جيل بلا تزييف
بقلم: د. تانتان هيرمانساه
(أستاذ علم الاجتماع الحضري بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
في الوقت الراهن، كثيراً ما نشهد كيف يبدو جيل الشباب الحالي، المعروف بـ "الجيل زد" (Gen-Z)، وكأنه يخوض معركة مقاومة ضد السرديات الكبرى المهيمنة في صناعة المظاهر. ونحن نعلم أنه خلال العقود القليلة الماضية، انتشرت بشكل واسع ظاهرة تقليد المنتجات الإبداعية التابعة لعلامات تجارية شهيرة، تحت ذريعة الرغبة في مواكبة الموضة وتيارات العصر رغم محدودية القدرة المادية.
وبناءً على ذلك، رضي قطاع واسع من الأجيال السابقة بشراء السلع المقلدة (الـ KW)، نظراً لأنها من الناحية البصرية تكاد لا تختلف عن الأصلية، لا سيما عند عرضها على منصات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يبدو أن هذا السلوك يتناقض تماماً مع رؤية "الجيل زد" الخاصة للموضة، والمظهر، وكيفية التعبير البصري عما يمتلكونه.
فبالنسبة لهم، لم يعد المظهر يُقاس بمدى قوة حضور شعار فاخر (Logo) ملتصق بأجسادهم، بل بات التركيز ينصب على مدى قدرة الفرد على الثبات والاتساق مع "أصالة" المنتج وأوتار هويته الحقيقية.
إن "الجيل زد" يفضل بوضوح اختيار الملابس المستعملة أو الأزياء التي ارتداها مالكوها الأوائل لسنوات طوال، شريطة أن تكون منتجاً أصلياً (Original)؛ ومن هذا المنطلق، يتعين عليهم أيضاً فهم وتتبع الأثر التاريخي الكامن في هذا المنتج. وهذا ما نلمسه اليوم في الواقع كظاهرة اجتماعية متنامية تُعرف بـ "الثريفتنج" (Thrifting - تسوق المستعمل)، وبعبارة أخرى، فقد تحول "الثريفتنج" اليوم إلى "ثقافة فرعية" (Subculture) واسعة النطاق ذات حضور طاغٍ.
ويبدو أن هذا التوجه قد ترسخ كبنية سلوكية وفعل مباشر يعبر عنه "الجيل زد". ومن ثم، فهم يبدون وكأنهم يرسخون رسالة مبطنة إلى آبائهم؛ رسالة مفادها: "لا تستسلموا للمظاهر البصرية الزائفة التي تفقد الأشياء هالة أصالتها وجودتها الحقيقية".
التحليل النظري: بيير بورديو والتميز الطبقي (Distinction)
إذا حاولنا فهم هذه الظاهرة من زاوية نظرية، لاسيما الأسباب التي جعلت الزيف البصري يفقد بريقه وجاذبيته لدى "الجيل زد"، فإن أطروحات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو تبدو مثيرة للغاية للاهتمام. حيث يرى بورديو أن الاستهلاك الثقافي في جوهره ليس سوى ميدان صراع لإثبات التمايز والتفوق الطبقي، أو ما يُعرف بـ "التميز" (Distinction).
وإذا كان الجيل السابق قد وقع في فخ "الهابيتوس" (Habitus - البنية المستبطنة) القائم على محاكاة وتقليد كل ما هو شائع وشعبوي، ولو على حساب الخصائص الداخلية والجوهرية للمنتج، وممارسة هذا السلوك عبر استهلاك السلع المقلدة (الـ KW) بهدف التلاعب برأس المال الثقافي والرمزي، فإن هذا الصنيع يثير حفيظة واشمئزاز "الجيل زد"؛ ذلك لأن هذه الوجاهة المصطنعة لا تترك في النفس سوى ندوب غائرة تؤكد عدم صدق المرء مع ذاته ومع ما يرتديه في سبيل إرضاء حسابات خارجية مجردة.
وفي هذا السياق، يقول بورديو:
"وبعبارة أخرى، فإن الفواعل الاجتماعية المصنَّفة وفقاً لتصنيفاتهم، يميزون أنفسهم من خلال التمايزات والتمييزات التي يصنعونها".
