الأستاذة الدكتورة ليليك أم كلثوم تؤكد على دور تفسير القرآن كواقع اجتماعي
قاعة هارون ناسوتيون، أخبار الجامعة – "كيف يمكن للقرآن أن يظل حاضرًا للإجابة على قضايا الإنسان بينما تستمر أشكال الحياة في التغير؟"
كان هذا السؤال هو نقطة الانطلاق للأستاذة الدكتورة ليليك أم كلثوم، الماجستير، أثناء إلقاء خطابها العلمي بعنوان "التفسير التوحيدي - الواقعي: تكامل النص والواقع والوعي التوحيدي في تطوير منهجية تفسير القرآن الكريم"، وذلك في الجلسة العلنية لمجلس الشيوخ الأكاديمي لتنصيب أساتذة جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا في قاعة هارون ناسوتيون، يوم الأربعاء (30/09/2026). وفي هذه المناسبة، تم تنصيب الأستاذة الدكتورة ليليك كأستاذة في مجال مناهج التفسير.
بالنسبة للأستاذة الدكتورة ليليك، لم تعد مشكلة التفسير المعاصر تكمن في التساؤل عما إذا كان القرآن ملائمًا للعصر، بل في كيفية اكتشاف هذه الملاءمة من خلال منهجية مسؤولة. فنص القرآن الكريم ثابت، في حين أن الإنسان والتكنولوجيا وأشكال الظلم وصولاً إلى القضايا البيئية في حركة مستمرة. لذلك، يجب أن يكون التفسير قادراً على الجمع بين رسالة الوحي والواقع دون إقحام القضايا الجديدة قسراً في النص.
وقد صاغت هذه الفكرة من خلال "التفسير التوحيدي - الواقعي". ولا يُدعى أن هذا النهج منهج جديد كلياً، بل هو محاولة لإعادة بناء العلاقة بين عدد من العناصر التي تطورت في تقليد التفسير. هناك أربعة عناصر يتم الجمع بينها: "الواقع" (wāqi‘) كنقطة انطلاق، و"التفسير الموضوعي" كإجراء لتحليل النص، و"التوحيد" كمبدأ أخلاقي-روحي، و"التحول" (التغيير) كتوجه نهائي.
وأوضحت الأستاذة الدكتورة ليليك قائلة: "الواقع يحدد من أين يبدأ التفسير؛ والتفسير الموضوعي يحدد كيف يُدرس النص؛ والتوحيد يحدد كيف يُبنى الإنسان؛ والتحول يحدد إلى أين يتجه التفسير".
وبهذا الإطار، يمكن حتى للمشاكل البسيطة في الحياة اليومية أن تصبح مدخلاً لدراسات التفسير. وضربت مثلاً بزيت الطهي المستعمل الذي يُرمى بعشوائية. بالنسبة لأسرة واحدة، قد يبدو هذا الفعل بسيطاً، ولكن عندما تقوم به آلاف بل ملايين الأسر، تتطور المشكلة لتصبح قضية بيئية. في نهج التفسير "التوحيدي - الواقعي"، يتم أولاً التعرف على هذا الواقع، ثم يُصاغ في تساؤل قرآني، ويُدرس من خلال الآيات ذات الصلة، ويُفهم في سياقه، ويُجرى حوار بشأنه مع العلوم البيئية.
كما نبهت الأستاذة الدكتورة ليليك إلى أمر مهم وهو ألا يُفرض الواقع قسراً ليصبح معنى للآية. وأكدت أن كلمة "فساد"، على سبيل المثال، لا ينبغي ببساطة أن يُقال إن معناها "زيت الطهي المستعمل". ما يمكن فعله هو إيجاد المبدأ المعياري لتقييم أفعال الإنسان التي تساهم في هذا الدمار. ومن هنا، يُوجه التفسير نحو العمل، مثل جمع وإدارة وإعادة تدوير الزيت المستعمل، وبناء الوعي في الوقت نفسه بأن أفعال الإنسان مسؤولة أمام الله.
ويُطبق إطار مماثل على مشكلة التضليل الرقمي (الأخبار الكاذبة). فقد ربطت الأستاذة الدكتورة ليليك واقع نشر المعلومات بمبدأ "التبيّن"، ثم حثت على الحوار بين القرآن وعلوم الاتصال والثقافة الرقمية. والهدف ليس مجرد استنباط قواعد لعدم نشر معلومات غير موثقة، بل بناء الوعي بأن المرء لا ينشر الأخبار الكاذبة لأنه يدرك مسؤوليته أمام الله.
في هذه النقطة، كما ترى الأستاذة الدكتورة ليليك، لا يتوقف التوحيد عند كونه عقيدة بوحدانية الله. بل يصبح التوحيد مبدأً يربط الإيمان بالعمل، والعبادة بالأخلاق، والتقوى الشخصية بالمسؤولية العامة، وكذلك علاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة. ولذلك، فإن القيم مثل الصدق والأمانة والعدالة والرحمة والمسؤولية البيئية لا يكفي أن تتوقف كـ "فضيلة خاصة" (private virtue)، بل يجب أن تحضر كـ "فضيلة عامة" (public virtue).
تتماشى هذه الأفكار مع المسيرة العلمية للأستاذة الدكتورة ليليك التي كانت منذ صغرها قريبة من تقاليد المعاهد الإسلامية والقرآن. فبعد تلقيها التعليم في مدرسة القرآن الروضة المنورة بمعهد سنن بانداناران، أكملت درجة البكالوريوس في تفسير الحديث في معهد سونان كاليجاغا الإسلامي الحكومي بيوغياكارتا، ثم الماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية / تفسير الحديث في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا.
وهذه المسيرة جمعت بعد ذلك بين التقليد العلمي للتفسير وبين الخبرات الأكاديمية والتدريس والبحث ومشاكل الحياة التي واجهتها. وفي خطابها، ذكرت الأستاذة الدكتورة ليليك أيضاً أن التساؤلات الأكاديمية تنبع غالباً من القلق، وأسئلة الطلاب، ومشاكل المجتمع. وعندما يُعرض هذا القلق على القرآن منهجياً، يمكن أن يتحول إلى تساؤل علمي.
في النهاية، تضع الأستاذة الدكتورة ليليك التفسير ليس كعمل فكري ينتهي بمجرد العثور على معنى الآية. بل الواقع يولد الأسئلة، والقرآن يُقرأ في سياقه، والفهم يشكل الوعي التوحيدي، والوعي يولد الفاعلية الأخلاقية، والعمل يحدث التغيير.
وأكدت قائلة: "التفسير لا يجد معناه الاجتماعي إلا عندما يدخل هذا الفهم إلى واقع الحياة".
وبهذا المعنى، ترى الأستاذة الدكتورة ليليك أن التفسير ليس مجرد مدى فهم الإنسان للقرآن، بل مدى قدرة الإنسان على تقبل معنى التفسير القرآني في حياته وتطبيقه.
شاهدوا تفاصيل وقائع الجلسة العلنية لمجلس الشيوخ الأكاديمي لتنصيب أساتذة الجامعة، عبر القناة الرسمية لجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا على يوتيوب:
