لماذا لا تزال "لوندو إيرنغ" (Londo Ireng) موجودة؟

لماذا لا تزال "لوندو إيرنغ" (Londo Ireng) موجودة؟

الأستاذ الدكتور إمام صبحي، الحاصل على الماجستير
أستاذ أنثروبولوجيا الأديان بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا (UIN Jakarta)

عاد مصطلح "لوندو إيرنغ" (Londo Ireng) إلى الواجهة العامة مجدداً بعد أن استخدمه الرئيس برابوو سوبيانتو في إحدى المناسبات لوصف الأطراف التي يرى أنها تعمل لصالح قوى أجنبية. وقد أثار هذا التوصيف ردود فعل متباينة؛ فبينما يراه البعض نقداً لشكل جديد من أشكال النفوذ الأجنبي في حياة الأمة، يعتبره آخرون مصطلحاً يحمل في طياته احتمالاً لإلصاق وصمة عار بمجموعات معينة.

وبغض النظر عن هذا الجدل، فإن عودة ظهور مصطلح "لوندو إيرنغ" تطرح تساؤلاً أكثر إثارة من مجرد السجال السياسي العابر: لماذا لا يزال هذا المصطلح، الذي ولد في الحقبة الاستعمارية، حياً في ذاكرة المجتمع الإندونيسي حتى يومنا هذا؟

في الموروث الثقافي الجاوي، استُخدمت كلمة "لوندو" (Londo) منذ فترة طويلة للإشارة إلى الهولنديين أو الأوروبيين الذين كانوا جزءاً من الحكومة الاستعمارية لجزر الهند الشرقية الهولندية. لم يقتصر هذا الوصف على الهوية القومية فحسب، بل رمز أيضاً إلى القوة الاستعمارية التي تسيطر على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للسكان الأصليين. ومن ثم، فإن كلمة "لوندو" حملت منذ البداية دلالة أوسع من مجرد كونه مؤشراً عرقياً؛ إذ أصبحت مرادفة لموقع "الحاكم الاستعماري".

وعلى عكس الاعتقاد السائد حالياً، ووفقاً لما ذكره إنيكه فان كيسل في كتابه "جنود أفارقة في جزر الهند الشرقية 1831-1945"، فإن مصطلح "لوندو إيرنغ" لم يكن موجهاً في البداية إلى الإندونيسيين الذين يُنظر إليهم على أنهم ينحازون للهولنديين. تاريخياً، ظهر المصطلح في القرن التاسع عشر للإشارة إلى الجنود الأفارقة الذين جندتهم الحكومة الهولندية من منطقة "ساحل الذهب" (Gold Coast)، وتحديداً من قلعة المينا (Elmina) التي تقع حالياً في غانا، للخدمة في الجيش الملكي لجزر الهند الشرقية الهولندية (KNIL).

كان هؤلاء يرتدون نفس زي الجنود الهولنديين ويؤدون نفس وظائفهم كجزء من الآلة العسكرية الاستعمارية. وبالنسبة لسكان الأرخبيل، كانوا يُنظر إليهم كجزء من القوة الهولندية رغم اختلافهم الجسدي عن الأوروبيين. ومن هنا ولد وصف "لوندو إيرنغ"، أي "الهولنديون ذوو البشرة السوداء"، كطريقة للمجتمع في تحديد هوية المجموعة التي أصبحت جزءاً من الحكومة الاستعمارية.

ومع ذلك، وكما هو الحال مع العديد من المصطلحات التاريخية، لم يتوقف معنى "لوندو إيرنغ" عند سياق نشأته. فمع مطلع القرن العشرين، وعندما بدأت الاستعمارية تعتمد بشكل متزايد على البيروقراطية الحديثة وتشرك المزيد من نخب السكان الأصليين في الإدارة الحكومية، بدأ المصطلح تدريجياً يشهد تحولاً في معناه.

