مشروع قانون النظام الوطني للتعليم والمسار نحو مجتمع التعلم

مشروع قانون النظام الوطني للتعليم والمسار نحو مجتمع التعلم

أ. د. أحمد طلابي
نائب رئيس جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بباكارتا للشؤون الأكاديمية

جاكرتا – يدخل التعليم اليوم عصراً جديداً؛ حيث يغير الذكاء الاصطناعي طريقة عمل البشر، ويولد الاقتصاد الرقمي مهناً لم تكن معروفة من قبل، وتتطور المعرفة في غضون أشهر معدودة. ووفقاً لتشخيص "تقرير مستقبل الوظائف 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يُتوقع أن يتغير نحو 39% من المهارات الأساسية في سوق العمل قبل عام 2030. وتؤشر هذه التغيرات على ميلاد عصر لم يعد فيه التعلم يقتصر على مرحلة واحدة من الحياة، بل أضحى حاجة مستمرة مدى الحياة.

وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو هذا المسار، تناقش إندونيسيا مشروع قانون النظام التعليمي الوطني (RUU Sisdiknas). ويُعد تجميع وتدوين قانون النظام التعليمي الوطني، وقانون التعليم العالي، وقانون المعلمين والمحاضرين خطوة هامة في تحديث التشريعات التعليمية. ويتطلع الرأي العام بالطبع إلى أن يقدم هذا التشريع الجديد توجيهاً قادرًا على الاستجابة لتحديات المستقبل.

وتظهر قراءة مسودة مشروع القانون بناءً تشريعياً شاملاً للغاية؛ حيث حظيت الأحكام المتعلقة بالمعايير الوطنية للتعليم، والحوكمة، والتنظيم المؤسسي، وضمان الجودة، والاعتماد الأكاديمي، والتوجيه، وصولاً إلى توزيع الصلاحيات، باهتمام واسع. وكلها تؤدي وظائف حيوية في بناء نظام تعليمي منظم ومسؤول.

ومع ذلك، هناك سؤال جدير بالطرح: أين موقع "الحق في التعلم" باعتباره الفكرة المحورية التي تربط بين أركان هذا البناء بأكمله؟

يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة لأن تحديات التعليم في إندونيسيا اليوم قد تحولت؛ فلم تعد المسألة تقتصر على مجرد فرصة الالتحاق بالمدارس أو الجامعات، بل إن القضية الأكثر حسماً باتت تتمثل في قدرة كل مواطن على مواصلة الحصول على فرص التعلم في كل مرحلة من مراحل حياته.

نحو "الحق في التعلم"

على مدى عقود من الزمن، ركز تطوير التعليم في مختلف الدول على تحقيق "الحق في التعليم" (the right to education). وكانت المعايير تقاس بسهولة من خلال نسب الالتحاق بالمدارس، وعدد المؤسسات التعليمية، وتوفر المعلمين، وفرص الوصول إلى التعليم العالي. وقد حققت إندونيسيا إنجازات ملموسة في هذه المؤشرات.

تظهر بيانات هيئة الإحصاء المركزية (2024) أن متوسط سنوات الدراسة لسكان إندونيسيا بلغ 9.22 سنة، بينما استمر المتوقع لسنوات الدراسة في الارتفاع لليقترب من 14 سنة. وترافق هذا الإنجاز مع اتساع نطاق وصول المجتمع إلى الخدمات التعليمية. ومع ذلك، تبين أن هذا التقدم في الشمول لم يعد كافياً للاستجابة لمقتضيات العصر.

وفي هذا السياق، ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها "نظرة على التعليم 2024" أن نجاح التعليم في القرن الحادي والعشرين بات يتحدد بشكل متزايد بقدرة أفراد المجتمع على تحديث مهاراتهم طوال حياتهم. فالتعليم يُنظر إليه كعملية مستمرة تتواكب مع التغيرات التكنولوجية والاقتصادية والديناميكيات الاجتماعية. بل إن منظمة اليونسكو، من خلال تقريرها "إعادة تصور مستقبلنا معاً" (2021)، اقترحت إيجاد "مجتمع التعلم" (learning society)؛ وهو المجتمع الذي يجعل من التعلم ثقافة مشتركة، وليس مجرد نشاط ينتهي بنيل الشهادة.

لقد تطور هذا المنظور من فهم مفاده أن "الحق في الحصول على التعليم" هو المدخل نحو حق أوسع وأشمل، وهو "الحق في استمرار التعلم".

ولجلس هذا الفكر مرتكزات علمية متينة؛ فقد أوضح الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، غاري بيكر، في كتابه "الرأس المال البشري" (1993)، أن التعليم استثمار يواصل تحقيق القيمة طوال حياة الفرد، وهو استثمار يتطلب تحديث الكفاءات بشكل مستمر.

ومن جانبه، نبه جون ديوي منذ بدايات القرن العشرين إلى أن التعليم هو عملية الحياة ذاتها، وليس مجرد إعداد للحياة. وتزداد فكرة ديوي ملاءمة اليوم عندما تصبح التغيرات أسرع بكثير من العمر الافتراضي لأي منهج دراسي.

