جيل الساندويتش والعيش الاقتصادي
بقلم: البروفيسور الدكتور محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف المعيشة، وحالة عدم اليقين التي تكتنف الاقتصاد العالمي، وانكماش المساحة المالية المتاحة للأسر، برز مصطلحان باتا أكثر تداولاً وقرباً إلى مسامع المجتمع الإندونيسي، وهما جيل الساندويتش والعيش الاقتصادي. وقد تحول هذان المفهومان إلى مادة دسمة للنقاش اليومي، لا سيما بين أوساط الطبقة الوسطى المستقرة في المناطق الحضرية. ويشير مصطلح جيل الساندويتش إلى تلك الفئة العمرية المنتجة التي تجد نفسها مجبرة على تحمل الأعباء الاقتصادية لجيلين متعاقبين في آن واحد، فهم يعيلون من جهة آباءهم وأمهاتهم الذين دخلوا مرحلة الشيخوخة، ومن جهة أخرى أطفالهم الذين لا يزالون يعتمدون عليهم اعتماداً مالياً كاملاً. وفي المقابل، يأتي مفهوم العيش الاقتصادي ليمثل نمط حياة يقوم على الادخار، ويركز على ضبط النفقات بشكل واعٍ ومدروس ووفقاً للاحتياجات الفعلية فقط.
وأمام هذا الواقع، يطرح التساؤل نفسه حول ما إذا كان العيش الاقتصادي يمكن أن يشكل مخرجاً حقيقياً لجيل الساندويتش المحاصر بالضغوط الاقتصادية، أم أنه مجرد استراتيجية موقتة للبقاء لا تلامس جذور المشكلة الهيكلية. ويكتسب هذا التساؤل أهمية بالغة في الوقت الراهن مع دخول إندونيسيا رسمياً مرحلة شيخوخة المجتمع، حيث تظهر بيانات الهيئة المركزية للإحصاء أن نسبة كبار السن في البلاد قد سجلت ارتفاعاً ملحوظاً يعلن بوضوح دخول الدولة عصر الشيخوخة السكانية.
واقع الضغوط وتماسك البنية الأسرية
إن التداعيات المترتبة على هذه البيانات الديموغرافية تبدو جلية، حيث تقع على عاتق الفئات السكانية في سن العمل مسؤولية متزايدة لتغطية تكاليف معيشة كبار السن، في الوقت الذي يتعين عليهم فيه تمويل التعليم والرعاية الصحية وتأمين المستقبلي لأبنائهم. وفي ظل بنية الأسرة الإندونيسية التي لا تزال متمسكة بقوة بقيم التكافل الاجتماعي والروابط العائلية المشتركة، فإن مساعدة الوالدين لا تندرج تحت بند الخيارات الشخصية، بل تُعد واجباً أخلاقياً أصيلاً. ويضاف إلى ذلك أن قطاعاً عريضاً من الآباء يدخلون مرحلة التقاعد دون امتلاك صناديق معاشات كافية، مما يجعل الأبناء المصدر الرئيسي والوحيد للدعم. وفي المقابل، تشهد تكاليف تنشئة الأطفال تصاعداً مستمراً، فالتعليم عالي الجودة يزداد غلاءً، وتكاليف الرعاية الصحية ترتفع سنوياً، وتملك المساكن في المدن الكبرى بات أمراً بعيد المنال.
وفي هذا السياق، يواجه العاملون موقفاً متناقضاً، فهم من ناحية يمرون بذروة عطائهم وإنتاجيتهم المهنية، ولكنهم من ناحية أخرى يرون دخولهم تتلاشى بالكامل لتلبية احتياجات العائلة الممتدة. وتتسبب هذه الظاهرة في حرمان جيل الساندويتش من القدرة على بناء الأصول أو الادخار أو الاستثمار لمستقبلهم الخاص، مما يؤدي إلى نشوء حلقة مفرغة تتوارثها الأجيال واحداً تلو الآخر. والمفارقة تكمن في أن العديد من أفراد هذا الجيل يبدون في ظاهرهم مستقرين وميسوري الحال، إذ يمتلكون وظائف ثابتة ومركبات خاصة وبيوتاً يجرى سداد أقساطها عبر القروض، غير أن واقعهم المالي هش للغاية، وأي هزة متمثلة في فقدان الوظيفة أو تراجع الدخل أو ظهور مصاريف علاجية طارئة كفيلة بإنهاء هذا الاستقرار المزعوم فوراً.
