جِيلٌ بِلَا مَسَاحَةٍ هَادِئَةٍ
تانتان هيرمانشاه
(أستاذ علم الاجتماع الحضري بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
إذا نظرنا بعناية، فإن لكل عصر كلمته المفتاحية الخاصة. فالمجتمع الزراعي تشكل وفقًا لإيقاع الفصول التي تتطلب الصبر. والمجتمع الصناعي نما وتطور مع الآلات، وانضباط الوقت، ومنطق الإنتاج. في حين يبدو أن المجتمع الرقمي يتشكل اليوم بناءً على قيمة واحدة لا تنفك تُقدَّس، ألا وهي: "السرعة".
في يومنا هذا، يتحرك كل شيء تقريبًا بسرعة فائقة. فإذا أردت السفر، يمكنك استدعاء وسائل النقل في غضون دقائق معدودة. وإذا شعرت بالجوع أو العطش ولم تكن قادرًا على الطهي، فما عليك إلا النقر على الشاشة لطلب الطعام دون الحاجة لمغادرة المنزل.
حتى المعلومات، أصبحت تظهر قبل أن تتاح لنا فرصة البحث عنها. وبذلك، غالبًا ما تتوفر الإجابات قبل أن تنضج الأسئلة في عقولنا. ومع ذلك، فإن هذا هو تحديدًا مكمن المشكلة ومصدرها.
فمن ناحية، يُعد هذا تقدمًا استثنائيًا ومذهلاً؛ حيث نجح الإنسان في طي المسافات، واختزال الوقت، وتجاوز العقبات المختلفة التي كانت تُعتبر في الماضي جزءًا طبيعيًا من الحياة. ولكن خلف كل هذه التسهيلات، هناك شيء يختفي ببطء ودون أن نشعر به كثيرًا: المساحة الهادئة للتفكير.
والأمر هنا لا يتعلق بمجرد التكنولوجيا؛ لأن ما يتغير في الحقيقة هو أسلوب حياتنا. لقد أصبحنا معتادين بشكل متزايد على تقييم كل شيء بناءً على سرعة إنجازه، وليس على عمق المعنى الذي ينتجه. غدت السرعة هي مقياس النجاح، في حين يُنظر إلى "العملية والمراحل" غالبًا كعقبة يجب التخلص منها فورًا.
بالرغم من ذلك، إذا التفتنا إلى تاريخ الحضارة الإنسانية، فلن نجد أي فكرة عظمى ولدت من العجلة والارتجال. فالأفكار والمعرفة تنمو من خلال عملية طويلة؛ تبدأ من الفرضية، ثم الأطروحة، تليها الأطروحة المضادة، وهكذا دواليك. والابتكار يولد من رحم التجارب المتكررة، بما في ذلك الإخفاقات التي تصاحبها. وحتى الحكمة لا تظهر فجأة بشكل فوري، بل تولد عندما يكون المرء مستعدًا للتوقف برهة، وأخذ مسافة، ثم التأمل في ما يواجهه.
وعلى سبيل التذكير فقط، في عام 2011، وخلال نزاع قانوني، اتهمت شركة "آبل" شركة "سامسونج" بنسخ تصميم وميزات تكنولوجيا هواتف "آيفون". والمثير للاهتمام أن شركة "آبل" أوضحت حينها كيف أن فريقها قضى وقتًا طويلاً جدًا لإنتاج تصميم واحد، بينما قامت "سامسونج" بنسخه ببساطة على الرغم من وجود بعض الاختلافات الطفيفة.
والدرس المستفاد هنا هو أن منتجات حضارة "آبل" التي نستمتع بها اليوم لم تولد من فعل عابر ولحظي. ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أنه عندما تتوفر المعلومات بكميات لا حصر لها تقريبًا، فإن قدرتنا على معالجتها واستيعابها لا تزداد بالضرورة تتبعًا لذلك.
إننا نعرف أشياء كثيرة، ولكننا لا نفهمها دائمًا. نحن متصلون بعدد هائل من البشر، لكننا نادراً ما ننخرط في محادثات عميقة وجادة. تتدفق علينا المحتويات يوميًا بكثافة، لكننا غالبًا ما نجد صعوبة في العثور على فكرة جديدة تمامًا.
وقد أطلق عالم الاجتماع الألماني، هارتموت روزا، على هذه الظاهرة اسم "السرعة الاجتماعية المؤزرة" أو (التسارع الاجتماعي). ففي المجتمع الحديث، تُدفع جميع المؤسسات تقريبًا للتحرك بشكل أسرع: الاقتصاد، التعليم، وسائل الاتصال، وحتى الحياة الشخصية.
ونتيجة لذلك، وكما نجد كثيرًا اليوم، يواجه الإنسان صعوبة متزايدة في بناء علاقة عميقة مع عمله، وبيئته، والمعرفة التي يتلقاها، بل وحتى مع نفسه.
