خارطة طريق جديدة للمسار المهني للأستاذ الجامعي
أحمد ثولابي خارلي
(أستاذ كرسي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية – جاكرتا،
عضو مجلس التعليم العالي بوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا في جمهورية إندونيسيا)
جاكرتا – كثيرًا ما يُنظَر إلى التغييرات التنظيمية على أنها مجرد استبدال مواد وفقرات قانونية. غير أن التغيير في سياق التعليم العالي يمسّ جوهر المنظومة الأكاديمية ذاتها، أي كيفية تعريف مهنة الأستاذ الجامعي، وكيفية بناء مساره الوظيفي، وكيف تُضمَن رفاهيته واستقراره المهني.
ومن هنا، ينبغي قراءة اللائحة الوزارية لوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا رقم 52 لسنة 2025 بشأن مهنة الأستاذ الجامعي ومساره الوظيفي ودخله بوصفها خارطة طريق جديدة للمسار المهني للأستاذ الجامعي في إندونيسيا، إذ توفّر إطارًا معياريًا واستراتيجيًا لتعزيز مكانة المهنة الأكاديمية. وقد حلّت هذه اللائحة رسميًا محل اللائحة السابقة رقم 44 لسنة 2024 الصادرة عن وزارة التعليم والثقافة والبحث والتكنولوجيا، استجابةً للحاجة إلى تعزيز حوكمة شؤون أعضاء هيئة التدريس في ظل ديناميات نظام التعليم العالي الوطني.
ويمثّل هذا التغيير محاولةً لتوحيد وتنظيم الإطار القانوني بما يوضّح العلاقة بين المهنة والمسار الوظيفي والدخل في منظومة واحدة متكاملة ومستدامة.
ركائز المسار الوظيفي للأستاذ الجامعي
تُعدّ إحدى أبرز نقاط القوة في اللائحة رقم 52 لسنة 2025 اتساقها في بناء المسار الوظيفي للأستاذ الجامعي على ثلاث ركائز رئيسة: المهنة، والمسار الوظيفي، والدخل. وقد نُظِّمت هذه الركائز بصورة منهجية ومترابطة، كما هو مبيّن في خارطة طريق المسار المهني للأستاذ الجامعي التي عمّمتها المديرية العامة للتعليم العالي.
أولًا، تؤكد ركيزة مهنة الأستاذ الجامعي من جديد على وضع الأستاذ بوصفه مربيًا محترفًا. وتُوضّح اللائحة بجلاء التمييز بين الأستاذ الدائم وغير الدائم، من خلال مؤشرات موضوعية، منها: الحد الأدنى لعبء العمل (12 ساعة معتمدة)، وتحقيق أداء مُخطط ومراقَب في مجالات ثلاثية التعليم العالي (التعليم، والبحث، وخدمة المجتمع)، فضلًا عن وجوب التسجيل في قاعدة بيانات التعليم العالي الوطنية. ويُعدّ هذا التوضيح أمرًا جوهريًا لإنهاء الغموض الذي طالما أحاط بوضعية الأساتذة، وما ترتّب عليه من عدم استقرار في المسار المهني والحقوق المعيشية.
ثانيًا، تُنظَّم ركيزة المسار الوظيفي عبر آليات إدارة الأداء والترقية في الرتب الأكاديمية، بدءًا من مساعد أستاذ، ثم محاضر، فمحاضر أول، وصولًا إلى الأستاذية، ضمن نظام تأهيلي تدريجي ومنهجي.
واللافت أن الترقية لم تعد تُفهم بوصفها إجراءً إداريًا صرفًا، بل أصبحت عملية قائمة على مؤشرات أداء الأستاذ الجامعي التي يحدّدها الوزير، مع إتاحة المجال للمؤسسات الجامعية لإضافة مؤشرات سياقية تتوافق مع رؤيتها ورسالتها المؤسسية.
ثالثًا، تتناول ركيزة الدخل تنظيمًا أكثر شمولًا. فإلى جانب الراتب الأساسي والبدلات الملازمة، تقوم اللائحة بتوحيد مختلف أشكال الدخل الأخرى، مثل: بدل المهنة، والبدل الوظيفي، والبدل الخاص، وبدل شرف الأستاذية، والمنافع الإضافية، ضمن إطار قانوني واضح. كما تؤكد اللائحة مبدأ المساواة في بدل المهنة للأساتذة غير المنتمين إلى السلك الوظيفي الحكومي، متى استوفوا شروط الشهادة المهنية ومتطلبات الأداء.
