تشتت الطالب وضعف تركيزه في التعمق في تخصص العلمي الأساسي. وإن انتقاداً كهذا يحتاج إلى فحص موضوعي يستند إلى البيانات والحقائق.

فوفقاً لقرار وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا رقم 39 لعام 2025 بشأن معايير جودة التعليم العالي، فإن الحد الأدنى للوحدات الدراسية (SKS) لمرحلة البكالوريوس هو 144 وحدة. وهذا يعني أن صياغة المناهج الجامعية ملزمة قانوناً بالوفاء بالمعايير الوطنية التي حددتها الدولة.

وفي جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا، تخضع جميع تصاميم المناهج لعملية تدقيق وفحص صارمة قبل أن يصدق عليها رئيس الجامعة؛ وذلك لضمان التوافق التام بين هيكل المواد الدراسية، ومخرجات التعلم، ومعايير جودة التعليم العالي. وبناءً على ذلك، لا يوجد أي برنامج دراسي يصيغ منهجاً يتجاوز الحدود المعقولة والمتعارف عليها.

إن القضية الأساسية لا تكمن في عدد الوحدات الدراسية المجردة، بل في مدى فاعلية العملية التعليمية ذاتها. فالطلاب اليوم يواجهون عالماً يزداد تعقيداً وتداخلاً بين التخصصات؛ حيث إن الكثير من المعضلات الاجتماعية، والتكنولوجية، والاقتصادية، والدينية باتت تتطلب مقاربات عابرة للقارات الفكرية والعلوم المختلفة.

وفي سياق كهذا، لم يعد كافياً للتعليم العالي أن يضخ خريجين يملكون مهارة أحادية ضيقة؛ بل يتعين على الجامعات بناء توازن خلاق بين عمق المعرفة التخصصية، وسعة الأفق الفكري، والقدرة على التكيف مع متغيرات العصر.

ولذلك، فإن وصف "المنهج المتخم" يتطلب قراءة متأنية وحذرة. فالأهم هو التحقق من أن كل مادة دراسية تمتلك ارتباطاً وثيقاً بكفاية الخريج، وتقدم تجربة تعلم حقيقية وذات معنى للطالب.

وهناك انتقاد آخر يتكرر كثيراً، وهو وجود خريجين يعملون في مجالات لا تمت بصلة لتخصصاتهم الدراسية؛ حيث يُتخذ من هذه الظاهرة دليل قطعي للحكم بفشل التعليم العالي في تقديم خريجين ملائمين لسوق العمل.

إن حكماً عاماً كهذا يستدعي الكثير من الحذر؛ فإطلاق الأحكام العامة بناءً على حالات منتقاة لا يعكس واقع الحال والمنظومة بأكملها. فالجامعات تملك بيانات ودراسات لتتبع الخريجين (Tracer Study) تؤكد أن قطاعاً واسعاً من الخريجين يعملون في مسارات تتوافق مع كفاياتهم الأكاديمية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن اختزال التعليم العالي ومهمته في مجرد كونه معبراً أو ممراً نحو وظيفة محددة؛ فالتعليم يملك أبعاداً وفضاءات أرحب بكثير من مجرد إعداد الأيدي العاملة.

وتوضح الفيلسوفة مارثا نوسباوم (2010) أن للتعليم دوراً جوهرياً في بناء إنسان قادر على التفكير النقدي والمتأمل، وإنسان يستشعر القيم الإنسانية. وحذرت من أن التعليم الذي يفرط في التوجه الاقتصادي البحت ينطوي على خطر ولادة بشر يفقدون أبعادهم الأخلاقية والاجتماعية.

ولذلك، فإن نجاح التعليم لا يُقاس بسرعة أو بطء حصول الخريج على وظيفة فحسب؛ بل يُقاس أيضاً بمدى قدرته على صياغة إنسان يفكر منطقياً، ونقدياً، ويتميز بالانفتاح، ويتحمل مسؤولياته الاجتماعية.

وفي واقع الحياة، يعد التحول بين المسارات المهنية أمراً طبيعياً ومألوفاً؛ فقد يختار المرء المنتمي لحقل علمي معين مساراً مهنياً مغايراً استجابة لنداء اجتماعي، أو حاجة مجتمعية، أو قناعة شخصية. ولا ضير أبداً عندما يختار خريج من تخصص غير تربوي أن يصبح معلماً، طالما أن هذا الخيار يمثل قناعة وخياراً حياتياً يؤمن به.

إن السؤال الأكثر أهمية هو: هل نجح التعليم في بناء القدرة الفكرية والأخلاقية التي تمكن الفرد من مواجهة واقع الحياة وإدارته بكفاءة واقتدار؟

المواءمة والتكامل (Link and Match)

غالباً ما يُفهم مفهوم "المواءمة والتكامل" (Link and Match) بين الجامعات وعالم العمل بوعي ضيق يحصره في تطويع المنهج الدراسي تطويعاً كاملاً وخضوعه التام لمتطلبات الصناعة والشركات. والواقع أن للتعليم العالي رسالة أوسع من مجرد تلبية الاحتياجات الآنية وقصيرة المدى لسوق العمل.

إن المواءمة الصحية والرشيدة هي التي تحافظ على التوازن الدقيق بين متطلبات سوق العمل، وتطوير البحث العلمي، وبناء الكينونة الأخلاقية والإنسانية للبشر.

وفي إطار صياغة المناهج المستندة إلى نموذج (OBE)، تحرص جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا على إشراك مختلف الأطراف والشركاء من الداخل والخارج. فمن الداخل يشارك الأساتذة والطلاب، ومن الخارج يساهم الخريجون (الألومني)، وجهات التوظيف، وقطاع الصناعة.

وعبر هذه الآلية التشاركية، تستطيع الجامعة قراءة التطورات والاحتياجات المجتمعية المتجددة، وفي الوقت ذاته تحافظ على رصانتها وجودتها الأكاديمية. كما تجري مراجعة المناهج وتحديثها بشكل دوري مرّة كل خمس سنوات كحد أقصى لضمان مواكبتها للمستجدات.

إن الجامعات اليوم مطالبة بمرونة أكبر في التعامل مع الطفرات التكنولوجية، والاقتصاد الرقمي، والتحولات الاجتماعية العالمية. وفي المقابل، تقع على عاتقها مسؤولية صون التقاليد العلمية والتوجه الأخلاقي للتعليم.

وتسعى جامعة جاكرتا للحفاظ على هذا التوازن عبر دمج رصانة التكوين الأكاديمي، والقيم الإسلامية، ومتطلبات المجتمع المعاصر في نظامها التعليمي.

كما يفرز تطور عالم الوظائف متطلبات جديدة تتجه نحو التعليم المهني (Vokasi) وتعزيز الكفايات التطبيقية؛ حيث يعد التعليم المهني أداة حيوية لإعداد موارد بشرية تملك المهارات العملية التي تطلبها ميادين العمل.

ولذلك، يتعين على الجامعات استمرار القراءة الواقعية لمتطلبات المجتمع؛ ويشكل تعزيز الكفايات المهنية، والشهادات الاحترافية، والمهارات الرقمية، والتجارب التطبيقية جزءاً لا يتجزأ من منظومة التعليم العالي الحديث.

وفي الوقت ذاته، يظل للتعليم الأكاديمي المنهجي موقعه الاستراتيجي في بناء القواعد العلمية، والقدرة التحليلية، ونظرية التفكير بعيد المدى. فالجامعات لا يمكنها الاكتفاء بضخ خريجين جاهزين للعمل اليوم فحسب، بل يجب عليها إعداد بشر قادرين على التعلم الذاتي ومواجهة تحولات المستقبل ومتغيراته.

وفي هذا السياق والمضمون، يحتاج التعليم العالي إلى إحداث توازن وانسجام بين التوجه الأكاديمي الرصين، والكفاية المهنية العالية، وبناء الشخصية الإنسانية والأخلاقية.

إن تحولات العالم لن تتوقف، والتكنولوجيا ستستمر في قفزاتها، وأنواع الوظائف ستبدل جلودها باستمرار؛ وتحمل الجامعات مسؤولية كبرى في ضمان أن يكون خريجوها مسلّحين بمهارات العمل، وقادرين في الوقت ذاته على التفكير، والتكيف، وصون القيم الإنسانية وسط هذه الأمواج العاتية والمتسارعة من التغيير.

> ملحوظة: نُشر هذا المقال كجزء من سلسلة الرؤى الأكاديمية حول تطوير التعليم العالي لعام 2026.