عندما تصبح الطبقة الوسطى عائقاً أمام النمو
أ. د. محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين (ADI)
عضو المجلس التنفيذي المركزي للرابطة الإندونيسية للاقتصاديين الإسلاميين (IAEI)
عضو الجمعية الاقتصادية الإندونيسية (ISEI) فرع جاكرتا
عضو الهيئة التوجيهية لمعهد تنمية الاقتصاد والأمة بمجلس العلماء الإندونيسي (LPEU MUI)
تتبدى اليوم مفارقة لافتة في جنبات الاقتصاد الإندونيسي؛ إذ تظهر أرقام النمو الاقتصادي مشجعة ومقنعة إلى حد كبير، بيد أن قطاعاً واسعاً من المواطنين يجدون أنفسهم مضطرين إلى ممارسة أقصى درجات الحيطة والحذر في إدارة حياتهم اليومية. فالنمو الاقتصادي يتحقق، لكن قرارات شراء المنازل تُؤجَّل، والدخل يُستلم، لكن الأقساط تعاد حساباتها بدقة، والأنشطة الترفيهية تُقلص، وتناول الوجبات خارج المنزل يقتصر على الضيق، حتى شراء السلع المعمرة كالمراكب والأجهزة المنزلية يغدو محل تفكير وتردد مراراً وتكراراً.
وهنا تحديداً نلتقي بمعضلة أكثر تعقيداً وخطورة من مجرد تراجع عادي في الاستهلاك؛ فالطبقة المتوسطة في إندونيسيا تشهد تحولاً بنيوياً في سلوكها الاقتصادي؛ إذ لم تعد تكف عن الشراء لانتفاء حاجتها، بل توجساً وتحسباً مما يحمله المستقبل. والمسألة أن الطبقة المتوسطة ليست مجرد شريحة اجتماعية فحسب، بل هي في الاقتصاد المعاصر أحد المحركات الأساسية للاستهلاك المحلي.
وحينما يبدأ هذا المحرك في إبطاء دورانه، لا تتوقف الآثار عند حدود الأسرة الواحدة، بل تمتد لتلقي بظلالها على المراكز التجارية، والمطاعم، وصناعة السيارات، والقطاع العقاري، والخدمات التعليمية، والسياحة، وصولاً إلى المشروعات متناهية الصغر والصغيرة التي تقتات على الاستهلاك المجتمعي. ومن ثم، فإن قضية الطبقة المتوسطة ليست مجرد شأن يتعلق بالرفاه الاجتماعي، بل هي قضية صلبة تمس جوهر النمو الاقتصادي واستدامته.
أظهرت أحدث بيانات هيئة الإحصاء المركزية (BPS) أن الاقتصاد الإندونيسي سجل في الربع الثاني من عام 2026 نمواً بنسبة 5.29% على أساس سنوي، وهي نسبة تؤكد في ظاهرها مرونة الاقتصاد الوطني. وتراكمياً، بلغ نمو الاقتصاد في النصف الأول من العام ذاته 5.45%. بيد أن أرقام النمو التجميعية لا تعكس بالضرورة كيف يلمس المواطنون واقع الاقتصاد في تفاصيل حياتهم اليومية.
ولا ريب أن تحقق نمو بنسبة 5.29% يعد خبراً ساراً، بيد أن السؤال الأكثر جوهرية هو: من الذي يجني ثمار هذا النمو؟ وكيف ينعكس هذا النمو على قدرة الأفراد على الاستهلاك، والادخار، والاستثمار، وتحسين جودة الحياة؟
ويغدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً حين نستقرئ واقع الطبقة المتوسطة؛ فقد سجلت هيئة الإحصاء المركزية وجود نحو 57.33 مليون نسمة ضمن فئة الطبقة المتوسطة في عام 2019، أي ما يعادل 21.45% من إجمالي السكان. غير أن هذا الرقم تراجع في عام 2024 ليصل إلى نحو 47.85 مليون نسمة، أَيْ 17.13% فقط، مما يعني انكماش هذه الطبقة بنحو 9.48 ملايين نسمة خلال خمس سنوات.