الفروقات الجوهرية مع اللائحة السابقة
مقارنةً باللائحة رقم 44 لسنة 2024، تبرز عدة اختلافات أساسية. أولًا، أصبح تعريف الأستاذ الدائم وصيغته القانونية أكثر دقة وقابلية للتطبيق العملي، بعدما كان في السابق ذا طابع معياري عام، وهو ما ينعكس مباشرة على حقوق الترقية والبدلات.
ثانيًا، جرى توسيع وتعزيز آليات الترقية الأكاديمية، من خلال الإقرار الصريح بمسار الترقية السريعة للأساتذة ذوي الإنجازات الاستثنائية، والتي ستُنظَّم لاحقًا عبر أدلة إجرائية خاصة، في تحول واضح من منطق الأقدمية إلى منطق الجدارة الأكاديمية.
ثالثًا، شهدت اللائحة تعزيزًا ملحوظًا في تنظيم دخل الأساتذة غير الحكوميين، ولا سيما في ما يتعلق بآليات معادلة بدل المهنة، وهو ما يؤكد حضور الدولة في ضمان العدالة في الأجور، حتى خارج نظام الوظيفة العامة.
رابعًا، أصبح تنظيم وضع الأستاذ الفخري (إيميريتوس) أكثر منهجية، إذ يُسمح للأساتذة المتقاعدين بالاستمرار في الإسهام الأكاديمي في الجامعات الخاصة حتى سن الخامسة والسبعين، مع الاعتراف بوضعهم كأعضاء هيئة تدريس دائمين في منظومة ضمان الجودة، وإتاحة فرص التمويل البحثي وخدمة المجتمع من الميزانية العامة للدولة. ويُعدّ ذلك تقديرًا لرأس المال الفكري الذي لا ينبغي أن ينقطع لمجرد بلوغ سن التقاعد الرسمي.
الأثر على المسار المهني
في جذوره العميقة، يُمكن فهم اللائحة رقم 52 لسنة 2025 بوصفها ترجمةً تنفيذية لمضامين القانون رقم 14 لسنة 2005 بشأن المعلمين والأساتذة والقانون رقم 12 لسنة 2012 بشأن التعليم العالي، اللذين رسّخا مكانة الأستاذ الجامعي كمهنة ذات مسؤوليات أكاديمية وحقوق مالية لائقة والتزام بضمان جودة ثلاثية التعليم العالي.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز مؤشرات الأداء والشهادة المهنية في هذه اللائحة يُجسّد توجهًا نحو ترسيخ المساءلة المهنية بما يتوافق مع مبادئ الحوكمة الحديثة في التعليم العالي.
ملاحظات ختامية
تتطلب هذه اللائحة، من جانب الحكومة، إصدار سياسات تنفيذية متّسقة، ولا سيما الأدلة الإجرائية المتعلقة بالترقية السريعة ومؤشرات الأداء، تفاديًا لتعدد التأويلات.
أما الجامعات، فهي مطالَبة بإحداث تحول ثقافي في إدارة الموارد البشرية الأكاديمية، بحيث يصبح التخطيط للمسار المهني عملية استباقية قائمة على التطوير المستدام، لا مجرد استجابة ظرفية.
وبالنسبة للأساتذة، تمثل هذه اللائحة فرصةً لاستعادة جوهر المهنة باعتبارها مسار خدمة قائمًا على التميز الأكاديمي، حيث يغدو التخطيط المهني، والاستمرارية البحثية، والنزاهة العلمية، مفاتيح أساسية لعبور خارطة الطريق هذه بكرامة ومهنية.
وفي المحصلة، تفتح اللائحة رقم 52 لسنة 2025 آفاقًا استراتيجية لإعادة تنظيم المسار المهني للأستاذ الجامعي على أسس أكثر عدلًا وشفافية وتركيزًا على الجودة. ويبقى نجاحها مرهونًا بمدى التزام جميع الأطراف المعنية بتنفيذها بوصفها أداةً لتحويل الإدارة الأكاديمية وتعزيز مكانة الأستاذ الجامعي ومستقبل التعليم العالي في إندونيسيا.
نُشرت هذه المقالة في موقع “ديتيك” يوم الاثنين، 19 يناير 2026.
