مشروع قانون النظام التعليمي الوطني والنموذج الجديد للتعليم

مشروع قانون النظام التعليمي الوطني والنموذج الجديد للتعليم

الأستاذ الدكتور أحمد تولابي خارلي، الحاصل على البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه في القانون
أستاذ الفقه الإسلامي بكلية الشريعة والقانون، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا (UIN Jakarta)

يمر مشروع قانون نظام التعليم الوطني (RUU Sisdiknas) بمرحلة حاسمة. إن تدوين وتوحيد القانون رقم 20 لسنة 2003 بشأن نظام التعليم الوطني، والقانون رقم 12 لسنة 2012 بشأن التعليم العالي، والقانون رقم 14 لسنة 2005 بشأن المعلمين والمحاضرين، يُعد عملاً تشريعياً بالغ الأهمية. وستشكل هذه اللوائح الجديدة الأساس الذي تقوم عليه إدارة التعليم في إندونيسيا لعشرات السنين القادمة.

وتبرز هنا تطلعات الرأي العام؛ إذ يُعول على مشروع القانون إحداث قفزة فكرية قادرة على الاستجابة للتحولات الكبرى في حياة المجتمع. فقد أدت ثورة الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وتغير الهياكل الوظيفية، وظهور أشكال جديدة للتعلم، إلى إعادة تشكيل مفهوم التعليم. فلم يعد الرهان في العصر الحالي مقتصراً على مجرد إتاحة الالتحاق بالمدارس أو الجامعات، بل تجاوز ذلك ليتمثل في قدرة كل مواطن على مواصلة التعلم مدى الحياة.

وهنا تكمن القضية التي تستحق الاهتمام. فقراءة مسودة مشروع القانون تُظهر اهتماماً كبيراً بحوكمة التعليم، والمؤسساتية، والمعايير الوطنية، وضمان الجودة، والاعتماد، والترخيص، والتوجيه، وتوزيع الصلاحيات. ولا شك أن كل هذه الجوانب بالغة الأهمية. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين موقع "الحق في التعلم" (the right to learn) بوصفه التوجه الرئيسي لنظام التعليم الوطني؟

نحو الحق في التعلم

لعشرات السنين، ركزت تنمية قطاع التعليم في مختلف البلدان على تلبية "الحق في التعليم" (the right to education). وكانت معاييره واضحة نسبياً وتتمثل في: ارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس، وزيادة الفصول الدراسية، وتوفر المعلمين، وتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم العالي. وقد نجحت إندونيسيا في تسجيل تقدم ملموس في هذا الجانب.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء (BPS) إلى أن متوسط سنوات الدراسة لسكان إندونيسيا قد ارتفع ليبلغ حوالي 9.22 سنة في عام 2024، وهو معدل أعلى بكثير مما كان عليه قبل عقدين من الزمن. كما أن العمر المتوقع للدراسة في تزايد مستمر، مما يعكس اتساع نطاق وصول المجتمع إلى التعليم.

غير أن التحولات العالمية فرضت تحديات جديدة. فالتعليم لم يعد يتوقف بمجرد تخرج الفرد من المدرسة أو الجامعة. إذ يتقدم التطور العلمي والتكنولوجي بوتيرة أسرع بكثير من دورة التعليم الرسمي، والمهارات المطلوبة اليوم قد تتغير بشكل جذري خلال السنوات القليلة القادمة.

ويتوقع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، "مستقبل الوظائف 2025" (Future of Jobs Report 2025)، أن تتغير نحو 39% من المهارات الأساسية في سوق العمل قبل عام 2030 نتيجة للتطور التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والتحولات الصناعية. وتدفع هذه المتغيرات إلى حاجة ماسة لإعادة التأهيل (reskilling) وصقل المهارات (upskilling) مدى الحياة.

بل إن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) اقترحت في تقريرها "إعادة تصور مستقبلنا معاً" (Reimagining Our Futures Together) الصادر عام 2021 إحداث تغيير في النظرة إلى التعليم. بحيث يُفهم التعليم على أنه الأساس لظهور "مجتمع التعلم" (learning society)، وهو المجتمع الذي يواصل فيه أفراده التعلم طوال حياتهم. كما تضع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) عبر "بوصلة التعلم 2030" (Learning Compass 2030) القدرة على التعلم والتكيف وتحديث الكفاءات في صميم تعليم القرن الحادي والعشرين.

إن النموذج العالمي يتحول من "الحق في التعليم" إلى "الحق في التعلم". وهذا التحول يجلب معه تبعات مهمة؛ فلم يعد يكفي أن توفر الدولة المدارس والجامعات فقط، بل ينبغي عليها ضمان حصول كل مواطن على الفرصة لتطوير معارفه ومهاراته باستمرار في كل مرحلة من مراحل حياته.

