اختبار تفاؤل بوربايا بشأن الاقتصاد الإندونيسي
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية، جاكرتا
الأمين العام لرابطة المحاضرين الإندونيسيين (DPP)
مدير فرع جاكرتا لمعهد التعليم الإندونيسي (ISEI)
مدير مجلس العلماء الإندونيسي (LPEU)
جدلُ مستقبلِ الاقتصادِ الإندونيسي عاد إلى الواجهة عندما انتقد وزيرُ المالية بوربايا يودهي ساديوا بشكلٍ علني توقعاتِ البنك الدولي التي قدّرت نموَّ الاقتصاد الإندونيسي بنسبة 4,7 بالمئة فقط في عام 2026 وقد جاء هذا الانتقاد مصحوبًا بتصريحٍ حاد إذ طُلب من البنك الدولي أن يعتذر إذا ثبت خطأ توقعاته للوهلة الأولى يبدو هذا النقاش تقنيًا حول الأرقام غير أنه عند التعمق يتبيّن أنه يعكس أمرًا أكبر يتمثل في صراعٍ بين رؤيتين لقراءة الاقتصاد حيث تميل السردية العالمية إلى الحذر بينما تتسم السردية المحلية بقدرٍ أكبر من التفاؤل
يسعى هذا المقال إلى قراءة هذا الجدل بصورة أوسع وأكثر نقدية وسياقية كما يربطه بظاهرةٍ إندونيسية خاصة غالبًا ما تغيب عن نماذج الاقتصاد العالمي وهي ظاهرة العودة إلى القرى في موسم العيد إذ تُعد هذه الظاهرة حدثًا اجتماعيًا له تأثير اقتصادي غير يسير
في تقريره الأخير خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الإندونيسي إلى 4,7 بالمئة لعام 2026 وقد استند هذا الانخفاض إلى ضغوط خارجية متعددة أبرزها ارتفاع أسعار النفط العالمية وتزايد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي
غير أن بوربايا يرى أن هذه التوقعات ليست خاطئة تقنيًا فحسب بل خطيرة نفسيًا أيضًا إذ يعتبرها متشائمة أكثر من اللازم وقد تسهم في خلق مشاعر سلبية تجاه الاقتصاد الإندونيسي كما أكد أن البيانات المحلية تشير إلى وضعٍ أفضل بكثير حيث توقع أن يصل نمو الاقتصاد في الربع الأول من عام 2026 إلى نحو 5,5 إلى 5,6 بالمئة وإذا صحّ هذا الرقم فإن فرضية التباطؤ الحاد التي اعتمدها البنك الدولي تصبح محل تساؤل
وهنا يتضح أن الأرقام الاقتصادية ليست مجرد بيانات بل هي سرديات تشكّل التوقعات وتؤثر في السلوك وقد تصنع الواقع نفسه
إن الاختلاف بين البنك الدولي والحكومة الإندونيسية يعكس في الحقيقة منهجين مختلفين في قراءة الاقتصاد الأول هو المنهج العالمي الذي ينظر إلى إندونيسيا بوصفها جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي المتأثر بشدة بالعوامل الخارجية مثل أسعار النفط والصراعات الجيوسياسية وتدفقات رأس المال وهذا المنهج صحيح إلى حد كبير لأن العوامل الخارجية كثيرًا ما تكون حاسمة بالنسبة للدول النامية
أما المنهج الثاني الذي يمثله بوربايا فيركّز على القوة الداخلية ففي هذا الإطار لا يتحدد الاقتصاد الإندونيسي بالعوامل العالمية فقط بل أيضًا بالديناميكيات الداخلية مثل استهلاك الأسر والاستثمار المحلي والسياسات المالية وتمتلك إندونيسيا خصائص فريدة منها سوق محلية كبيرة وبنية اقتصادية متنوعة نسبيًا وقدرة قوية على تحمّل الاستهلاك
واللافت أن هذه الظاهرة كثيرًا ما لا تنعكس بشكل كامل في النماذج الاقتصادية العالمية التي تركّز على المؤشرات الكلية فإذا نظرنا بعمق يمكن فهم العودة إلى القرى في موسم العيد بوصفها شكلًا من أشكال التحفيز الاقتصادي الفريد فهي تختلف عن التحفيز المالي الحكومي لأنها تحدث بشكل طبيعي مدفوعة بعوامل اجتماعية وثقافية لكنها تنتج آثارًا اقتصادية ملموسة
في ظل حالة عدم اليقين العالمية يمكن لهذه الظاهرة أن تدعم النمو الاقتصادي المحلي إذ يرتفع استهلاك الأسر بشكل ملحوظ ويشهد قطاع النقل والخدمات اللوجستية زيادة في الطلب كما تحصل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المناطق على دخل إضافي ومن منظور اقتصادي يخلق ذلك أثرًا مضاعفًا مهمًا حيث تعود الأموال المتداولة في المناطق لتنشيط مختلف القطاعات المحلية
وفي هذا السياق قد يكون تفاؤل بوربايا قائمًا على أساسٍ قوي يتمثل في إيمانه بأن الاقتصاد الإندونيسي يمتلك مصادر نمو داخلية لا تعتمد كليًا على الظروف العالمية ويكشف هذا الجدل في النهاية عن محدودية النماذج الاقتصادية العالمية في قراءة الواقع المحلي إذ تميل تلك النماذج إلى الاعتماد على المقاربات الكلية والمتغيرات الخارجية في حين يتميز الاقتصاد الإندونيسي بسيطرة القطاع غير الرسمي ودور كبير للاستهلاك المحلي وتأثير قوي للعوامل الاجتماعية والثقافية
وتُعد ظاهرة العودة إلى القرى مثالًا واضحًا على متغير يصعب نمذجته لكنه ذو تأثير كبير وبدلًا من وضع الرؤيتين العالمية والمحلية في مواجهة فإن النهج الأكثر فاعلية هو دمجهما ويمكن اتخاذ عدة خطوات لتحسين دقة التحليل منها تعزيز البيانات المحلية ودمج المتغيرات الاجتماعية مثل هذه الظاهرة في التحليل الاقتصادي وتحسين التواصل في السياسات العامة لتجنب إثارة ذعر الأسواق مع الاعتراف بالمخاطر العالمية دون إغفال نقاط القوة المحلية
تُظهر قضية انتقاد بوربايا للبنك الدولي أن الاقتصاد ليس مجرد أرقام بل هو أيضًا كيفية تفسير تلك الأرقام فمن جهة هناك حذر عالمي قائم على المخاطر الخارجية ومن جهة أخرى تفاؤل محلي قائم على القوة الداخلية وكلاهما يحمل جانبًا من الحقيقة غير أن هناك واقعًا غالبًا ما يُغفل وهو النشاط الاقتصادي اليومي للمجتمع من الأسواق التقليدية إلى حركة العودة إلى القرى التي تحرك اقتصاد المناطق
وفي النهاية فإن الاقتصاد ليس فقط ما يُتوقع بل ما يحدث فعليًا
نُشرت هذه المقالة في عمود الرأي بصحيفة كومباس يوم الاثنين (13 أبريل/نيسان 2026).
الوسوم: أستاذ في جامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية
