الأهمية الاستراتيجية لتجنيد التعاونيات وقرى الصيد ذات اللونين الأحمر والأبيض
علي رِفْعان
(محاضر في كلية العلوم الاجتماعية والسياسية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا)
أثار فتح باب التوظيف لعشرات الآلاف من المديرين ضمن برنامج تعاونية القرى/الأحياء الحمراء والبيضاء (KDKMP) وقرى الصيادين الحمراء والبيضاء (KNMP) في الآونة الأخيرة اهتمامًا واسعًا من قبل الرأي العام.
فمن جهة، يُنظر إلى هذه الخطوة كفرصة عمل واسعة النطاق. ومن جهة أخرى، برزت انتقادات متعددة، تتراوح بين المخاوف من ظاهرة “الواسطة”، والقيود العمرية، وصولًا إلى المشكلات التقنية في نظام التسجيل.
غير أن هذه الديناميات تؤكد حقيقة مهمة: هذا البرنامج ليس مجرد عملية توظيف عادية، بل هو جزء من رؤية استراتيجية كبرى تهدف إلى نقل مركز النمو الاقتصادي من المدن، حيث ظل متركزًا، إلى القرى والمناطق الساحلية.
تحول في paradigma التنمية
من هذه الزاوية، ينبغي قراءة هذا التوظيف ضمن إطار استراتيجي أوسع. فعلى مدى عقود، واجهت إندونيسيا مشكلة هيكلية تتمثل في عدم توازن توزيع فرص العمل، حيث تتركز الوظائف الجيدة في المدن الكبرى، بينما تتحول القرى إلى مصدر للهجرة العمالية.
يقدم برنامج KDKMP–KNMP مقاربة مختلفة؛ إذ لم تعد الدولة تكتفي بدفع العمال نحو المدن، بل بدأت في نقل فرص العمل إلى القرى نفسها. وهذا يمثل تحولًا مهمًا في سياسات التشغيل والتنمية الاقتصادية.
مع أكثر من 30 ألف وظيفة في المرحلة الأولى، يخلق البرنامج فرص عمل رسمية على المستوى المحلي. لكن الأهم من ذلك هو الدور المتوقع لهؤلاء المديرين في تنشيط الاقتصاد القروي، من خلال توزيع السلع المدعومة، وتعزيز دور التعاونيات، وتطوير سلاسل إنتاج الصيادين.
وبذلك، لا يقتصر الأثر على خلق الوظائف، بل يمتد إلى تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
أثر اقتصادي مضاعف
من منظور اقتصادي، يحمل هذا البرنامج إمكانات كبيرة لإحداث أثر مضاعف. فقد صُممت تعاونيات القرى الحمراء والبيضاء لتقليص سلاسل التوزيع الطويلة وغير الفعالة، بما في ذلك تقليل الاعتماد على الوسطاء.
ومن خلال إدارة أكثر احترافية، يمكن أن تصبح هذه التعاونيات مراكز توزيع أكثر كفاءة وشفافية، مما يتيح للمجتمع الحصول على السلع بأسعار معقولة، ويوفر للمنتجين المحليين وصولًا أفضل إلى الأسواق.
أما في المناطق الساحلية، فإن التدخل أكثر مباشرة، من خلال توفير بنى تحتية مثل مرافق التبريد، ومصانع الثلج، ووحدات معالجة الأسماك. هذه الخطوات لا ترفع فقط القيمة الاقتصادية للإنتاج، بل تقلل أيضًا من الخسائر بعد الصيد.
وهنا تبرز أهمية دور المديرين، ليس كموظفين إداريين فحسب، بل كقادة اقتصاديين محليين يضمنون فعالية المنظومة بأكملها.
مواجهة الانتقادات عبر الحوكمة
لا يمكن تجاهل الانتقادات المتعلقة بعملية التوظيف. فالمخاوف من “الواسطة” تعكس حساسية المجتمع تجاه العدالة في فرص العمل. كما أن المشكلات التقنية، مثل تعطل الموقع الإلكتروني، قد تؤثر سلبًا على الثقة العامة إذا لم تُعالج بسرعة.
ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن تصميم البرنامج يتضمن آليات للحفاظ على النزاهة، مثل التوظيف المفتوح دون رسوم، واستخدام نظام الاختبارات المحوسبة (CAT) المعروف بدرجة عالية من الموضوعية.
كما أن إشراك عدة وزارات ومؤسسات في لجنة وطنية موحدة يعكس تنسيقًا مركزيًا، لا تنفيذًا قطاعيًا منفصلًا.
ويبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ، من خلال ضمان الشفافية، والاستجابة السريعة للمشكلات التقنية، وتحسين التواصل مع الجمهور.
استثمار طويل الأمد
ما يغيب أحيانًا عن النقاش هو البعد طويل المدى لهذا البرنامج. فالتوظيف هنا لا يهدف فقط إلى ملء وظائف، بل إلى بناء قيادات اقتصادية على مستوى القرى والسواحل.
المديرون الذين يُعيّنون اليوم قد يصبحون خلال العقدين القادمين عوامل تغيير حقيقية، يتعاملون مع تحديات الإنتاج والتوزيع وبناء المؤسسات المحلية.
وإذا حظوا بالتدريب والدعم والتقييم المستمر، فإنهم قد يشكلون أساسًا لتحول اقتصادي مستدام في المناطق الريفية.
الحفاظ على الاتجاه الاستراتيجي
ينبغي النظر إلى هذا البرنامج كجزء من جهد وطني لتوسيع قاعدة النمو الاقتصادي. فعندما تصبح القرى والمناطق الساحلية أكثر إنتاجية، يمكن تقليص الفجوات بين المناطق تدريجيًا.
ورغم أهمية النقد والمساءلة، من الضروري ألا يُختزل هذا المشروع الكبير في مشكلات تقنية قصيرة الأمد، بل يجب الحفاظ على رؤيته الاستراتيجية بوصفه خطوة نحو تنمية أكثر توازنًا وشمولًا.
نُشر هذا المقال في صحيفة “كومباس” يوم الخميس (16/4/2026).