وتنسجم هذه الرؤية مع فكر الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، غاري بيكر (Gary Becker - 1993)، حول "رأس المال البشري" (human capital). حيث يوضح بيكر أن التعليم هو استثمار يولد الإنتاجية والرفاهية، وهو استثمار يستمر طوال حياة الفرد ليواكب المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.

تغيير محور الاهتمام

من هذا المنظور، يمتلك مشروع قانون نظام التعليم الوطني فعلياً فرصة كبيرة لتقديم نموذج جديد. ولكن للأسف، لم يظهر هذا التوجه كخيط رابط يجمع بين مجمل نصوص وبنيان القانون.

لقد استحوذت النقاشات المتعلقة بالمعايير الوطنية للتعليم، والحوكمة المؤسسية، والتقييم، وضمان الجودة، والتوجيه على مساحة واسعة. ولا غرو أن هذه التنظيمات مهمة كركيزة للإدارة التعليمية، إلا أن التحدي الأكبر الذي سيواجه إندونيسيا في العقد القادم يكمن بالأحرى في كيفية تمكين نظام التعليم من بناء "مجتمع التعلم" (learning society).

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها "نظرة على التعليم 2024" (Education at a Glance 2024) إلى أن الدول ذات القدرة العالية على التكيف مع التغيرات الاقتصادية تمتلك أنظمة قوية للتعلم مدى الحياة، وعلاقات وثيقة بين التعليم وسوق العمل، فضلاً عن المرونة في اكتساب كفاءات جديدة. فيُنظر إلى التعليم كعملية مستمرة وليس كمرحلة تنتهي بمجرد حصول الفرد على شهادة علمية.

تواجه إندونيسيا تحديات تزداد تعقيداً؛ فالرقمنة تستحدث أنواعاً جديدة من الوظائف وتلغي في الوقت ذاته الكثير من الوظائف التقليدية. كما أن الذكاء الاصطناعي يسرّع من وتيرة هذه التحولات. لذا يحتاج خريجو التعليم العالي إلى كفاءات قابلة للتجديد باستمرار.

وبالمثل، يحتاج المعلمون والمحاضرون إلى مساحات للتطوير المهني المستدام. ويحتاج العاملون إلى فرص لاكتساب مهارات جديدة دون الحاجة للعودة إلى مقاعد الدراسة بالشكل التقليدي.

وقد أشار المفكر التربوي الإندونيسي هـ.أ.ر. تيلار (H.A.R. Tilaar - 2002) إلى أن التعليم هو عملية تثقيفية تستمر طوال حياة الإنسان، فالتعليم هو ما يصنع إنساناً قادراً على التطور مع تغيرات مجتمعه. وتبدو هذه الرؤية أكثر أهمية اليوم في ظل سرعة التغيير التي لم يسبق للبشرية أن شهدت مثلها.

يمكن لمشروع قانون نظام التعليم الوطني أن يشكل علامة فارقة إذا اتخذ من "الحق في التعلم" فلسفة تنبض بها كافة لوائحه. إن الاعتراف بالتعلم مدى الحياة، وتعزيز الاعتراف بخبرات التعلم السابقة (recognition of prior learning)، ودعم التعليم العابر للمسارات، وتطوير المؤهلات المصغرة (microcredential)، وتسهيل اكتساب كفاءات جديدة، فضلاً عن ربط التعليم بالتحولات الاقتصادية، كلها أمور تستحق أن تتبوأ مكانة أقوى في بنية التشريعات.

وتوفر المادة 31 من دستور جمهورية إندونيسيا لعام 1945 أساساً متيناً لهذا التوجه. فالحق في الحصول على التعليم يهدف في جوهره إلى بناء إنسان إندونيسي ينمو باستمرار، وتتوسع فرصه الحياتية، ويكون قادراً على الإسهام في تقدم أمته. وهذا الهدف يتطلب نظاماً يتيح مساحات للتعلم في كل مرحلة من مراحل العمر.

يُعد تدوين قوانين التعليم الثلاثة فرصة استثنائية قلّما تتكرر. وتستحق هذه الفرصة استغلالها لتحديث نموذج التعليم الوطني. ففي الوقت الراهن، تحتاج إندونيسيا إلى نظام تعليمي قادر على مواكبة العصر، ويعزز في الآن ذاته من قدرات مواطنيها على مواجهة مستقبل تكتنفه حالة من الغموض والتغير المستمر.

نُشر هذا المقال في صحيفة ميديا إندونيسيا (Media Indonesia) يوم الخميس (6/8/2026).