وتواجه إندونيسيا التغيرات ذاتها؛ حيث تعيد التحولات الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي تشكيل كفاءات سوق العمل. وتولد العديد من المهن الجديدة، بينما تتطوّر بعض المهن القديمة بسرعة فائقة. ويقف قطاع التعليم أمام تحدي إعداد مواطنين قادرين على إعادة التعلم، والتكيف، وتحديث معارفهم مدى الحياة.

ويمتلك مشروع قانون النظام التعليمي الوطني فرصة كبيرة لمواجهة هذه التحديات من خلال تحول جذري في المنظور الفكري.

المجتمع المتعلم

تعكس مسودة مشروع القانون اهتماماً كبيراً بالجوانب المؤسسية والحوكمة التعليمية، وهو خيار مفهوم لأن النظام التعليمي يحتاج بالفعل إلى قاعدة إدارية صلبة. ولكن في الوقت نفسه، تحتاج إندونيسيا إلى خطوة أبعد، وهي جعل "الحق في التعلم" بمثابة الروح التي تحرك النظام التعليمي الوطني بأكمله.

إن "الحق في التعلم" يحمل معنى أوسع من "الحق في الالتحاق بالمدارس"؛ فهو يشمل فرصة اكتساب كفاءات جديدة في كل مرحلة عمرية، والاعتراف بالخبرات التعليمية المكتسبة خارج أطر التعليم الرسمي، والتعلم عابر التخصصات، وتطوير المهارات الرقمية، وإتاحة مرونة أكبر للوصول إلى التعليم المتقدم. وقد اتجهت دول عديدة نحو هذا المسار من خلال سياسات التعلم مدى الحياة (lifelong learning)، والشهادات المصغرة (microcredential)، والاعتراف بالتعلم السابق (recognition of prior learning).

ومن خلال "بوصلة التعلم 2030"، وضعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية القدرة على التعلم، واستشراف التغيرات، وابتكار قيم جديدة ككفاءات رئيسية للقرن الحادي والعشرين. فالتعليم يُفهم كعملية تتطور باستمرار جنباً إلى جنب مع مسيرة حياة الإنسان. و his الرؤية تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة التي تجعل التعلم مدى الحياة جزءاً من الحقوق الأساسية لكل مواطن.

وهذه النظرة تتناغم بقوة مع أفكار المفكر التربوي هـ. أ. ر. تيلار؛ حيث أكد في كتابه "التغير الاجتماعي والتعليم" (2002) أن التعليم هو عملية تثقيف تتيح للإنسان تطوير ذاته باستمرار، ويمنح المجتمع مساحة للتكيف مع التغيرات دون فقدان قيمه الإنسانية.

وهذا التوجه يحمل أهمية استراتيجية لإندونيسيا؛ إذ ستصل العائدات الديموغرافية إلى ذروتها خلال السنوات القادمة. وإن النجاح في استغلال هذه الفرصة يتوقف إلى حد كبير على قدرة المجتمع على تحديث كفاءاته بشكل مستدام، بحيث يصبح التعليم بيئة حية متصلة بتطورات العلوم والتكنولوجيا وعالم الأعمال واحتياجات المجتمع.

يمكن لمشروع قانون النظام التعليمي الوطني أن يكون دافعاً لتعزيز هذا التوجه؛ فالاعتراف الأوضح بالتعلم مدى الحياة، وتطوير مسارات تعلم أكثر مرونة، وتعزيز الربط بين التعليم والتحول الاقتصادي، وإتاحة مساحة أكبر للابتكار التعليمي، كلها أمور ستغني مضمون هذا التشريع، وستقرب النظام التعليمي الإندونيسي من التطورات الفكرية التربوية العالمية.

تقدم المادة 31 من دستور عام 1945 أساساً معيارياً متيناً؛ فالحق في الحصول على التعليم هو في جوهره سعي من الدولة لإعلاء الكرامة الإنسانية عبر تنمية المعرفة. وتكتمل معالم هذا التكليف الدستوري عندما تتاح لكل مواطن الفرصة لمواصلة التعلم طوال حياته.

إن تدوين وتوحيد القوانين التعليمية الثلاثة يُعد فرصة نادرة، وهي فرصة جديرة بالاستغلال لتحديث نظرتنا للتعليم. فالقوانين الجيدة هي التي تخاطب المستقبل دائماً، وتعد جيلاً قادرًا على مواجهة التغيرات، وإنتاج معارف جديدة، والحفاظ على التنافسية الوطنية وسط عالم يتحرك بسرعة فائقة.

كتب باولو فريري (1970) ذات يوم أن التعليم يمنح الإنسان إمكانية "الاستمرار في التكون والصيرورة". وتكسب هذه الفكرة ملاءمة بالغة لإندونيسيا اليوم؛ حيث إن معيار نجاح مشروع قانون النظام التعليمي الوطني سيظهر جلياً عندما يمتلك كل مواطن مساحة واسعة للنمو المستمر، وتحديث المعرفة، واستكشاف فرص جديدة طوال حياته.

وهناك، يجد "الحق في التعلم" معناه الحقيقي، ليغدو الفتح والأساس لإندونيسيا كـ "أمة متعلمة".