إن إحدى أكبر المفارقات في تطور قطاع المالية الإسلامية اليوم هي أن النمو لم يعد هو التحدي الرئيسي؛ بل إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الحفاظ على النزاهة الشرعية في ظل تعقيدات الابتكارات المالية الرقمية، ولا سيما مع بدء تأثير الذكاء الاصطناعي على مختلف جوانب قطاع المالية الإسلامية.
في الوقت الحالي، تعتمد معظم الخدمات المالية الإسلامية على الذكاء الاصطناعي، بدءًا من تحديد الأهلية للتمويل، واستخدام تقنية "البلوك تشين" لإصدار الصكوك الرقمية، وصولاً إلى الخدمات المالية المدمجة (embedded finance) التي تذيب الفواصل بين المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا.
وبناءً على ذلك، لم يعد ممكناً فهم الحوكمة الشرعية (sharia governance) على أنها مجرد آلية لمراقبة الالتزام والامتثال فقط، بل يجب أن تتطور لتصبح نظام حوكمة تكيفي يقوم على التكنولوجيا، وقادر على صون مقاصد الشريعة في ظل المنظومة المالية الرقمية.
يشهد قطاع المالية الإسلامية العالمي في الواقع قوة دفع إيجابية للغاية. فقد أفاد مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB) بأن إجمالي أصول قطاع المالية الإسلامية العالمي قد تجاوز 4.4 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2025، بنمو قدره 13.4% مقارنة بالعام السابق. وقد تحقق هذا النمو بفضل التوسع في الصيرفة الإسلامية، والصكوك، والتكافل، وسوق المال الإسلامي في مختلف الدول.
كما تُظهر إندونيسيا تطوراً مشجعاً؛ إذ تواصل الصيرفة الإسلامية نموها مع الحفاظ على جودة الأصول نسبياً، وتتوسع سوق الصكوك، وتتسارع الابتكارات الرقمية بشكل ملحوظ. ومع ذلك، كلما كبر حجم هذا القطاع، زادت مخاطر الحوكمة التي يجب مواجهتها، ومن هنا تتجلى الأهمية البالغة لمفهوم "الحوكمة الشرعية 2.0" (Sharia Governance 2.0).
لطالما اعتبرت أطراف عديدة أن الحوكمة الشرعية تقتصر فقط على وجود هيئة الرقابة الشرعية (DPS)، بينما ليست هذه الهيئة إلا عنصراً واحداً ضمن المنظومة الكاملة للحوكمة الشرعية.
إن الحوكمة الشرعية الحديثة تشمل نظام اتخاذ القرارات، والثقافة التنظيمية، وإدارة المخاطر الشرعية، التدقيق الشرعي، والامتثال الرقمي، وشفافية المعلومات، وإدارة تعارض المصالح، فضلاً عن المساءلة أمام الجهات التنظيمية والمجتمع. بعبارة أخرى، فإن الامتثال للشرع لم يعد نتاج مؤسسة واحدة، بل هو حصيلة التصميم الشامل لحوكمة المنظمة.
والمشكلة تكمن في أن العديد من المؤسسات لا تزال تعمل وفق النموذج القديم؛ حيث تتسم الحوكمة الشرعية أحياناً بكونها إدارية وتوثيقية بل وحتى ردعاً تفاعلياً؛ إذ يُطرح المنتج الجديد أولاً ثم تُطلب الفتوى الشرعية لاحقاً. وهذا النهج يصعب الاستمرار فيه في ظل التطور السريع للابتكارات.
إن التحول الأكبر يأتي من التحول الرقمي؛ فاليوم أصبحت الخوارزميات هي التي تحدد مدى الأهلية للحصول على التمويل، ويُستخدم التعلم الآلي (Machine Learning) في التقييم الائتماني، وتقدم المستشارات الآلية (Robo-advisors) توصيات للاستثمار الإسلامي، وتُستخدم العقود الذكية في إصدار الصكوك الرقمية.
والسؤال المطروح: هل تلبي هذه الخوارزميات مبدأ العدل وتخلو من التمييز؟ وهل يمكن شرح قرارات الخوارزمية بشكل شفاف؟ هذه هي التحديات الجديدة التي لم تُناقش سابقاً في أطر الحوكمة الشرعية التقليدية.
إذا كانت هيئة الرقابة الشرعية في الماضي تركز أكثر على مراقبة العقود، فعليها اليوم أن تفهم منطق الخوارزميات. وإذا كان التدقيق الشرعي يركز سابقاً على وثائق العقود، فإنه مطالب اليوم بالقدرة على قراءة عمليات الأتمتة الرقمية.
إن الخطأ الكبير الذي يقع كثيراً هو الخلط بين الامتثال (compliance) والحوكمة (governance). قد تكون المؤسسة قد استوفت جميع الشروط التنظيمية، وحصلت على الفتاوى الشرعية، ولديه هيئة رقابة شرعية نشطة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن المؤسسة تمتلك حوكمة جيدة.
إن الحوكمة أوسع بكثير من الامتثال؛ فهي تتناول كيفية اتخاذ القرارات، وضمان اتساق كل ابتُكار مع مقاصد الشريعة، والحفاظ على التوازن بين الربحية والبركة، وضمان حصول جميع أصحاب المصلحة على الحماية العادلة. وفي هذا السياق، تغدو الحوكمة الشرعية مصدراً للميزة التنافسية وليس مجرد التزام تنظيمي.
ويُظهر التاريخ أن الأزمات المالية المختلفة تعود جذورها دائماً تقريباً إلى ضعف الحوكمة. فأزمة آسيا عام 1998 كان سببها ضعف حوكمة الشركات، وأزمة عام 2008 العالمية نتجت عن الفشل في إدارة المخاطر، والفضائح المالية المتعددة في السنوات الأخيرة تُظهر النمط نفسه: ضعف الشفافية، وتعارض المصالح، وفشل الرقابة.