هشاشة الطبقة الوسطى وخيار التقشف الصارم
لا يمكن فصل معضلة جيل الساندويتش عن الوضع العام للطبقة الوسطى في إندونيسيا، فخلال السنوات القليلة الماضية، أظهرت المؤشرات الاقتصادية حجم الضغوط المتزايدة على هذه الشريحة، حيث أسهمت قفزات أسعار الغذاء ورسوم التعليم وأقساط العقارات وأقساط التأمين وتكاليف النقل في خنق القدرة الاستهلاكية. وأشارت تقارير البنك الدولي الأخيرة إلى تراجع نسبة العمال الذين يتمتعون بدخول تضعهم في مصاف الطبقة الوسطى، مما يؤكد الصعوبة البالغة التي باتت تكتنف الحفاظ على هذا الوضع الاقتصادي في البلاد.
وتحت وطأة هذه الظروف، يبرز جيل الساندويتش كالفئة الأكثر تضرراً وهشاشة، فهم ليسوا من الفقر بمكان ليحصلوا على المساعدات الاجتماعية والرعوية الحكومية، وفي الوقت نفسه لا يملكون الثراء الذي يمنحهم مصدات مالية منيعة، لذلك يُطلق عليهم غالباً الفئة الملحومة بين شقين، إذ يدفعون الضرائب ويحيرون عجلة الاستهلاك، لكنهم يعيشون أزمة مالية طاحنة. وعندما يعاني الدخل من الركود في مقابل قفزات المصاريف، تصبح إعادة صياغة الأنماط الاستهلاكية ضرورة قصوى، ومن هنا بدأ مفهوم العيش الاقتصادي يسترعي الانتباه، بعد أن كان رائجاً بين الشباب كجزء من حركات التحرر المالي، ليتحول الآن إلى استراتيجية دفاعية للبقاء تعتمدها الأسر.
وقد يساء فهم العيش الاقتصادي باعتباره نوعاً من البخل أو الحرمان المفرط، إلا أن جوهره الحقيقي لا يقتصر على مجرد تقليص الإنفاق، بل يتمثل في ضمان تحقيق أقصى منفعة ممكنة من كل وحدة نقدية يتم إنفاقها. وتقوم القاعدة الأساسية على التمييز الصارم بين الحاجيات والرغبات، فشراء القهوة يومياً قد يبدو أمراً هيناً، لكنه يشكل رقماً ضخماً على مدار العام، وينطبق الأمر ذاته على الاندفاع وراء التخفيضات، أو الاشتراك في خدمات رقمية غير مستغلة، أو تغيير الهواتف لمجرد ملاحقة الصيحات الحديثة. إن العيش الاقتصادي يدعو المجتمع إلى تبني قرارات مالية أكثر وعياً ويقظة. وتتجلى هذه السلوكيات بوضوح في سلوك المستهلكين بالطبقة الوسطى، حيث اتجه الكثيرون إلى بدائل أقل سعراً دون التنازل عن الوظائف الأساسية للسلع، فهم يرتادون المراكز التجارية لكنهم يتسوقون بانتقائية شديدة بحثاً عن أفضل الأسعار، مما يبرهن على أن هذا النمط يمثل استجابة عقلانية للضغوط وليس مجرد خيار ترفيهي.
