"لوندو إيرنغ" في سياق الاستقلال
أ. د. إمام سبحي
أستاذ الأنثروبولوجيا الدينية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
عاد مصطلح "لونضو إيرينغ" (Londo Ireng) ليحتل صدارة اهتمام الرأي العام مجدداً بعد أن استخدمه الرئيس برابوو سوبيانتو في كلمته خلال الذكرى الثامنة والعشرين لتأسيس حزب النهضة القومية (PKB)، والتي أقيمت في مركز جاكرتا للمؤتمرات (JCC) بسنايان يوم 23 يوليو 2026. وأشار الرئيس في كلمته إلى أن التهديدات التي تطال المصالح الوطنية في العصر الراهن لم تعد بالضرورة تأتي على شكل احتلال عسكري مباشر كما عاشته إندونيسيا إبان العهد الاستعماري.
ويرى الرئيس أنه لا يزال ثمة أفراد ومجموعات يغلبون مصالح الدول الأخرى على المصلحة الوطنية. ولتوصيف هذه الظاهرة، استعاض الرئيس بمصطلح "لونضو إيرينغ" (الهولندي الأسود)، وهو مصطلح يعود جذوره إلى الحقبة الاستعمارية وكان يُطلق مجتمعياً على الأطراف المحلية المنحازة للسلطة الاستعمارية الهولندية. وفي سياق الخطاب، ربط الرئيس هذا المصطلح ببعض الصحفيين والإعلاميين والمحللين والمؤسسات غير الحكومية (LSM) الذين يُعتبرون يواصلون بناء خطابات تشاؤمية تجاه مختلف السياسات الحكومية.
وسرعان ما أثار هذا التصريح ردود فعل متباينة من مختلف الأوساط؛ حيث أبدت عدة منظمات صحفية ومجموعات من المجتمع المدني اعتراضها، معتبرة أن استخدام هذا المصطلح قد يؤدي إلى التعميم والإساءة لمهن معينة تؤدي في النظام الديمقراطي دوراً جوهرياً ونبيلاً بنقل المعلومات، ومراقبة السلطة، ونقل تطلعات المجتمع.
وفي المقابل، أوضح عدد من المسؤولين الحكوميين أن استخدام مصطلح "لونضو إيرينغ" جاء على سبيل الكناية السياسية لنقد الأطراف التي تُؤثر المصالح أجنبية على حساب مصلحة الأمة الإندونيسية، وليس بهدف تشويه سمعة مهن بعينها بشكل عام. وقد تطور هذا التباين في التفسير إلى سجال فكري أوسع في الفضاء العام حول الحدود الفاصلة بين نقد الحكومة، وحرية التعبير، واستخدام الرموز التاريخية في السجالات السياسية المعاصرة.
نقد المجتمع المدني (Civil Society)
تُبنى الديمقراطية الدستورية على احترام حرية التعبير، وحرية الصحافة، وجودة المجتمع المدني بوصفه أحد الأركان الأساسية لمراقبة سير أداء الحكومة. وبناءً عليه، فإن النقد الصادر عن الصحفيين، والأكاديميين، والمنظمات غير الحكومية، وسائر أطياف المجتمع لا يمكن إدراجه تلقائياً كفعل مناهض للمصالح الوطنية؛ بل على العكس، يظل للنقد دور محوري كميكانيزم تصحيحي يضمن سير السياسات العامة وفق مبادئ المساءلة، والشفافية، ومصالح المجتمع العريضة.
وفي منظور التاريخ السياسي الإندونيسي، طالما اتسمت العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني بالديناميكية والتفاعل؛ فمنذ بزوغ عهد الإصلاح عام 1998، اتسع الفضاء العام ليغدو ساحة تُتيح للمواطنين مشاركة أكثر فاعلية في رقابة إدارة الحكم. إن وجود إعلام أكثر حرية، ومؤسسات مجتمع مدني متنوّعة، وتنامي منصات التواصل الاجتماعي، أسهم في توسيع آفاق النقاش حول مختلف سياسات الدولة. وأوجد هذا الوضع علاقة أكثر انفتاحاً بين الحكومة والمجتمع، لكنه في الوقت ذاته أنتج صداماً أكثر حدة في المصطلحات والخطابات.