وفي منظور "الجيل زد"، يمثل هذا السلوك فخاً حقيقياً، ولذا بادروا بمقاومة هذه الرؤية الكلاسيكية للمظاهر؛ حيث فضلوا الذهاب في رحلات البحث عن الملابس والأزياء المستعملة في أسواق "الثريفتنج". ورغم أن الملابس التي يرتدونها قد تبدو أكثر رثاثة وقِدماً مقارنة بالملابس الجديدة، إلا أنها في نظرهم أغلى قيمة وأكثر نيلاً للاحترام من استخدام أزياء مقلدة وزائفة.
منظور ميشيل فوكو: السلطة والرأسمالية
ومن زاوية أخرى، إذا نظرنا إلى المسألة من خلال مقاربة المفكر ميشيل فوكو، يمكن القول إن تدفق السلع والأزياء المقلدة يمثل الابن الشرعي للنظام الرأسمالي؛ حيث تعمد السلطة الرأسمالية إلى إعادة إنتاج صياغات بصرية تهدف إلى جعل البشر يبدون متشابهين ومستنسخين أمام الجميع، حتى وإن كان هذا التشابه مبنياً على أساس من الزيف والخداع.
ويوضح فوكو أن السلطة لا تعمل عبر القمع المادي الفيزيائي فحسب، بل تمتد لتمرير هيمنتها عبر آليات "المأسسة والمعايرة" (Normalization) والرقابة غير المرئية، تماماً كنموذج "البانوبتيكون" (المراقبة الشاملة). وفي ظل المنظومة الإعلامية المعاصرة وتمدد شبكات التواصل الاجتماعي، فإن الأنماط والموضات المعروضة التي تتلقاها أعين المستخدمين ليست سوى شكل من أشكال "المعايرة" والعدوى الهيمنية؛ حيث يُحرم الفرد من الاعتراف بكيانه ووجوده داخل جماعة ما إذا أخفق في مجاراة تيارات الموضة السائدة هناك.
بيد أنه عند تشريح ممارسة "الثريفتنج"، نجد أن "الجيل زد" يطبق ما أسماه فوكو بـ "تقنيات الذات" (Technologies of the self)، وهي تقنيات إدارة ونحت الكينونة الذاتية.
ويعد هذا السلوك تعبيراً حياً وممارسة فعلية لروح الاستقلالية الذاتية، ورغبة جامحة في التحرر من النماذج المعيارية لصناعة "الموضة السريعة" (Fast Fashion) القائمة على الاستغلال؛ حيث يعيد هؤلاء الشباب بناء رؤيتهم الخاصة للثقافة، والذات، والجسد، والتعبير عنها في فضاءات أرحب وأوسع.
تفكيك "المحاكاة والزيف" (Simulacrum) عند جان بودريار
بناءً على ما تقدم، يتضح لنا أن ما يقدمه "الجيل زد" يمثل ظاهرة "الجيل الخالي من التقليد والزيف"؛ وهي بمثابة صفعة قوية لوعي الأجيال السابقة التي خضعت طويلاً لسطوة القوى الخارجية (External force)، مما تسبب في تشويه بل ومحو هوياتها الأصلية الأصيلة.
وهذا يقودنا للتقاطع مع أطروحة الفيلسوف جان بودريار حول "المحاكاة والتزييف" (Simulacrum)؛ وهي الحالة التي يتفوق فيها النموذج المقلد والمقدس على الأصل ذاته، وتصبح الصورة السطحية أكثر تبجيلاً وتعظيماً من الحقيقة الواقعية.
وهنا يأتي "الجيل زد"، بكل ما يملكه من جسارة ثقافية، ليقود عملية تفكيك جماعي (Deconstruction) لهذا الزيف والمحاكاة؛ إنهم يبدون كمن يذكرنا جميعاً بأن الهوية الإنسانية لا ينبغي لها أن تُبنى على أسس واهية ورخوة من مساحيق التجميل الزائفة.
لذا، فإن اختيارهم للملابس المستعملة الأصلية ليس مجرد عملية شراء لسلع قديمة، بل هو إعلان عن وعي يتشكل عبر شعور بالأصالة، والنقاء، واحترام الثقافة والإبداع. ونحن نعلم يقيناً أن الثقافة والإبداع هما وقود الحضارة وشعلتها التي تقود حوار الأرواح والهمم بين مختلف الأجيال.
ملحوظة: نُشر هذا المقال في صحيفة "كومباس" (Kompas) يوم الاثنين، 25 مايو 2026.