أبعاد الاستراتيجية وحدودها الواقعية
تتعدد المبررات التي تجعل العيش الاقتصادي حلاً واقعياً لجيل الساندويتش، وأولها محدودية الدخل وثباته، حيث لا تملك هذه الفئة القدرة على زيادة مواردها المالية بشكل سريع، فضلاً عن أن العلاوات السنوية تعجز غالباً عن مواكبة قطار الغلاء، مما يجعل التحكم في النفقات خياراً أكثر واقعية من انتظار زيادة الرواتب. وثاني هذه الأسباب هو الحتمية القصوى لبناء صناديق الطوارئ، فجيل الساندويتش يواجه مخاطر مالية مضاعفة مقارنة بغيره، نظراً لاحتمالات التعرض المفاجئ لوعكات صحية تصيب الوالدين أو مصاريف تعليمية طارئة للأبناء، ودون وجود هذا الاحتياطي المالي، فإن أي صدمة صغيرة قد تتحول إلى كارثة مالية مدمرة. وثالثاً، تبرز الحاجة الملحّة لكسر سلسلة التبعية بين الأجيال، فالعديد من الآباء اليوم باتوا يمثلون عبئاً لأن والديهم لم يتركوا لهم معاشات تقاعدية كافية، وإذا لم يجر كسر هذه الحلقة، فإن الأبناء سيواجهون المصير ذاته مستقبلاً، وهنا يمكن للعيش الاقتصادي أن يمثل الخطوة الأولى لبناء مدخرات التقاعد والاستثمارات طويلة الأجل لتجفيف منابع هذه التبعية.
ورغم المزايا المتعددة التي يقدمها العيش الاقتصادي، فإنه لا يمثل علاجاً سحرياً قادراً على استئصال كافة مشاكل جيل الساندويتش، إذ توجد حدود موضوعية يجب الانتباه إليها. فأولاً، هناك نفقات أساسية لا يمكن إخضاعها لمقص الرقابة والتقليص، فالجزء الأكبر من أعباء هذا الجيل يتمثل في مصاريف أولية مثل التعليم والصحة والغذاء والمسكن، وتقليل شرب القهوة قد يساعد قليلاً، لكنه لن يحل المعضلة عندما تصل رسوم الجامعات للأبناء إلى أرقام فلكية سنوياً. وثانياً، يبرز خطر الانزلاق نحو الاستهلاك المتدني الضار، ففي بعض الحالات يؤدي الإفراط في التقشف إلى تراجع جودة الحياة بشكل حاد، كأن يمتنع الأفراد عن التداعي للمستشفيات، أو يؤجلون الفحوصات الطبية الدورية، أو يقللون من جودة التغذية، أو يحرمون أنفسهم من الترفيه الضروري للصحة النفسية، علماً بأن الهدف الأسمى لإدارة الأموال هو تحقيق الرفاهية وليس مجرد كنز الأموال وتكديسها. وثالثاً، فإن أزمة جيل الساندويتش تحمل أبعاداً هيكلية في المقام الأول، فهي لم تولد فقط جراء الأنماط الاستهلاكية، بل نتاج ضعف منظومة الحماية الاجتماعية، وغياب صناديق التقاعد الشاملة، وارتفاع كلفة التعليم، ومحدودية الفرص الوظيفية ذات الأجور المرتفعة، ولذلك فإن الحلول الفردية السلوكية تظل قاصرة ما لم تسندها تدابير عامة.
رؤية مستقبلية: المعرفة المادية والدخل ودور الدولة
لكي يتحول العيش الاقتصادي إلى أداة فاعلة، يجب أن يتلازم مع رفع مستويات الوعي والثقافة المالية، حيث تظهر الدراسات الحديثة وجود علاقة طردية بين الإلمام بقواعد المال وجودة التخطيط المالي طويل الأجل لدى جيل الساندويتش. وكلما زاد فهم الفرد لكيفية إدارة الأموال، تعززت فرص بناء أمانه المالي، وللأسف لا يزال قطاع واسع من المجتمع يختزل التخطيط المالي في فكرة الادخار التقليدي فقط، في حين تشمل الإدارة المالية الحديثة جوانب متعددة تبدأ من صناديق الطوارئ والحماية عبر التأمين والاستثمار، وصولاً إلى تأمين أموال التعليم ومعاشات التقاعد.
