اقتصاد المنصات واقتصاد العمل الحر: من المستفيد؟
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لجمعية أساتذة إندونيسيا
عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي (IAEI)
عضو الجمعية الإندونيسية للاقتصاد (ISEI) فرع جاكرتا
موجّه معهد تطوير الاقتصاد والمالية التابع لمجلس العلماء الإندونيسي (MUI)
في خضم صخب المدن الحديثة، نشهد ظاهرة جديدة بدأت تدريجيًا في تغيير ملامح سوق العمل، وهي ظهور اقتصاد المنصات. من سائقي الدراجات النارية عبر التطبيقات الذين يجوبون الطرقات، إلى سائقي توصيل الطعام الذين يتسابقون مع الوقت، وصولًا إلى العاملين المستقلين رقميًا الذين يعملون من غرف نومهم—كل هذه الأنشطة هي جزء من منظومة كبيرة تُعرف باسم اقتصاد العمل الحر (Gig Economy). هذه الظاهرة لم تعد مجرد اتجاه عابر، بل أصبحت أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، فخلف المرونة والكفاءة التي يُشاد بها كثيرًا، يبرز سؤال جوهري يستحق الطرح: من هو المستفيد الحقيقي من هذا الاقتصاد؟ هل هم العمال الذين يتمتعون بمرونة أكبر؟ أم الشركات التكنولوجية التي تزداد هيمنة؟ أم المستهلكون الذين يحصلون على خدمات رخيصة وسريعة؟
يحاول هذا المقال تحليل هذه الديناميكيات بعمق، من خلال دراسة هيكل الاقتصاد، وتوزيع الأرباح، والآثار طويلة المدى على العدالة الاجتماعية ومستقبل العمل.
خلال العقد الماضي، تطور اقتصاد المنصات من ظاهرة هامشية إلى تيار رئيسي. وتشير البيانات الحديثة إلى أن حجم اقتصاد العمل الحر عالميًا بلغ نحو 2.7 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، مع مشاركة حوالي 1.57 مليار عامل، أي ما يعادل 36% من القوى العاملة العالمية. وهذا يعكس تحولًا كبيرًا في هيكل سوق العمل.
ويرجع هذا النمو إلى عدة عوامل رئيسية. أولها التقدم التكنولوجي الذي سهّل الربط بين العرض والطلب عبر التطبيقات الرقمية. وثانيها تغير تفضيلات العمال، خاصة من الشباب الذين يفضلون المرونة في العمل. وثالثها سعي الشركات إلى تقليل تكاليف العمالة من خلال تجنب التوظيف الرسمي.
كما أن نحو 78% من الشركات العالمية تعتمد على العمالة الحرة كجزء من استراتيجيتها، ما يؤكد أن اقتصاد المنصات ليس مجرد ظاهرة عمالية، بل عنصر أساسي في استراتيجيات الشركات الحديثة.
لكن هذا النمو لا يخلو من التعقيد. فمفهوم اقتصاد العمل الحر واسع، إذ يعتمد بعض العمال عليه كمصدر دخل رئيسي، بينما يستخدمه آخرون كمصدر دخل إضافي. ففي الولايات المتحدة مثلًا، لا يعتمد سوى 10% من العمال عليه كمصدر رئيسي.
غالبًا ما يُروج لاقتصاد العمل الحر بوصفه نموذجًا يمنح الحرية والمرونة، حيث يستطيع العامل اختيار وقت ومكان العمل. لكن هذه المرونة قد تكون في كثير من الأحيان وهمية، إذ يضطر العديد من العمال إلى العمل لساعات أطول لتحقيق دخل كافٍ.
تشير البيانات إلى أن ثلثي العاملين في هذا القطاع يكسبون أقل من 2500 دولار شهريًا، وهو مبلغ منخفض نسبيًا مقارنة بتكاليف المعيشة. كما أظهرت دراسات انخفاض دخل السائقين رغم زيادة ساعات العمل، ما يدل على اشتداد المنافسة بينهم.