وفي المقابل، شهدت فئة "الطامحين للالتحاق بالطبقة المتوسطة" (Aspiring Middle Class) اتساعاً؛ حيث بلغت أعدادهم في عام 2024 نحو 137.50 مليون نسمة، أي 49.22% من السكان، مقارنة بـ 128.85 مليون نسمة في عام 2019. وللوهلة الأولى، يمكن تفسير هذه الظاهرة إيجابياً؛ كون هذه الفئة تشكل قاعدة عريضة تتأهب للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي.
لكن ثمة وجهاً آخر لا يجوز إغفاله؛ فقسم من المواطنين الذين كانوا يتمتعون باستقرار نسبي انزلقوا نحو الأسفل. وهم وإن لم يصلوا إلى حد الفقر المباشر، إلا أنهم ابتعدوا عن منطق الأمان الاقتصادي؛ باتوا يعيشون في منطقة رمادية تحكمها دخول تكفي بالكاد لسد الرمق اليومي، دون أن تملك الصلابة الكافية لمواجهة الصدمات كفقدان الوظيفة، أو تكاليف العلاج، أو مصاريف التعليم، أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أو تزايد أعباء الأقساط. وهذه الشريحة تحديداً هي التي تستوجب عناية وأولوية أكبر.
ينبغي درك حقيقة أساسية: الطبقة المتوسطة لا تتوقف عن الاستهلاك فجأة حين تتدهور ظروفها المالية، بل تمارس سلوكاً أكثر دقة يُعرف بـ (Downtrading) أو الهبوط بالخيارات الاستهلاكية. فهم يواصلون تناول الطعام خارج المنزل ولكن في مطاعم أقل تكلفة، ويقضون عطلاتهم في وجهات أقرب ولمدد أقصر، ويشترون الملابس في مواسم التخفيضات، ويحافظون على سياراتهم القديمة مؤجلين قرار شراء الجديدة، ويوثرون التريث في شراء العقار خشية الالتزام بالأقساط. بعبارة أخرى، تعيد الطبقة المتوسطة ضبط بوصلة الاستهلاك من دائرة "الرغبات" إلى نطاق "الضروريات".
إن هذا التحول السلوكي بالغ الأهمية بالنظر إلى أن الاستهلاك الأسري يمثل الركن الأكبر في الاقتصاد الإندونيسي. وتكشف بيانات هيئة الإحصاء لعام 2024 أن فئتي الطبقة المتوسطة والطامحين إليها تشكلان 66.35% من السكان، بيد أن مساهمتهما في إجمالي الاستهلاك المجتمعي تصل إلى 81.49%. وتوضح هذه النسبة الجوهرية سبب الامتناع عن التعامل مع قضايا الطبقة المتوسطة بوصفها مجرد ملف اجتماعي؛ فعندما تقوى هذه الطبقة تمسي صمام أمان للاقتصاد، وحين تضعف قدرتها الشرائية تتحول إلى كابح لعجلة النمو.
وهنا تكمن المفارقة: فالطبقة المتوسطة المعافاة هي المستهلك المحرك للأسواق، غير أن الطبقة المتوسطة القلقة تتحول إلى مستهلك شديد التحفظ؛ تشتري ولكن بحدود، وتدفع ولكن بقدر، وتخطط للمستقبل ولكنها ترجئ قراراتها. وفي اقتصاد يعتمد اعتماداً كبيراً على الطلب المحلي، تتجمع هذه القرارات الفردية الصغيرة لتحدث تداعيات كليّة بالغة الأثر.
ويميل البعض إلى القول بأن الاستهلاك المجتمعي لا يزال بخير طالما أن الاستهلاك الأسري التجميعي يسجل نمواً. بيد أن الأرقام التجميعية قد تحجب التحولات السلوكية في أحشاء الشرايح المجتمعية؛ إذ قد يستمر نمو الاستهلاك التجميعي نتيجة زيادة إنفاق الفئات ذات الدخل المرتفع، في حين تُمسك الطبقة المتوسطة يدها عن الإنفاق. ومن ثم، فإن العبرة ليست فقط بحجم نمو الاستهلاك، بل بمن يستهلك وماذا يستهلك. ومن هنا تتجلى أهمية قراءة الهيكل الاقتصادي القابع خلف أرقام النمو الصماء.
