وجبات غذائية مجانية ونظام تمويل اجتماعي متوافق مع الشريعة الإسلامية
Program الوجبات الغذائية المجانية المتوازنة (MBG) يُعدّ أحد البرامج ذات الأولوية في المرحلة الحالية. هذا البرنامج لا يتحدث فقط عن الطعام الذي يُقدَّم على موائد طلاب المدارس، بل يرتبط بجودة الموارد البشرية، ومستقبل الأجيال، واتجاه التنمية الوطنية. وقد أكدت الحكومة في عدة مناسبات أن هذا البرنامج يمثل استثمارًا طويل الأمد، وليس مجرد إنفاق اجتماعي استهلاكي.
وفي سياق عرض برامج وزارة الشؤون الدينية للأعوام 2025–2029 في جاكرتا، طُرحت فكرة ضرورة تعظيم إمكانات الزكاة والوقف الوطنيين لدعم برنامج الوجبات المجانية. وقد فتح هذا الطرح مجالًا واسعًا للنقاش: هل يمكن لأدوات التمويل الاجتماعي الإسلامي، مثل الزكاة والإنفاق والصدقة والوقف (ZISWAF)، أن تشارك في دعم هذا البرنامج؟
هذا السؤال ليس بسيطًا، لأنه يمسّ مجالات السياسة العامة، وإدارة المالية العامة، إضافة إلى المجال الفقهي الذي تحكمه ضوابط شرعية واضحة، خاصة ما يتعلق بالأصناف الثمانية المستحقين للزكاة. وهنا تكمن حساسية النقاش وأهميته في آنٍ واحد.
من الناحية المفاهيمية، صُمم برنامج MBG استجابةً لمشكلة سوء التغذية المزمن والتقزم وعدم تكافؤ الوصول إلى الغذاء الصحي. وتشير البيانات والإحصاءات الصحية إلى أن نقص التغذية والتقزم ما يزالان تحديين حقيقيين، رغم تحسن المؤشرات في السنوات الأخيرة. ويهدف البرنامج إلى ضمان حصول طلاب المدارس، خصوصًا من الأسر الهشة، على تغذية كافية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الطفل السليم غذائيًا يكون أكثر قدرة على التعلم وأكثر إنتاجية في المستقبل.
غير أن السؤال الجوهري يكمن في التمويل. فمع احتمال استفادة عشرات الملايين من الأطفال، يحتاج البرنامج إلى ميزانية ضخمة ومستدامة. ومن هنا ظهرت فكرة الاستفادة من إمكانات التمويل الاجتماعي الإسلامي.
إندونيسيا تمتلك إمكانات كبيرة في مجال الزكاة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن إمكاناتها السنوية قد تتجاوز 300 تريليون روبية، رغم أن التحصيل الفعلي أقل بكثير من هذا الرقم. وقد شهدت الأعوام الأخيرة زيادة في جمع أموال الزكاة، ما يدل على ارتفاع وعي المجتمع بأهميتها الاجتماعية.
لكن من الناحية الفقهية، الزكاة ليست مجرد أداة مالية بديلة، بل هي عبادة مالية ذات ضوابط محددة. فقد حدد القرآن الكريم في سورة التوبة (الآية 60) ثمانية أصناف لمستحقي الزكاة: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل.
والسؤال هنا: هل يندرج برنامج الوجبات المجانية ضمن أحد هذه الأصناف؟ إذا كان البرنامج يُقدَّم لجميع الطلاب دون تمييز، فإن ذلك يعني أن بعض المستفيدين قد لا يكونون من الفقراء أو المساكين، ما يثير إشكالًا فقهيًا في حال استخدام أموال الزكاة لتمويل البرنامج بشكل شامل. فالأصل أن الزكاة لا تُصرف إلا لمن تنطبق عليهم شروط الاستحقاق الشرعي.
كما أن هناك بُعدًا إداريًا وحوكميًا ينبغي النظر إليه. فإذا استُخدمت أموال الزكاة لتمويل برنامج حكومي يُفترض أن يُغطّى من الميزانية العامة للدولة، فقد يؤدي ذلك إلى نقل عبء المسؤولية من الدولة إلى المجتمع، وهو ما يثير تساؤلات أخلاقية ومؤسسية. فالزكاة ليست بديلًا عن الضرائب، ولها مقاصد خاصة تتعلق بإعادة توزيع الثروة وتمكين المستحقين من الخروج من دائرة الفقر.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامي لا يمكن أن تسهم مطلقًا. بل يمكن إشراكها بطريقة منضبطة شرعًا وأكثر إبداعًا. فبدلًا من تمويل الاستهلاك المباشر، يمكن توجيه الزكاة إلى تمكين الفقراء المنتجين، مثل دعم المزارعين أو الصيادين أو صغار المربين من المستحقين للزكاة ليكونوا جزءًا من سلسلة الإمداد الغذائي للبرنامج. وبهذا تُصرف الزكاة في مصارفها الشرعية، وفي الوقت نفسه تدعم المنظومة الغذائية الوطنية.
أما الوقف، فيتميز بمرونة أوسع، إذ يمكن استخدامه لبناء البنية التحتية الداعمة للبرنامج، مثل الأراضي الزراعية أو المطابخ المجتمعية أو مراكز التخزين والتوزيع. وإذا أُدير الوقف بطريقة احترافية، يمكن أن يشكل مصدر تمويل مستدام طويل الأمد.
وعليه، فإن جوهر المسألة لا يكمن في جواز مشاركة ZISWAF من عدمه، بل في كيفية تصميم هذه المشاركة. فإذا وُضعت ضمن إطار تمكين اقتصادي منتج ومتوافق مع الضوابط الشرعية، فإنها ستكون خطوة استراتيجية ومشروعة. أما إذا استُخدمت لسد العجز المالي أو لتمويل استهلاك عام غير منضبط، فقد تثير إشكالات فقهية وإدارية خطيرة.
في النهاية، الهدف ليس فقط إطعام الأطفال اليوم، بل بناء نظام مستدام يمكّن المجتمع من تأمين غذائه بنفسه في المستقبل. ومن هنا يجب أن يتحاور الفقه والسياسة العامة تكاملًا لا تصادمًا، حتى تتحقق مقاصد الشريعة وأهداف التنمية معًا.
نُشِرَ هذا المقال في قناة CNBC إندونيسيا يوم الأربعاء، 25 فبراير 2026.