لفهم من يستفيد فعليًا، يجب النظر إلى بنية اقتصاد المنصات. فالمنصات تعمل كوسيط بين مقدمي الخدمات والمستهلكين، لكنها تمتلك قوة أكبر بكثير من الوسطاء التقليديين، إذ تتحكم في الخوارزميات، وتحديد الأسعار، وتوزيع المهام، ونظام التقييم.
هذا يخلق عدم توازن في القوة والمعلومات بين العمال والمنصات، حيث لا يعرف العامل غالبًا كيف تُحدد الأجور أو تُوزع الفرص. وتشير الدراسات إلى أن المنصات قد تخفض الأجور إلى أدنى حد ممكن بما يخدم مصالحها.
فيما يتعلق بتوزيع الأرباح، هناك ثلاثة أطراف رئيسية: المنصات، العمال، والمستهلكون. تحقق المنصات أرباحًا من العمولات والبيانات واقتصاد الحجم، دون تحمل تكاليف العمالة التقليدية.
في المقابل، يتحمل العمال معظم المخاطر، مثل تكاليف التشغيل وعدم استقرار الدخل، دون حماية اجتماعية. أما المستهلكون فيستفيدون من خدمات منخفضة التكلفة، لكن هذه الأسعار غالبًا ما تأتي على حساب أجور العمال.
كما تُعد البيانات أحد أهم مصادر الربح للمنصات. فكل تفاعل يُجمع ويُحلل لتحقيق مكاسب اقتصادية. وبذلك، يساهم العمال ليس فقط بجهدهم، بل أيضًا ببياناتهم، دون تعويض عادل، ما يخلق نوعًا جديدًا من عدم المساواة يُعرف بـ"فجوة البيانات".
يساهم هذا الاقتصاد أيضًا في تعميق التفاوت الاجتماعي. ورغم أنه يفتح فرص عمل، إلا أنه يفتقر إلى الاستقرار والحماية، ويحد من فرص التطور المهني. كما توجد فجوة في الأجور بين الجنسين تصل إلى 30%.
أمام هذه التحديات، بدأت الدول في وضع أطر تنظيمية تشمل تصنيف العمال، الحماية الاجتماعية، شفافية الخوارزميات، وتحديد حد أدنى للأجور. كما تؤكد منظمات دولية على ضرورة ضمان "العمل اللائق".
لكن التشريعات غالبًا ما تتأخر عن التطور التكنولوجي. وفي الدول النامية مثل إندونيسيا، يمثل هذا الاقتصاد حلًا للبطالة، لكنه قد يعيد إنتاج القطاع غير الرسمي بشكل جديد.
من المتوقع أن يستمر هذا النمو مستقبلًا، لكن مسألة العدالة ستظل مطروحة. دون تدخل مناسب، قد يؤدي هذا النظام إلى تركّز الثروة في يد عدد قليل من الشركات.
من بين الحلول المطروحة: المنصات التعاونية، أنظمة الحماية الاجتماعية، تنظيم الخوارزميات، وتقاسم عادل لقيمة البيانات.
وبالعودة إلى السؤال الأساسي: من المستفيد الأكبر؟ يبدو أن المنصات الرقمية هي الفائز الأكبر، تليها فئة المستهلكين. أما العمال، فيبقون في موقع هش بين المرونة وعدم الاستقرار.
في النهاية، يعكس اقتصاد العمل الحر تحولًا عميقًا في طبيعة العمل، حيث تعيد التكنولوجيا تشكيله، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديات جديدة تتعلق بالعدالة.
لذلك، يجب ضمان أن لا يقتصر هذا النمو على فئة محدودة، بل يحقق توزيعًا أكثر عدلًا للثروة. وإلا، فإن اقتصاد المنصات لن يكون سوى نسخة حديثة من عدم المساواة القديمة، مغلفة بتكنولوجيا متقدمة، لكنها تحمل مشكلات تقليدية لم تُحل بعد.
