الإنذار المالي في إندونيسيا
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية الأساتذة الإندونيسيين
عضو إدارة المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الاقتصادية الإسلامية
عضو الجمعية الاقتصادية الإندونيسية – فرع جاكرتا
مستشار معهد تطوير الاقتصاد الإسلامي بمجلس العلماء الإندونيسي
في خضم المشهد الاقتصادي العالمي الذي لا يزال يكتنفه قدر كبير من عدم اليقين، تواجه الحكومة الإندونيسية تحديات معقدة في الحفاظ على سلامة أوضاعها المالية. فتقلبات أسعار السلع، والتوترات الجيوسياسية، والسياسات النقدية العالمية المتشددة، تمثل عوامل خارجية يصعب التحكم فيها بالكامل. وفي هذا السياق، تصبح إدارة الموازنة العامة للدولة أداة محورية لضمان الاستقرار واستدامة التنمية.
تشير بعض المؤشرات المالية إلى وجود ضغوط متزايدة، غير أن هذه الحالة لا ينبغي قراءتها بوصفها إنذار أزمة، بل بوصفها “إشارة تحذير” تستدعي اليقظة. فهي تمثل دافعًا لتعزيز استراتيجيات إدارة الدين والسياسة المالية بشكل أكثر دقة وحذرًا ومرونة.
في الخطاب العام، غالبًا ما يُنظر إلى الدين باعتباره عبئًا يجب تجنبه. إلا أن الواقع الاقتصادي المعاصر يُظهر أن الدين أداة شائعة تستخدمها معظم الدول لتمويل التنمية. فمن حيث القيمة الاسمية، يستمر دين الحكومة الإندونيسية في الارتفاع، حيث بلغ مع نهاية عام 2025 نحو 9,600 تريليون روبية، أي ما يعادل 40.46% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشكل السندات الحكومية نحو 87% من هذا الدين. ومن المتوقع أن يتجاوز إجمالي الدين 10,000 تريليون روبية في عام 2026.
ومع ذلك، تؤكد الحكومة أن المؤشر الأهم ليس حجم الدين المطلق، بل نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا الجانب، لا تزال إندونيسيا في وضع آمن نسبيًا، إذ تبلغ نسبة الدين نحو 40%، وهي أقل بكثير من الحد الأقصى القانوني البالغ 60%. بل تشير التوقعات إلى استقرار هذه النسبة في حدود 39–40% خلال السنوات القادمة.
لكن الاعتماد على هذا المؤشر وحده دون فهم الديناميكيات الكامنة قد يكون مضللًا، إذ لا تُقاس الصحة المالية بحجم الدين فقط، بل بقدرة الدولة على خدمته وهيكل تمويله.
ومن أبرز المؤشرات التي بدأت تعكس الضغوط، ارتفاع عبء فوائد الدين. فقد بلغ إجمالي مدفوعات الفوائد في عام 2025 نحو 520.7 تريليون روبية، بزيادة قدرها 12.5% مقارنة بعام 2024. وفي الربع الأول من عام 2026، وصلت المدفوعات إلى 144.3 تريليون روبية، بزيادة 26% على أساس سنوي. وتشكل هذه المدفوعات نحو 18.66% من إيرادات الدولة، ما يعني أن قرابة خمس الإيرادات تُستهلك في دفع الفوائد فقط.
وفي عام 2026، يُتوقع أن تبلغ قيمة الديون المستحقة نحو 833.96 تريليون روبية، وهو أعلى مستوى خلال العقد المقبل. ويؤدي هذا التزامن بين ارتفاع الفوائد واستحقاقات الدين إلى خلق ضغط مزدوج على الموازنة، حيث قد تضطر الحكومة إلى إصدار ديون جديدة لتسديد القديمة، وهي ممارسة تُعرف بإعادة تمويل الدين، وقد تتحول إلى حلقة مفرغة إذا لم تُدار بحذر.
كما تتعرض المالية العامة لضغوط من جانب العجز، الذي بلغ في عام 2025 نحو 695 تريليون روبية، مما يستدعي تمويلًا إضافيًا عبر الاقتراض. وقد زادت هذه التحديات تعقيدًا مع قيام وكالة “فيتش” بتعديل النظرة المستقبلية لإندونيسيا إلى سلبية، محذرة من مخاطر توسع العجز دون إصلاحات مالية كافية.
وتتفاقم الضغوط بفعل العوامل العالمية، مثل تقلبات أسعار الصرف وارتفاع أسعار الفائدة، مما يزيد تكلفة الاقتراض ويجعل الدين مصدرًا محتملًا للهشاشة الاقتصادية.
من حيث الهيكل، تؤكد الحكومة أن الدين الإندونيسي يتمتع بدرجة من الأمان، إذ يغلب عليه الطابع طويل الأجل، ويُوجَّه إلى قطاعات إنتاجية كالصحة والتعليم والبنية التحتية. غير أن هناك ملاحظتين أساسيتين: الأولى، الاعتماد على الأسواق المالية يجعل البلاد عرضة لتقلبات ثقة المستثمرين؛ والثانية، أهمية كفاءة استخدام الدين في تحقيق نمو اقتصادي كافٍ.
كثيرًا ما يُستخدم مفهوم “الحيز المالي” لتبرير التوسع في الاقتراض، غير أن هذا الحيز ليس ثابتًا، بل يتقلص مع تباطؤ النمو أو ارتفاع الفائدة أو ضعف الإيرادات.
ولا تقتصر جهود تعزيز الاستدامة المالية على ضبط الإنفاق، بل تشمل أيضًا تعزيز الإيرادات. وقد أطلقت الحكومة إصلاحات ضريبية تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال وتوظيف الرقمنة، وقد بدأت نتائجها بالظهور تدريجيًا.
ويمكن تلخيص إشارات التحذير الحالية في خمسة عناصر: ارتفاع الدين إلى مستويات تقترب من 10,000 تريليون روبية، وارتفاع عبء الفوائد، وتزايد الاستحقاقات، واستمرار العجز، وتصاعد المخاطر العالمية.
ولمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى خطوات استراتيجية، تشمل: ضبط العجز تدريجيًا، وتعزيز الإيرادات، وتحسين جودة الإنفاق، وتطوير إدارة الدين، ودعم النمو الاقتصادي الشامل.
وفي نهاية المطاف، يظل النمو الاقتصادي القوي هو الحل الأكثر استدامة لمشكلة الدين. فبدونه، يتحول الدين إلى عبء متزايد.
إن “إشارة التحذير” المالية ليست إنذار خطر، بل دعوة إلى الحذر. وقد اختارت الحكومة نهجًا متوازنًا يجمع بين الانضباط المالي والإدارة الحذرة للدين وتعزيز الإيرادات.
ورغم التحديات، لا تزال السياسة المالية في إندونيسيا تسير في الاتجاه الصحيح، حيث يُدار الدين ضمن حدود آمنة، وتُتخذ التدابير الوقائية، وتستمر مسيرة التنمية.
وفي المستقبل، لن تكون التحديات أقل صعوبة، لكن مع الانضباط والسياسات التكيفية، تظل الفرصة قائمة للحفاظ على الاستقرار وتحقيق النمو المنشود. لقد أُضيئت إشارة التحذير، لكن مع التحكم الجيد، يمكن مواصلة المسير بأمان.
نُشر هذا المقال في صحيفة «كومباس» يوم الاثنين (27/4/2026).