في الربع الثاني من عام 2026، حقق الاقتصاد نمواً بنسبة 5.29%، بيد أن هذا النمو كان مدعوماً أيضاً بالاستهلاك الحكومي الذي نما بنسبة 15.97% على أساس سنوي. وهذا أمر إيجابي بلا شك لأن الإنفاق الحكومي ينعش الدورة الاقتصادية، غير أنه على المدى البعيد، لا يمكن للنمو المستدام أن يظل رهيناً بالتحفيز المالي الحكومي؛ بل يتوجب أن يستند إلى استهلاك أسري صحيح، واستثمار إنتاجي، وتوليد لفرص عمل عالية الجودة، ورفع لمعدلات الإنتاجية. فإذا استمرت الطبقة المتوسطة في فقدان قدرتها الشرائية، فإن إحدى الركائز الأساسية للنمو المحلي ستزداد هشاشة.
غالباً ما تُعزى الضغوط الملقاة على كاهل الطبقة المتوسطة إلى ارتفاع الأسعار، وهو تفسير صحيح لكنه غير مكتمل. فالأزمة الأعمق تكمن في الخلل الواقع بين نمو الدخل وارتفاع متطلبات الحياة. بالنسبة لأسرة من الطبقة المتوسطة، لا تقتصر تكاليف المعيشة على الأرز والكهرباء والمواصلات؛ بل تمتد لتشمل التعليم، وأقساط السكن والسيارة، والانترنت، والرعاية الصحية، والتأمين، والترفيه، والواجبات الاجتماعية. فحين يرتفع الدخل بنسبة 5% بينما ترتفع تكاليف الاحتياجات الاستراتيجية بمعدل أسرع، تشعر الأسرة واقعياً بأنها باتت أكثر فقراً رغم زيادة دخلها الاسمي.
وهذا ما يفسر التباين بين انطباعات الناس عن الواقع الاقتصادي وبين الإحصاءات الرسمية؛ فالمرء لا يحسب الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات الصادرات، بل يحسب المتبقي في جيبه بعد سداد الأقساط، وما يتبقى من الراتب لنهاية الشهر. ولذا، فإن السياسات الاقتصادية التي تركز حصرًا على النمو التجميعي المخرد ترسك في التغاضي عن الأبعاد الأكثر أهمية للرفاه، والمتمثلة في شعور الأسر بالأمان الاقتصادي.
وثمة تحول سلوكي آخر لا يقل أهمية: فعندما تتصاعد حالة عدم اليقين، تتجه أسر الطبقة المتوسطة إلى تعزيز دوافع التحوط؛ فتحد من الاستهلاك، وتوسع صناديق الطوارئ، وتقوم بتقليص الديون، وتحول إنفاقها من السلع المعمرة إلى الأساسيات. وهذا السلوك، وإن كان عقلانياً على المستوى الفردي، إلا أن ممارسته الجماعية كلياً تخلق معضلة اقتصادية.
فعلى سبيل المثال، إذا أجلت أسرة واحدة شراء سيارة، فلن يحدث إرباك، حتى وإن أجلت ألف أسرة الشراء فالمسألة مقدورة. أما إذا أقدمت ملايين الأسر على الإرجاء في وقت واحد، فستواجه صناعة السيارات تراجعاً حاداً في الطلب؛ فيقلل الموزعون المخزون، ويجمد المصنعون التوسع، وتتقلص ساعات العمل الإضافية، ويتضرر الموردون. وينطبق هذا كلياً على القطاع العقاري؛ فامتناع ملايين الأسر عن الشراء يعني تجميد المطورين لمشاريعهم، وتأثر صناعات الإسمنت والحديد، وتقليص المقاولين لأعمالهم، وتسريح أعداد من عمال البناء.
وهكذا، فإن أزمة القدرة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة لا تأتي بالضرورة على شكل ركود حاد، بل قد تظهر في صورة اقتصاد يواصل النمو عدديّاً لكنه يفقد طاقته التشغيلية والإنتاجية؛ فيظل النمو إيجابياً، لكن التسريع منه يغدو شديد الصعوبة.