إن قطاع المالية الإسلامية ليس معصوماً من هذه المخاطر؛ فكلما ازدادت هيكلة المنتجات الإسلامية تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى حوكمة قوية. وبدون حوكمة كافية، قد تفقد علامة "الإسلامي" مصداقيتها أمام المجتمع.
ومن المسائل الأخرى عدم توحيد معايير الحوكمة الشرعية بين الدول؛ فبعض الدول تعتمد المعايير الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، بينما تستند دول أخرى إلى المبادئ الصادرة عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية (IFSB). إن الاختلاف في التفسيرات الفقهية والهياكل المؤسسية وآليات الرقابة يجعل ممارسات الحوكمة الشرعية غير منسجمة تماماً على المستوى العالمي.
ونتيجة لذلك، قد يُعلن عن منتج ما أنه متوافق مع الشريعة في دولة ما، ولكنه يتطلب تعديلات في دولة أخرى. وفي عصر المعاملات العابرة للحدود، يؤدي هذا الوضع إلى زيادة تكاليف الامتثال وإبطاء الابتكار.
تمتلك إندونيسيا فرصة كبيرة للمساهمة في صياغة معايير حوكمة أكثر شمولاً من خلال خبرات الهيئات التنظيمية، والمجلس الشرعي الوطني (DSN-MUI)، وهيئة الخدمات المالية (OJK)، وبنك إندونيسيا، والفاعلين في هذا القطاع.
تُظهر اتجاهات الاستثمار العالمي تحولاً لافتاً؛ فالستثمرون لم يعودوا يركزون فقط على معدل الأرباح، بل بدأوا يقيّمون جودة الحوكمة، والشفافية، وإدارة المخاطر، والاستدامة، ونزاهة المنظمة.
تثبت ظاهرة المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) أن الحوكمة أصبحت إحدى المؤشرات الرئيسية في اتخاذ القرارات الاستثمارية العالمية. بل إن الدراسات المختلفة حول التمويل المستدام في الدول الإسلامية تشير إلى أن ممارسات الحوكمة والتقارير الجيدة باتت تحدد بشكل متزايد مدى جاذبية المؤسسات المالية في أعين المستثمرين.
من المنظور الإسلامي، فإن مفهوم الحوكمة يُعد منذ زمن طويل جزءاً من قيم الأمانة والصدق والمسؤولية والعدل. وهذا يعني أن الحوكمة الشرعية تمتلك تفوقاً فلسفياً مقارنة بالحوكمة التقليدية لأنها لا تقصر المساءلة على القرارات أمام المساهمين فحسب، بل أمام الله سبحانه وتعالى.
يتطلب التحول نحو "الحوكمة الشرعية 2.0" خمس خطوات إستراتيجية على الأقل: أولاً، توسيع كفاءات هيئة الرقابة الشرعية؛ فإلى جانب إتقان فقه المعاملات، يحتاج أعضاء الهيئة إلى فهم التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، ونماذج الأعمال الرقمية.
ثانياً، بناء نظام امتداد شرعي في الوقت الفعلي (real-time)؛ إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المخالفات الشرعية المحتملة تلقائياً بحيث لا تقتصر الرقابة على الجهد اليدوي والتقييم اللاحق.
ثالثاً، تطوير تدقيق رقمي شرعي قادر على تتبع المعاملات الرقمية بشكل شامل، بما في ذلك المنصات القائمة على "البلوك تشين" والعقود الذكية.
رابعاً، تعزيز الشفافية العامة من خلال تقارير حوكمة شرعية أكثر شمولاً، لا تكتفي بشرح الامتثال للفتاوى فحسب، بل تبين كيفية تطبيق مقاصد الشريعة في السياسات التجارية.
خامساً، توطيد التعاون بين الجهات التنظيمية، والمجلس الشرعي الوطني، الأكاديميين، والجمعيات القطاعية، وشركات التكنولوجيا حتى تتواكب معايير الحوكمة مع سرعة الابتكار.
في النهاية، إن مستقبل المالية الإسلامية لا يحدده فقط حجم الأصول أو ارتفاع معدلات النمو؛ بل سيستمر هذا القطاع إذا استطاع الحفاظ على ثقة الجمهور. والثقة لا تولد لمجرد وجود شعار الشريعة، بل لأن المجتمع يرى حوكمة تتسم بالشفافية والمساءلة والعدالة والاتساق.
في العصر الرقمي، يمكن للسمعة أن تنهار بسبب فشل واحد في الحوكمة. وعلى العكس من ذلك، فإن المؤسسات القادرة على بناء "الحوكمة الشرعية 2.0" ستحصل على رأس مال أغلى بكثير من مجرد نمو الأصول، ألا وهو الثقة.
مستقبلاً، لن تكون المنافسة في قطاع المالية الإسلامية مقتصرة على من يملك المنتج الأكثر ابتُكاراً أو التكنولوجيا الأكثر تطوراً، بل ستكون المنافسة الحقيقية حول من يستطيع ضمان بقاء كل ابتُكار مستنداً إلى القيم الشرعية، ومُداراً باحترافية، ومحققاً للمصلحة الحقيقية.
وفي هذا السياق، لم تعد الحوكمة مجرد وظيفة مساندة، بل هي الأساس الجوهري الذي سيحدد ما إذا كانت المالية الإسلامية قادرة على أن تكون النظام المالي للمستقبل الذي لا يتسم بالكفاءة فحسب، بل بالعدالة والنزاهة والاستدامة أيضاً.
