رمضان واختبار حساسيتنا

رمضان واختبار حساسيتنا

أحمد ثولابي خارلي
(أستاذ في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا)

يأتي شهر رمضان دائمًا بالمهمة ذاتها: استراحة من صخب الحياة، وفرصة لإعادة ترتيب الباطن، ونداء لتنقية علاقة الإنسان بربه وبالآخرين. غير أن خبرتنا الاجتماعية تُظهر أن نموّ التديّن لا يواكبه دائمًا نموّ الحساسية تجاه المعاناة التي تجري حولنا.

إن الصيام يكوّن تجربة وعي مميّزة؛ فالجسد يشعر بحدوده، ويصبح الانتباه أكثر حساسية، وتغدو حقيقة حاجات الإنسان أكثر وضوحًا في الحياة اليومية. إن تجربة الجوع في الصيام تفتح الوعي على حقيقة أن الجوع جزء من الحياة اليومية لملايين البشر.

كما أن تجربة كبح النفس تُنشئ انضباطًا أمام النزعات الاستهلاكية، وتكشف كيف يعمل “الأنا الاجتماعي” على المستوى الجمعي من خلال النظام الاقتصادي والسياسات العامة والبنية الاجتماعية.


الروحانية وعدم المساواة

يحلّ رمضان هذا العام في سياق اجتماعي مألوف نسبيًا للمجتمع الإندونيسي. فمع اقتراب شهر الصيام يزداد نمط الاستهلاك، وتميل أسعار بعض السلع الغذائية إلى الارتفاع، كما تتزايد نفقات الأسر بسبب الاحتياجات الموسمية، بدءًا من الاستعداد للعبادة وصولًا إلى التقاليد الاجتماعية والعائلية.

بالنسبة لبعض الفئات ذات الدخل الثابت يمكن إدارة هذه التغيّرات بوصفها إيقاعًا سنويًا. أما بالنسبة للعمال ذوي الدخل غير المستقر، فإن هذه التغيّرات الموسمية كثيرًا ما تتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق اليومي.

في مثل هذه الظروف تتشكّل تجربة رمضان من خلال الاستعداد الروحي، إلى جانب قدرة الأسرة الاقتصادية على التكيّف مع الدورة الاجتماعية السنوية.

في الفضاء الرقمي تبدو مظاهر التضامن وفيرة عبر الشعارات والحملات والتعبيرات الرمزية. لكن في الواقع المعيش، ليس لدى الجميع الرفاهية ذاتها لاستقبال رمضان بالطمأنينة نفسها. فهناك من يتحمّل الجوع عبادةً، وهناك من يتحمّله اضطرارًا بسبب بنية اجتماعية قاهرة.

هنا يصبح رمضان مرآة تعكس التقوى الفردية، كما تكشف في الوقت ذاته مستوى العدالة الاجتماعية التي نبنيها معًا.

في التراث الفكري الإسلامي الكلاسيكي، لم يُفهم الصيام قط بوصفه ممارسة زهدية فردية فحسب. فقد أكد الإمام أبو حامد الغزالي (ت. 1111م) أن الجوع المتعمَّد ينبغي أن يوقظ الوعي بالجوع غير القابل للتجنّب. فالصيام تربية على التعاطف الاجتماعي، والتعاطف إذا كان حقيقيًا فإنه يطالب دائمًا بتغيير أسلوب العيش المشترك.

ويبرز هنا سؤال أساسي: هل توسّع تجربة رمضان حقًا دائرة التضامن الاجتماعي، أم أنها تعزّز الطقوس الرمزية دون أن تُحدث تحوّلًا بنيويًا؟

إن الهشاشة الاجتماعية في إندونيسيا ليست مجرد ظاهرة فردية؛ بل هي نتاج بنيوي. فالعمال اليوميون بلا ضمان، والأسر الحضرية ذات القدرة الاقتصادية الهشة، والمجتمعات الساحلية المتأثرة بتغيّر المناخ، والفئات المهمشة التي تعيش في حالة عدم يقين مزمن، كلها أجزاء من بنية مجتمعنا.

لقد أدت سرعة التحضّر إلى تركّز أشكال جديدة من الهشاشة. كما فتح الاقتصاد الرقمي فرصًا جديدة، لكنه في الوقت نفسه وسّع نطاق عدم الاستقرار الوظيفي. ويزيد تغيّر المناخ الضغط على أنظمة الغذاء. وكل هذه العوامل متشابكة فيما بينها.

يرى الاقتصادي أمارتيا سِن (1999) أن التنمية هي عملية توسيع حريات الإنسان ليعيش بكرامة. ووفق هذا الإطار تُفهم اللامساواة بوصفها حالة تقيد مجال الحياة والخيارات وقدرة الإنسان على أن يعيش حياة لائقة.

في هذا السياق يظهر رمضان بوصفه لحظة روحية وعملية لتشكيل الوعي الاجتماعي، توجه الانتباه إلى البنى التي تُبقي الهشاشة قائمة.

وعلى الصعيد العالمي تتضح هذه القضية بصورة أكبر. فالأزمات المناخية والصراعات الجيوسياسية واضطرابات الاقتصاد العالمي تكشف أن الهشاشة أصبحت جزءًا من ديناميات النظام العالمي. فبينما تزداد الترابطات الاقتصادية، فإن تطور التضامن الأخلاقي يسير في مسار مختلف.