إن قضية الطبقة المتوسطة تتجاوز حدود الاستهلاك المحلي؛ إذ يتعين علينا التساؤل: هل لا تزال أمام المواطنين فرصة حقيقية للارتقاء الاجتماعي؟ إذا انكمشت الطبقة المتوسطة لاتساع فئة "الطامحين"، فنحن أمام احتمالين: الأول أن الطامحين في طريقهم للارتقاء، وهو سيناريو إيجابي منشود؛ والثاني أن أفراداً من الطبقة المتوسطة ينزلقون نحو الأدنى لتتسع دائرة الهشاشة الاقتصادية.
والسيناريو الثاني هو ما يجب الحذر منه؛ فالدولة القوية ليست هي التي يقل فيها عدد الفقراء فحسب، بل هي التي تمتلك طبقة متوسطة واسعة، إنتاجية، ومستقرة اقتصادياً، ولديها فرص حقيقية للحراك الاجتماعي. ولذا، فإن تقييم نجاح التنمية لا ينبغي أن يقف عند مؤشرات الفقر وحدها، بل يتوجب النظر في أعداد الارتقاء من الفقر إلى الطبقة المتوسطة، وحجم الانزلاق نحو الهشاشة، ومدى احتمالية سقوط الأسرة في الفقر عند فقدان كافلها لوظيفته أو تعرضها لصدمة مالية.
كما تعطي بيانات التفاوت الأخيرة إشارات تستدعي الانتباه؛ فقد سجل معامل جيني (Gini Ratio) في مارس 2026 نحو 0.368، مرتفعاً من 0.363 في سبتمبر 2025، وإن كان أقل من 0.375 المسجل في مارس 2025. وتكشف هذه الأرقام أن التحسن لا يسير بمسار خطي مستمر، بل تكتنفه ضغوط تتطلب معالجات حثيثة.
فما الذي ينبغي على الحكومة صنعه؟ الجواب لا يكمن في تقديم حوافز استهلاكية مؤقتة أو تخفيضات عابرة؛ فهذه الحوافز وإن أعانت قصيراً، إلا أن المشكلة متى ما تجذرت في ضعف الدخل وعدم اليقين، غدت الحوافز مجرد مسكنات وقتية. والمطلوب اليوم هو استعادة قدرة الطبقة المتوسطة على النمو والازدهار الذاتي.
أولاً: يتعين على الحكومة تعزيز خلق فرص العمل الرسمية ذات الإنتاجية والأجور المجزية؛ فالطبقة المتوسطة لا تنمو بالإعانات الاستهلاكية، بل بحاجة لفرص عمل تضمن دخلاً استثمارياً ثابتاً وحماية اجتماعية.
ثانياً: ضبط تكاليف المتطلبات الأساسية للطبقة المتوسطة؛ بحيث تشكل قطاعات السكن، والمواصلات، والتعليم، والصحة، والطاقة محاور رئيسة في سياسات دعم هذه الطبقة. فلا يستقيم مطالبة الناس بزيادة الإنفاق في وقت تتصاعد فيه تكاليف المعيشة الكريمة.
ثالثاً: مراعاة قدرة الطبقة المتوسطة في السياسات الضريبية؛ فهم في موقع حرج: أثرى من أن ينالوا الدعم المباشر، وأقل ثراءً من أن يتحملوا زيادة الأعباء المالية بسهولة. ولذا ينبغي أن تتسم الهياكل الضريبية بالمرونة والعدالة.
رابعاً: دفع عجلة الإنتاجية؛ فالطبقة المتوسطة المتينة لا تُبنى بالدعم الدائم، بل برفع القدرات البشرية، والتعليم النوعي، والمهارات الرقمية، وريادة الأعمال، وتمكين الوصول إلى الوظائف ذات القيمة المضافة العالية.
خامساً: إشراك القطاع المالي بكفاءة؛ بحيث لا تُعامل الطبقة المتوسطة كمستهدف للقروض الاستهلاكية فحسب، بل تُشجع على امتلاك الأصول الإنتاجية، عبر تطوير بيئة الاستثمار الاستهلاكي، وتمويل الأعمال، وصناديق التقاعد، والتأمين، والأدوات الاستثمارية التي تتيح مصادر دخل متعددة بجانب الراتب الشهري.
