الأستاذ الدكتور أحمد ثعلبي خارلي
أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا وعضو مجلس التعليم العالي
في الآونة الأخيرة، عادت أروقة التعليم العالي لتتصدر مشهد الاهتمام العام. الجدل القائم حول النشر في المجلاّت المفترسة، واستشراء المؤتمرات العلمية الوهمية، وممارسات التلاعب بالاقتباسات، وصولاً إلى أشكال التحرير التجاري للأنشطة الأكاديمية؛ كلها ظواهر باتت تتلاحق متتابعة.
صحيح أن هذه الحوادث قد تبدو تصرفات فردية، لكنها في جوهرها تشير إلى مسألة أكثر عمقاً وأصالة: هل ما زالت الجامعة وفية للروح التي وُلدت من أجلها؟
تمس هذه القضية الحوكمة المؤسسية للجامعات، وتدعونا في الوقت ذاته إلى إعادة النظر في وظيفة الجامعة ضمن حياة الأمة. إن تطور الذكاء الاصطناعي، والتحولات التكنولوجية المتسارعة، والاقتصاد القائم على المعرفة؛ كلها عوامل تؤكد أكثر من أي وقت مضى أهمية صيانة القيم التي تُعد الحجر الأساس للتعليم العالي.
أضحت مؤسسات التعليم العالي اليوم مطالبة بإعداد خريجين منافسين، وزيادة منشوراتها العلمية وابتكاراتها، وتوسيع شبكاتها العالمية، إلى جانب تحسين مواقعها في التصنيفات الدولية المختلفة. كل هذه المطالب مشروعة، غير أن المشكلة تبرز عندما تتحول معايير النجاح هذه من مجرد أدوات وسائليّة إلى غايات بحد ذاتها.
فالجامعة التي نشأت في الأصل كمجتمع علمي للبحث عن الحقيقة، تحولت إلى منظمة مستغرقة في مطاردة مؤشرات الأداء. يُقاس الأستاذ اليوم بعدد مقالاته، وحجم الاقتباسات، والمنح البحثية، ومؤشر (h-index)، والدرجات الأكاديمية؛ بينما يُدفع الطالب للركض وراء معدل التخرج، والشهادات التدريبية، وسرعة إنهاء الدراسة. وتتسابق المؤسسات للحصول على الاعتمادات الممتازة والارتقاء في التصنيفات الدولية.
في ظل هذا الواقع، يطرح سؤال حريٌّ بنا التأمل فيه: هل ما زالت الجامعة تمتلك المساحة الكافية للتفكير، والحوار، وبناء الإنسان؟
منذ نشأتها، لم تكن الجامعة مجرد مؤسسة لتخريج القوى العاملة؛ بل كانت فضاءً للبحث عن الحقيقة (the pursuit of truth)، وموئلاً تنمو فيه المعرفة عبر حرية التفكير، والحوار الفكري، والمسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع. تلك هي روح الجامعة التي تميزها عن أي تنظيم آخر.
تقوم تقاليد الجامعة الحديثة على الإيمان بأن المعرفة لا يمكن أن تزدهر إلا إذا تمتع المجتمع الأكاديمي بحرية التفكير والبحث وإبداء الآراء دون ضغوط من المصالح السياسية أو الاقتصادية (هومبولت، 1810). ومن ثم، فإن استقلالية الجامعة ليست امتيازاً خاصاً، بل هي شرط أساسي لاستمرار رحلة البحث عن الحقيقة.
إن نجاح الجامعة لا ينعكس فقط في أعداد الخريجين، أو براءات الاختراع، أو المنشورات العلمية؛ بل إن الأهم من ذلك هو قدرتها على إنتاج شخصيات أكاديمية جليّة الفكر، رفيعة النزاهة، تسخّر علمها للمصلحة العامة. فالتعليم العالي ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو صياغة للهوية الفكرية والمسؤولية الأخلاقية.
استبداد المعايير الكمية (Tirani Metrik)
لا شك أن القياس أمر ضروري من باب المساءلة والشفافية، فالجامعات تدير موارد عامة ويجب أن تخضع تقييمات أدائها للمراجعة. لكن المشكلة تنشأ عندما تتحول هذه المقاييس إلى هدف نهائي بذاته.
في كتابه "استبداد المعايير" (The Tyranny of Metrics)، يحذر جيري مولر (Jerry Z. Muller, 2018) من أن المؤسسات قد تفقد بوصلتها عندما تعتمد كلياً على المؤشرات الكمية. فالأستاذ يكتب لاستيفاء المستهدفات الرقمية، والبحوث تُختار لسهولة نشرها، والتعاون يُبنى لتحقيق مؤشرات التدويل وليس بالضرورة لإثراء المعرفة.
تذكرنا هذه الظاهرة بـ "قانون جودهارت" (Goodhart's Law)، الذي ينص على أنه عندما يتحول المقاييس إلى هدف، فإنه يفقد كونه مقياساً جيداً (Goodhart, 1975). وفي العالم الأكاديمي، تتجلى آثار ذلك في انحرافات عدة؛ بدءاً من النشر المفترس، والتلاعب بنسب الاقتباس، وصولاً إلى اتساع صناعة المؤتمرات العلمية التي تستهدف الربح التجاري على حساب الجودة الأكاديمية.
وينعكس هذا الأثر جلياً في الحياة الجامعية؛ حيث يستهلك وقت الأستاذ في إعداد التقارير الإدارية، بينما تضيق المساحات المتاحة للقراءة، والنقاش، وتوجيه الطلاب، والتأمل العلمي. مع أن جودة الجامعة الحقيقية غالباً ما تولد من تلك العلاقة بين الأستاذ وتلميذه التي لا تسجلها مؤشرات الأداء أبداً.
تتحمل الجامعة مسؤولية أوسع من مجرد إنتاج الابتكارات؛ فالتعليم العالي يحمل أمانة حماية العقل الجمعي، وغرس التعاطف الاجتماعي، وتخريج مواطنين قادرين على التفكير النقدي. وبدون هذه الأبعاد، قد تخرج الجامعة أفراداً ماهرين، لكنهم ليسوا بالضرورة حكماء (Nussbaum, 2010).
وفي السياق الإندونيسي، يكتسب هذا التأمل أهمية بالغة. إذ لا يمكن للجامعات أن ترفض التغيير؛ فالاستقلالية المؤسسية، والتحول الرقمي، والتدويل، والمساءلة العامة، والمنافسة العالمية كلها واقع لا بد من التعامل معه. غير أن المطلوب هو الحرص على أن تبقى هذه الأدوات وسائل لتعزيز جودة التعليم، لا أن تحل محل جوهر التعليم ذاته.
إن استعادة روح الجامعة لا تعني الدعوة للعودة إلى الماضي أو رفض التحديث، بل تتطلب الشجاعة لإعادة القيم الأكاديمية كبوصلة موجّهة لكل السياسات.
بحيث لا يكون الأستاذ مجرد معلم تلقيني، بل ملهماً؛ ولا تقف البحوث عند حدود المقالات العلمية، بل تقدم حلولاً للمشكلات الوطنية؛ ولا يركض الطالب خلف الشهادة فحسب، بل ينمو ليكون إنساناً حر الفكر، صادق الإنجاز، ومسؤولاً في تصرفاته.
لن تذكر التاريخ الجامعات بكثرة تقارير أدائها أو بتبوئها مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية، بل ستذكرها بأفكارها، وشجاعة أكاديمييها في الدفاع عن الحقيقة، وإسهاماتها في تقدم الحضارة الإنسانية.