وتدريجيًا، إذا تعمقنا في الأمر، سنجد أن ما يتغير ليس السلوك الفردي فحسب، بل طريقة التفكير برمتها. نحن نعيش في نظام بيئي رقمي يتنافس باستمرار على جذب انتباهنا. لقد صُممت الخوارزميات بحيث لا تتوقف أعيننا عن الحركة؛ محتوى يتلوه محتوى آخر، ومقطع فيديو يتبعه آخر، وإشعار يحل محل إشعار سابق.
وفي مثل هذا الوضع، يبدو أن التقدير لا يُمنح للقدرة على التأمل والتفكير، بل لإجبار النفس على مواصلة الاستجابة والرد. ونتيجة لذلك، يظهر جيل ينشأ في غمرة فيض المعلومات، لكنه لا يملك المساحة الكافية لهضمها وترسيخها.
لقد اعتادوا على الحصول على الإجابات بسرعة، لكنهم نادراً ما يمرون برحلة البحث الطويلة. يعرِفون النتيجة النهائية، لكنهم لا يفهمون دائمًا المسار والرحلة التي أنتجت تلك النتيجة.
وقد بدأت هذه الأعراض تظهر بوضوح في عالم التعليم؛ حيث يمكن إنجاز المهام المختلفة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ويمكن إعداد العروض التقديمية في غضون دقائق، وتتوفر ملخصات الكتب بنقرات قليلة. كل هذا فعال ومثمر بلا شك، ولا ضير في الكفاءة والفعالية.
ولكن التهديد يبرز هنا، عندما تحل هذه "الكفاءة" محل عملية التعلم نفسها. فعندما تستحوذ التكنولوجيا على جل العمل الفكري، يصبح هناك خطر من أن يفقد الإنسان تدريجيًا فرصة تدريب مهاراته العقلية والتفكيرية.
وليس السبب في ذلك أن التكنولوجيا سيئة، بل لأننا نتسرع في التخلي عن العمليات والمراحل التي ينبغي أن تظل ميدانًا لتدريب العقل البشري. وإذا كان الأمر كذلك، فإن المشكلة الرئيسية اليوم ليست التكنولوجيا؛ فالتكنولوجيا مجرد أداة، والمحدد الأساسي هو كيفية استخدام الإنسان لها. وعندما تتحول الأداة المساعدة إلى بديل للقدرة على التفكير، فهناك تبدأ المشكلة الحقيقية.
إن الحضارة لا يبنيها أولئك الذين يجدون الإجابات بأسرع وقت، بل يبنيها أولئك القادرون على طرح الأسئلة المهمة، والجوهرية، والعميقة التي تلامس القضايا الإنسانية الكبرى. إنها تنمو من تقاليد القراءة الدؤوبة، والبحوث الطويلة، والحوار المفتوح، والشجاعة في التشكيك في الأمور التي تُعتبر بديهية وعادية.
لذا، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع الرقمي ليس ابتكار تكنولوجيا أكثر تقدمًا وتعقيدًا؛ فالمؤكد أننا سنستمر في النجاح في ذلك. بل إن التحدي الأصعب بكثير هو ضمان احتفاظ الإنسان بقدرته على التفكير وسط هذا التقدم التكنولوجي الهائل.
يحتاج التعليم إلى إعادة إعطاء مساحة للعملية والمراحل، وليس للنتائج فقط. ولا ينبغي أن يُفهم الوعي القرائي (المعرفة) على أنه مجرد القدرة على الوصول إلى المعلومات، بل هو القدرة على الفهم، والنقد، واستخلاص المعنى. كما يحتاج الفضاء الاجتماعي إلى إحياء تقاليد الحوار الصحي، بدلاً من مجرد تبادل الآراء السريع والسطحي. وهذا ما نسميه بالتعليم الهادف والعميق.
ربما، في وسط عالم يركض دون توقف أو هدوء، تصبح القدرة على التوقف برهة هي أثمن أشكال الذكاء على الإطلاق. لأن الإنسان في نهاية المطاف لا يُذكر بمدى سرعة استجابته للأشياء، وإنما يُذكر بعمق تفكيره، وطريقة تعامله مع الحياة، ورحابة أفقه، والحكمة النابعة من التأمل والتدبر.
بناءً على ذلك، فإن السؤال الذي يستحق منا التأمل اليوم ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستصبح أكثر تقدمًا، فهذا أمر حتمي الوقوع تقريبًا. بل السؤال الأهم هو: عندما يتحرك العالم بسرعة أكبر، هل ما زلنا نوفر مساحة هادئة وكافية للتفكير، والتأمل، وفهم معنى الحياة التي نعيشها؟
نُشر هذا المقال في عمود الرأي بجريدة "كومباس" (Kompas) يوم الاثنين (22/6/2026).