إن الصيام يعلّم في جوهره ترابط البشر، لكن النظام العالمي كثيرًا ما يُظهر انفصالًا في المسؤولية. ومن هنا يتحدانا رمضان أن نقرأ الواقع لا بوصفه حقائق اقتصادية فحسب، بل باعتباره قضية أخلاقية وحضارية.


المسؤولية الاجتماعية

يأتي رمضان بوصفه حدثًا دينيًا يحمل آثارًا اجتماعية في إدارة الحياة المشتركة. فاستقرار أسعار الغذاء، وحماية العمال في القطاع غير الرسمي، وإتاحة الخدمات الصحية، وتوزيع المساعدات الاجتماعية، كلها عناصر من الحوكمة العامة التي تمس حياة الناس مباشرة. وكل ذلك يتعلق بكرامة الإنسان الذي يمارس حياته الروحية في ظل ظروف مادية غير متكافئة.

في إطار مقاصد الشريعة، يتمثل هدف الشريعة الإسلامية في حفظ الحياة والعقل والمال والكرامة الإنسانية. إن البنية الاجتماعية التي تسمح بانتشار الفقر البنيوي تعني الفشل في حماية الحياة. كما أن التفاوت الشديد يجرح الكرامة، ويؤدي انعدام الأمن الاقتصادي إلى إضعاف قدرة الإنسان على استخدام عقله وإمكاناته على الوجه الأمثل.

وبعبارة أخرى، فإن الظلم الاجتماعي ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو أيضًا قضية أخلاقية جماعية في الحياة المشتركة.

إن تقديم المساعدة الآنية عمل نبيل، غير أن مقاصد الشريعة تطالب بحماية بنيوية. فالتضامن لا يكفي أن يكون ذا طابع خيري، بل ينبغي أن يُؤسَّس في نظم التوزيع والحماية الاجتماعية وإدارة الاقتصاد العادل.

وقد سمّى الفيلسوف هانس يوناس (1979) ذلك بـ“حتمية المسؤولية”، أي الواجب الأخلاقي لضمان أن تحافظ الأفعال الاجتماعية والسياسات العامة على استدامة الحياة الإنسانية. ووفق هذا المنظور تُقاس السياسات العامة ليس فقط بالكفاءة التقنية، بل أيضًا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الفئات الضعيفة.

كما أكد المفكر فضل الرحمن (1982) أن الإسلام يهدف إلى بناء مجتمع أخلاقي، لا مجرد أفراد صالحين. وهذه الأخلاق الاجتماعية تُختبر في طريقة إدارة الدولة للرفاه، وفي كيفية توزيع الفرص داخل السوق، وفي كيفية استجابة المجتمع للمعاناة.

إن ارتفاع أسعار الغذاء يؤثر مباشرة في تراجع مستوى معيشة الناس، كما أن سوء توجيه الحماية الاجتماعية يؤدي إلى تآكل كرامة الإنسان في حياته اليومية.

يربّي رمضان الحساسية تجاه مثل هذه التجارب الواقعية، ويعلّم أن كل قرار اجتماعي يحمل تبعات أخلاقية.

فالصيام يمثل عملية تعلم جماعية تنمّي الحس الاجتماعي في الحياة المشتركة. وتتطور التقوى عبر ممارسة العبادة الفردية، وتنعكس كذلك في بناء بنية اجتماعية عادلة.

إن استقبال رمضان يعني استقبال مسؤولية أن نرى بوضوح أكبر، ونشعر بعمق أكبر، ونتصرف بعدل أكبر. إنه يدعونا إلى إعادة النظر في أولوياتنا: هل النظام الذي نبنيه يكرّم الإنسان، أم يطبع اللامساواة ويجعلها أمرًا عاديًا؟

في عالم سريع الحركة كثيرًا ما يفقد الصبر، يعلّمنا الصيام التوقف. وفي مجتمع اعتاد اللامساواة، يعلّمنا الصيام الحساسية. وفي الحياة العامة التي تنشغل بالكفاءة التقنية، يذكّرنا الصيام بأهمية المعنى الأخلاقي.

وفي ظل الأزمات العالمية، والتغيرات الاجتماعية السريعة، والضغوط الاقتصادية المتعددة، يصبح التأمل الرمضاني حاجة روحية وحضارية في آن واحد.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق للصيام: أن الجوع الذي نشعر به لحظات هو نداء لإزالة الجوع الذي يعانيه الآخرون دائمًا. وأن كبح النفس هو طريق لتعلم إفساح المجال للآخرين. وأن الروحانية الحقيقية لا تبتعد عن العالم، بل تُهذّب طريقتنا في رعايته.

فإذا كان رمضان يغيّر فقط مواعيد طعامنا، فإنه لم يغيّر وعينا بعد. أما إذا جعلنا أكثر حساسية تجاه المعاناة، وأكثر عدلًا في السياسات، وأكثر تعاطفًا في الحياة الاجتماعية، فحينئذ يصبح حقًا عبادة تكرّم الإنسان.

وهنا يكمن المعنى الأعمق لاستقبال رمضان: أن ندخل الشهر الكريم طريقًا نحو بناء مجتمع أكثر إنسانية.

نُشر هذا المقال في صحيفة «ميديا إندونيسيا» يوم الأربعاء، 4 مارس 2026.