وفي مثل هذه الظروف، لم يعد مصطلح "لونضو إيرينغ" يُفهم مجرد إرث تاريخي استعماري فحسب، بل غدا رمزاُ يُعبر عن تباين وجهات النظر حول مفهوم الولاء للمصلحة الوطنية. ومن ثم، فإن التحدي القائم لا يكمن في تحديد المحق من المخطئ، بل في كيفية الحفاظ على حيوية مساحة النقد دون التفريط في توجيه البوصلة نحو المصلحة العليا للوطن.
ولعل من المفيد جعل هذه المصطلحات بمثابة مؤشر للتحول المنهجي والنظامي نحو الاستقلال بمفهومه الحقيقي؛ ألا وهو تحقيق الرفاهية والازدهار لعموم الشعب.
ملء الاستقلال: البرامج الرئاسية وتطلعات المجتمع
تسعى الحكومة بقيادة الرئيس برابوو إلى تنفيذ برامج استراتيجية في إطار ملء مضامين الاستقلال؛ ومن أبرزها برنامج مكافحة الفساد الذي نجح في استعادة أصول ضخمة للدولة، وتحسين حوكمة الإدارة الحكومية، وضمان توجيه الميزانية العامة لخدمة الشعب بشكل مباشر.
ومن جهة أخرى، أُطلق برنامج "الرعاية الغذائية المجانية" (MBG) كاستثمار طويل الأجل في تنمية الموارد البشرية من خلال تحسين جودة التغذية لدى الأطفال. كما تشجع الحكومة دعم الاقتصاد الشعبي عبر تأسيس "تعاونية القرية الحمراء والبيضاء" كخطوة لتعزيز اقتصاد الأرياف وتقليص الفجوات التنموية بين المناطق. وتكتسب هذه البرامج المتنوعة، في رؤية الحكومة، أهمية بالغة بوصفها جزءاً من استراتيجية كبرى نحو إندونيسيا أكثر استقلالية، ورفاهية، وتنافسية.
وفي خضم تطبيق هذه البرامج، تتوالى الانتقادات والآراء المتنوعة؛ سواء ما تعلق منها بفاعلية السياسات، أو جاهزية الميزانيات، أو حوكمة التنفيذ، أو الآثار المحتملة على المجتمع. وفي الدول الديمقراطية، يُعد النقد الموجه للسياسات العامة أمراً طبيعياً وصحياً باعتباره جزءاً من آليات الرقابة المكفولة دستورياً.
وقد قدمت أطياف من المجتمع مقترحات إيجابية يجدر بالحكومة الاستماع إليها؛ مثل المطالبة بعدم اقتطاع ميزانية برنامج التغذية المجانية (MBG) من مخصصات التعليم، وأن تنفذ العملية بقدر أكبر من الانتقائية والشفافية. وقد أبدت الحكومة استجابة بليغة بتعيين رئيس الهيئة الوطنية للتغذية (BGN)، سوداريونو، الذي يبذل جهوداً حثيثة لتطوير البرنامج وترقيتها. كما أعلنت الحكومة، على لسان وزير المالية من مجمع القصر الرئاسي يوم الجمعة 31 يوليو 2026، عن جاهزيتها الامتثال لقرار المحكمة الدستورية القاضي بفصل ميزانية برنامج التغذية المجانية عن مخصصات التعليم البالغة 20% من الميزانية العامة للدولة.
إن ملء الاستقلال ينبغي أن يكون جهداً مشتركاً بين الحكومة وسائر أطياف المجتمع من خلال بناء عقلية إيجابية ومتفائلة في مواجهة التحديات والنقائص. وتلتزم الحكومة بتنفيذ أمانة الشعب عبر إنفاذ سياسات تحيزية للصالح العام، بينما يقع على عاتق قيادات الدولة ومسؤوليها تطبيق قوانين إنسانية تُجسد قيم الدولة الودودة والمعنية بشعبها.
إن الوطن ملك للجميع، وليس حكراً على الحكومة أو فئة بعينها. ومصطلح "لونضو إيرينغ" ينبغي وضعه في نصابه الصحيح لتشجيع التفكير الإيجابي وبناء عقلية متفائلة تعمل بأقصى طاقتها، مع إعطاء الأولوية للولاء للدولة والأمة على ما سواهما. وبتَبَنّي هذا الفكر، تتضافر جهود جميع مكونات المجتمع لبناء حضارة متقدمة؛ حضارة تبدأ من الذات عبر إصلاح المنظومة الفكرية، ثم تمتد إلى الأسرة والمحيط، سواء على المستوى المحلي أو الوطني أو العالمي.
نُشر هذا المقال في صحيفة BeritaSatu يوم الاثنين (10 أغسطس 2026).
