صندوق الأمانة الاجتماعي بجامعة جاكرتا الإسلامية الحكومية: العمل الخيري الإسلامي الإندونيسي يتحول من المساعدات الاستهلاكية إلى أدوات التنمية
جاكرتا، أخبار جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية عبر الإنترنت – كشفت المؤسسة الإنسانية والاجتماعية "صندوق الأمانة الاجتماعي" (Social Trust Fund - STF) التابعة لجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا عن حدوث تحول كبير في كيفية نظر المجتمع المسلم الإندونيسي إلى العمل الخيري الإسلامي وممارسته. فلم تعد الزكاة، والإنفاق، والصدقة، والوقف، والأضحية (ZISWAF) تُفهم اليوم على أنها مجرد مساعدات استهلاكية، بل بات يُنظر إليها بشكل متزايد كأدوات استراتيجية للحد من الفقر، والتمكين الاقتصادي، والتعليم، والصحة، والتنمية الاجتماعية المستدامة.
جاءت هذه النتائج ضمن "المسح الوطني لواقع وسلوكيات العمل الخيري الإسلامي للمسلمين الإندونيسيين 2026" الذي أصدرته المؤسسة يوم الجمعة (5/6/2026) في مبنى الفيلانثروبي (سgeneric الفنون والثقافة)، بباسار مينجو، جنوب جاكرتا. وشمل المسح 8360 مستجيباً مسلماً في 34 مقاطعة، ليكون أحد أكثر عمليات المَسح شمولاً لممارسات العمل الخيري الإسلامي في إندونيسيا منذ أكثر من عقدين.
وأوضحت مديرة المؤسسة، الأستاذة أميلية فوزية، أن هذا المسح أُجري لتقديم صورة أكثر واقعية وحداثة عن واقع العمل الخيري الإسلامي في إندونيسيا، والذي كان يعتمد سابقاً بشكل كبير على مجرد تقديرات للإمكانات المتاحة.
وقالت: "كنا لفترة طويلة نعتمد على رقم تقديري لإمكانات الزكاة يصل إلى نحو 327 تريليون روبية وكأنه رقم ثابت. ونأمل أن يقدم هذا المسح الجديد رؤية محدثة لوجه العمل الخيري الإسلامي في إندونيسيا اليوم، سواء من حيث سلوك المجتمع، أو أنماط التوزيع، أو مسارات الاستفادة".
ووفقاً لنتائج المسح، تُقدّر القيمة الإجمالية لأموال العمل الخيري الإسلامي (ZISWAF) للمجتمع المسلم الإندونيسي بنحو 343 تريليون روبية سنوياً. وجاءت المساهمة الأكبر من الإنفاق والصدقة بقيمة 221.7 تريليون روبية، تليها الأضاحي بـ52.3 تريليون روبية، ثم الوقف بـ33.6 تريليون روبية، وزكاة المال بـ27 تريليون روبية، وزكاة الفطر بـ8.4 تريليون روبية.
وأشارت الأستاذة أميلية إلى أن هذه الأرقام تعكس تمتع المجتمع الإندونيسي بمستوى عالٍ جداً من العطاء والسخاء. ومع ذلك، فإن التحدي الأكبر حالياً لا يكمن في ضعف مشاركة المجتمع، بل في كيفية إدارة هذه الإمكانات الضخمة لتحقيق أثر اجتماعي أوسع وأكثر استدامة.
وأضافت: "تظهر نتائج المسح أن المجتمع المسلم الإندونيسي معطاء للغاية. وتحدينا الراهن يكمن في بناء الثقة، وتعزيز الحوكمة المؤسسية، وضمان إدارة هذه الأموال الخيرية بكفاءة أعلى للاستجابة للمشكلات الاجتماعية المختلفة التي يواجهها المجتمع".
كما أظهر المسح أن الممارسات الخيرية للمجتمع لا تزال تهيمن عليها آلية التوزيع المباشر إلى المستحقين، أو المساجد، أو لجان الزكاة المحلية، أو الشخصيات المجتمعية. ويعكس هذا من جهة قوة التضامن الاجتماعي على مستوى القاعدة الشعبية، ولكنه من جهة أخرى يظهر وجود مساحة كبيرة لتعزيز الدور المؤسسي للمنظمات الخيرية حتى يكون للأموال المجموعة أثر أكثر تنظيمًا واستدامة.
وترى الأستاذة أميلية أن تعزيز المنظومة الخيرية يمثل أجندة مهمة للمرحلة المقبلة، مؤكدة على ضرورة تقوية التعاون بين المؤسسات الرسمية، والمجتمعات المحلية، والحكومة، والمجتمع لرفع كفاءة الاستفادة من أموال التبرعات والأوقاف.
ومن بين النتائج البارزة الأخرى للمسح، الدعم المجتمعي الكبير لتوجيه أموال الزكاة والصدقات نحو البرامج الإنتاجية؛ حيث أبدى 81% من المستجيبين موافقتهم على استخدام أموال الزكاة لتحسين رفاهية المجتمع بشكل مستدام عبر برامج التمكين المختلفة.
كما وجد المسح أن مكافحة الفقر تأتي في مقدمة أولويات المجتمع عند استخدام زكاة المال وعوائد إدارة الأوقاف. علاوة على ذلك، يدعم المجتمع استخدام أموال العمل الخيري الإسلامي في قطاعات التعليم، والصحة، والمساعدات الإنسانية، والتنمية الاقتصادية المجتمعية.
وبحسب الأستاذة أميلية، فإن هذه النتائج تؤكد أن العمل الخيري الإسلامي في إندونيسيا يمر بمرحلة جديدة؛ حيث قالت: "ينظر المجتمع الآن إلى الزكاة والوقف ليس فقط كأدوات للإغاثة المؤقتة، بل كأدوات للتنمية أيضاً. وهذا تطور مهم للغاية لأنه يعكس وجود دعم عام لاستخدام الأموال الخيرية لخلق تغيير اجتماعي أكثر استدامة".
من جانب آخر، كشف المسح أن التحول الرقمي في إدارة أموال العمل الخيري الإسلامي لا يزال يتطلب جهداً مشتركاً، إذ إن غالبية المعاملات الخيرية لا تزال تتم نقداً وتقليدياً (بدون إنترنت)، مما يستدعي تعزيز الخدمات الرقمية، ورفع الوعي المجتمعي، وابتكار خدمات يسهل للجمهور الوصول إليها.
كما أظهرت النتائج وجود إمكانات هائلة لتطوير الوقف النقدي. ورغم أن نسبة المشاركة في الوقف لا تزال منخفضة نسبياً، إلا أن غالبية المستجيبين أبدوا رغبتهم في الوقف النقدي إذا توفرت المعلومات الكافية وسهولة الوصول إلى قنوات الوقف.
وفي السياق ذاته، أكد مؤسس والباحث الرئيسي في مؤسسة "مؤشر السياسة الإندونيسية" (Indikator Politik Indonesia)، الأستاذ برهان الدين مهتدي، أن نتائج المسح تؤكد وجود تطلعات شعبية قوية لتوجيه أموال التبرعات نحو برامج الحد من الفقر وتمكين المجتمع.
من جانبه، اعتبر مدير تمكين الزكاة والوقف بوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية، الأستاذ الدكتور الحاج واريونو عبد الغفور، أن نتائج هذا المسح تمثل ركيزة أساسية لصياغة سياسات الزكاة والوقف بناءً على البيانات الدقيقة والاحتياجات الفعلية للمجتمع.
وبالنسبة لمؤسسة (STF) بجامعة شريف هداية الله، فإن نتائج هذا المسح تؤكد أن مستقبل العمل الخيري الإسلامي في إندونيسيا لا يتحدد فقط بحجم الأموال المحتملة المتاحة، بل بقدرة جميع الجهات المعنية على بناء الثقة، وتعزيز الحوكمة، وتسريع التحول الرقمي، وضمان تحقيق أموال الزكاة والوقف لأثر ملموس في مسيرة التنمية الوطنية.
ومع وصول قيمته إلى 343 تريليون روبية سنوياً، يحتل العمل الخيري الإسلامي بمختلف روافده موقعاً استراتيجياً كأحد الأدوات الاجتماعية الفاعلة المساهمة في تحقيق رؤية التنمية الشاملة لإندونيسيا لعام 2045.
(صادر عن مركز المعلومات والعلاقات العامة)