وهذا هو التحول المفهومي المأمول: لقد عُوملت الطبقة المتوسطة طويلاً بوصفها مجرد شرائح مستهلكة لشراء العقارات، والسيارات، والهواتف، والخدمات. بينما البناء الصحيح يستوجب تحويلهم من مستهلكين إلى ملاك لأصول إنتاجية؛ يمتلكون السكن الملائم، والمدخرات الكافية، والاستثمارات، وحماية التقاعد والصحة، والمهارات التي ترفع قيمتهم في سوق العمل.
وبذلك، إذا ما وقعت صدمة اقتصادية، لا ينزلق أفراد هذه الطبقة فوراً نحو الأسفل. وهذه هي الصلابة الاقتصادية المنشودة؛ فالأسرة لا تشترط الغنى الفاحش لتكون صلبة، بل يكفي أن تملك القدرة على الصمود لعدة أشهر عند فقدان الدخل، وتغطية المصاريف الطارئة، وتأمين تعليم أبنائها مع الحفاظ على مستوى معيشي كريم.
وما لم تُبنَ هذه الصلابة، ستظل الطبقة المتوسطة في حالة هشاشة مستمرة، تُخفض استهلاكها الحاد مع أدنى صدمة. ومن ثم، فقد آن الأوان لتغيير نظرتنا للطبقة المتوسطة؛ فهم ليسوا مجرد فئة ذات إنفاق محدد، بل هم بارومتر جودة النمو الاقتصادي برمتها.
وعلى العكس، إذا استمر انكماش الطبقة المتوسطة، واتسعت الشريحة الهشة، وغدا الاستهلاك دفاعياً، وساد الخوف من اتخاذ القرارات الاقتصادية، فحينها يتوجب إعادة النظر في طبيعة النمو الاقتصادي القائم. فقد ينمو الاقتصاد كلياً فوق 5%، لكن إذا كانت أسر الطبقة المتوسطة تشعر بضرورة التقتير للبقاء، فهناك خلل جوهري لا تعكسه أرقام النمو الظاهرة.
إن إندونيسيا بحاجة ماسة إلى طبقة متوسطة واسعة لتحقيق تطلعاتها في التحول إلى دولة متقدمة بحلول عام 2045؛ إذ لا يمكن بناء اقتصاد مرتفع الدخل بتركيبة مجتمعية تعاني معظم فئاتها من الهشاشة. والدول المتقدمة تقوم على طبقة متوسطة قوية، إنتاجية، مالكة للأصول، متمتعة بالحماية الاجتماعية، وواثقة في مواجهة المستقبل.
بناءً عليه، فإن التحدي الاقتصادي الحقيقي لإندونيسيا اليوم لا يقتصر على الحفاظ على معدل نمو فوق 5%، بل يكمن في ضمان أن ينعكس هذا النمو دخلاً عادلاً، وفرص عمل نوعية، وأماناً مستداماً للطبقة المتوسطة. فالطبقة المتوسطة القوية هي المحرك للاقتصاد، في حين أن الطبقة المضغوطة تغدو كابحاً له، والطبقة التي تفقد الأمل تعزف في النهاية ليس عن الاستهلاك فحسب، بل عن الاستثمار، وشراء المنازل، وتأسيس الأعمال، والتخطيط للمستقبل.
وعند هذه النقطة بالتحديد، تتحول قضية الطبقة المتوسطة إلى قضية نمو اقتصادي بامتياز. ولا ينبغي لإندونيسيا أن تقنع بمجرد دوران محركها الاقتصادي، بل يجب التأكد من امتلاكه الطاقة الكافية للانطلاق؛ فالنمو الاقتصادي المستدام لا يُقاس بمدى سرعته اليوم فحسب، بل بقدرة أفراد المجتمع على النمو والازدهار معاً.
نُشر هذا المقال في زاوية الرأي بصحيفة Kompas يوم الثلاثاء، 11 أغسطس 2026.