لم يعد المصطلح يشير حصراً إلى الجنود الأفارقة، بل تطور ليصبح استعارة لكل من يُنظر إليه على أنه أكثر ولاءً للمصالح الاستعمارية منه لمجتمعه. يوضح هذا التحول أن المجتمع بدأ يدرك أن الاستعمار ليس مجرد سلطة يمارسها أجانب، بل هو نظام يمكن الحفاظ عليه من خلال تعاون جزء من النخب المحلية.

وعلى الرغم من استقلال إندونيسيا منذ عام 1945، إلا أن مصطلح "لوندو إيرنغ" لم يختفِ بزوال الاستعمار. يمكن تفسير ذلك من خلال مفهوم "الذاكرة الجماعية"، وهي الذاكرة المشتركة التي تتوارثها الأجيال عبر اللغة والقصص والتجارب التاريخية.

صحيح أن بعض المصطلحات الاستعمارية قد تلاشت، لكن البعض الآخر ظل صامداً لأنه يُعتبر قادراً على تفسير مواقف معينة تتكرر باستمرار في حياة المجتمع. وفي هذا السياق، تحول "لوندو إيرنغ" من هوية تاريخية إلى رمز ثقافي يُستخدم لوصف قضايا الولاء، والانحياز، والعلاقة مع القوى التي يُنظر إليها على أنها خارجة عن المصالح الوطنية.

تأملات معاصرة

تساعد الخلفية التاريخية المذكورة في تفسير سبب ظهور مصطلح "لوندو إيرنغ" مجدداً في الخطاب السياسي المعاصر. فعندما استخدم الرئيس برابوو هذا المصطلح لانتقاد الأطراف التي يراها تعمل لصالح قوى أجنبية—بما في ذلك الإشارة إلى فاعلين من الصحفيين أو ناشطي المنظمات غير الحكومية أو المراقبين الاجتماعيين—فإن ما ظهر فعلياً ليس مجرد مصطلح قديم، بل هو رمز تاريخي اكتسب معنى جديداً يتناسب مع سياق عصره. ولا مفر من الجدل في هذه الحالة، لأن مصطلحاً كان يُستخدم قديماً لوصف البنية الاستعمارية قد نُقل الآن إلى فضاء الديمقراطية الحديثة التي لها خصائصها وتحدياتها المختلفة.

في ظل نظام ديمقراطي، فإنه بالتأكيد ليس من الصواب إطلاق تسمية نابعة من تجربة استعمارية بشكل عام على مهن معينة. فالصحفيون، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميون، والمراقبون، جميعهم يمارسون وظائف مشروعة في مراقبة أداء الحكومة كجزء من الحياة الديمقراطية.

ويمكن دائماً توجيه النقد لأفراد أو مجموعات محددة إذا كان ذلك يستند إلى أفعال وأدلة واضحة، لكن التعميم على مهن بأكملها يهدد بطمس الفوارق بين النقد—وهو حق دستوري للمواطن—وبين الأفعال التي تضر فعلياً بالمصالح الوطنية.

في نهاية المطاف، تظهر صمود مصطلح "لوندو إيرنغ" أن التاريخ لا ينتهي أبداً بشكل تام. لقد انتهى الاستعمار فعلياً، لكن ذاكرته لا تزال حية من خلال اللغة التي تتوارثها الأجيال.

لذلك، لا ينبغي فهم مصطلح "لوندو إيرنغ" كملصق سياسي يُستخدم فقط للهجوم على الخصوم، بل كتذكير بأن كل أمة تواجه دائماً نفس السؤال: لمن يُمنح الولاء؟ ولصالح من تُمارس السلطة؟ ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء استمرار هذا المصطلح، الذي ولد قبل أكثر من قرن من الزمان، في البقاء ضمن أحاديث المجتمع الإندونيسي حتى يومنا هذا.

نُشر هذا المقال في صحيفة بيريتا ساتو (BeritaSatu) يوم الخميس (6/8/2026).