ويُعد امتلاك خطة مالية منظمة حاجة ملحة لجيل الساندويتش، وبدونها فإن أي زيادة في الدخل ستنعكس سريعاً في شكل توسع في المظاهر الاستهلاكية ونمط الحياة. وسترتفع كفاءة العيش الاقتصادي إذا اقترنت بالعمل على تنمية مصادر الدخل، فالتركيز على التوفير وحده له سقف محدد لا يمكن تجاوزه، بينما يتيح تعزيز القدرات الإنتاجية مساحة أرحب لتحسين الأوضاع المالية. وتفتح الطفرة الرقمية آفاقاً جديدة، فالوظائف المعتمدة على التكنولوجيا، والتجارة الإلكترونية، والاستشارات المهنية، والاقتصاد الإبداعي، يمكن أن تشكل روافد مالية إضافية للأسر، وتؤكد الأبحاث أن العمل الرقمي عن بُعد بدأ يُنظر إليه كأحد الحلول المساعدة لتمكين هذا الجيل من تحقيق عوائد مرنة مع الوفاء بمسؤولياتهم العائلية، وبالتالي فإن الاستراتيجية المثلى تكمن في الموازنة بين ضغط النفقات وتوسيع الوعاء المالي.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن إلقاء عبء جيل الساندويتش بالكامل على كاهل الأفراد، فللدولة دور محوري في صياغة بيئة داعمة ومساندة، ويأتي تطوير نظام التقاعد الوطني الشامل في مقدمة الأولويات، فكلما تمتع كبار السن بضمانات مالية لمرحلة الشيخوخة، تضاءل العبء الملقى على عاتق الأجيال المنتجة. ويضاف إلى ذلك ضرورة إتاحة التعليم عالي الجودة بأسعار مقدورة، وتقوية المنظومة الصحية، وخلق فرص عمل إنتاجية بأجور عادلة ومجزية كجزء أساسي من الحل.
إن إندونيسيا تسير بخطى متسارعة نحو مجتمع يغلب عليه كبار السن، وإذا لم يجر الاستعداد لهذا التحول منذ الآن، فإن الضغوط الواقعة على جيل الساندويتش ستتضاعف خلال العقود المقبلة. وصحيح أن العيش الاقتصادي لا يمثل الحل الوحيد والنهائي، فهو لن يلغي كلفة التعليم المرتفعة، ولن يعوض غياب شبكات التقاعد، ولن يرفع الدخول سحرياً، ولكنه يحتفظ بالقيمة الاستراتيجية الكامنة فيه، كونه يعين الأسر على بناء الانضباط المالي، وتعزيز صناديق الطوارئ، وكبح الشراء الاندفاعي، وتوفير فوائض للاستثمار طويل الأجل.
وينبغي فهم العيش الاقتصادي في سياق جيل الساندويتش ليس كحالة من العوز والحرمان، بل كفن لإدارة الموارد المحدودة بحكمة بالغة. ومع تعقد المشهد الاقتصادي، يبرز التمييز بين الحاجة والرغبة كمهارة حيوية توازي في أهميتها مهارة جني المال ونيل الدخل. وإن جيل الساندويتش يقف في موقع لا يحسد عليه، فهم يحملون أثقال الماضي عبر رعاية الوالدين، ويتحملون آمال المستقبل من خلال تربية الأبناء، ومع ذلك، فإن المزاوجة بين الوعي المالي الرشيد، ونمط الحياة المسؤول، وتنمية الإنتاجية، مدعومة بسياسات عامة فاعلة، تجعل من التغلب على هذه التحديات أمراً ممكناً وليس مستحيلاً. وقد لا يكون العيش الاقتصادي الكلمة الأخيرة في هذا الصراع، لكنه يظل الخطوة الأولى والضرورية للتحرر من المصائد المالية وكسر هذه السلسلة المتوارثة للأجيال القادمة، فالغاية من الاقتصاد في النفقة ليست تقييد الحياة، بل امتلاك الحرية لصناعة غد أفضل.
نُشر هذا المقال في قسم الآراء بصحيفة "كومباس" (Kompas) الصادرة يوم الخميس، الثامن عشر من يونيو عام ألفين وستة وعشرين.
