توجّه المعرفة العلمية وملاءمتها في كل عصر

توجّه المعرفة العلمية وملاءمتها في كل عصر

محمد عزّ الإسلام النجمي
محاضر في كلية أصول الدين بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا

في الآونة الأخيرة، ظهرت تصريحات عامة بشأن مقترح إغلاق بعض البرامج الدراسية (التخصصات) التي تُعدّ غير متوافقة مع احتياجات الصناعة، وذلك من قبل وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا الإندونيسية. وقد أثارت هذه القضية ردود فعل متعددة، خاصة من الأوساط الأكاديمية والطلاب والمجتمع المهتم بمستقبل التعليم العالي.

وفي خضمّ الدعوات إلى أن تُخرّج الجامعات طلبة “جاهزين لسوق العمل”، يبرز سؤال جوهري: هل الغاية الأساسية من المعرفة هي مجرد تلبية حاجات الصناعة؟ أم أن للعلم وظيفة أوسع من كونه أداة لإنتاج الأيدي العاملة؟

المعرفة لا يجب أن تنتهي دائمًا عند الصناعة

في تاريخ تطور الحضارة الإنسانية، نشأت كثير من فروع العلم لا بسبب حاجة السوق، بل بدافع الفضول والرغبة في الفهم. فالعلوم الدينية، والفلسفة، وعلم الفلك، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، والفنون، والتاريخ، وحتى الرياضيات البحتة، كلها تطورت من رغبة الإنسان في فهم العالم.

إن المعرفة في جوهرها لا تهدف دائمًا إلى غاية عملية مباشرة. فكثير من المعارف الجديدة بدت في بداياتها غير ذات صلة اقتصادية، لكنها أصبحت لاحقًا أساسًا مهمًا للتطور التكنولوجي والاجتماعي.

فعلى سبيل المثال، لم تُطوَّر البحوث في الرياضيات المجردة في القرن الماضي بهدف إنشاء الإنترنت أو الأمن الرقمي، لكن نظريات الأعداد والتشفير أصبحت اليوم أساس أنظمة حماية البيانات في العالم. وما كان يُعدّ “غير عملي” صار لاحقًا حجر الأساس لصناعات المستقبل.

وهذا يعني أن قيمة العلم لا يمكن قياسها فقط بمدى فائدته الآنية؛ فكثير من العلوم تحتاج إلى زمن طويل حتى يظهر أثرها الحقيقي.

التعليم العالي ليس مجرد تدريب مهني

الجامعة ليست مجرد مؤسسة لإنتاج العمال. فالتعليم العالي يؤدي وظيفة أعمق، تتمثل في تكوين الإنسان المفكر، وإنتاج الأفكار، وتطوير النقد الاجتماعي، وحفظ استمرارية المعرفة.

وإذا أصبحت الجامعة موجهة بالكامل نحو الصناعة، فإن التعليم قد يتحول إلى مجرد مركز تدريب مهني، بينما تتحمل الجامعة مسؤولية فكرية في حماية تنوع العلوم والمعارف.

فالبرامج الدراسية التي لا تُعدّ “مربحة” في نظر السوق كثيرًا ما تقدم إسهامات كبرى في الحياة الاجتماعية والثقافية. فالأدب، والتاريخ، والفلسفة، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية تساعد المجتمع على فهم الهوية والصراعات واللغة والتحولات الاجتماعية. وليس كل أثر للعلم قابلًا للقياس بالأرقام الاقتصادية.

كل معلومة جديدة هي معرفة

في العالم الأكاديمي، تحمل كل معلومة جديدة إمكانية التحول إلى معرفة. فالمعرفة لا تعني دائمًا التكنولوجيا المتقدمة أو الابتكار الصناعي. فقد تكون ملاحظة صغيرة، أو أرشيفًا ثقافيًا، أو لغة محلية، أو تقليدًا اجتماعيًا، مصدرًا مهمًا للمعرفة.

وتعمل المعرفة كشبكة مترابطة؛ فقد تبدو معلومة ما بسيطة، لكنها حين تتكامل مع معارف أخرى تنتج فهمًا أعمق وأوسع.

فمثلًا، قد يبدو البحث في اللغات المحلية غير ذي صلة بالصناعة، لكنه يسهم في حفظ الهوية الثقافية، ودعم الدراسات اللغوية، وخدمة التعليم، وتوفير مصادر معرفية للأجيال القادمة. وهنا لا يقتصر هدف العلم على إنتاج السلع، بل يمتد إلى توسيع فهم الإنسان للواقع.

مخاطر إخضاع التعليم لمنطق السوق

الصناعة بطبيعتها متغيرة، وما تحتاجه اليوم قد يختفي خلال خمس أو عشر سنوات. وإذا تم تقييم البرامج الدراسية بناءً على توجهات السوق قصيرة المدى فقط، فإن التعليم العالي سيظل متأخرًا عن التحولات المستقبلية.

ومن أبرز المخاطر الناتجة عن خضوع الجامعة الكامل لمنطق الصناعة:

  • تهميش العلوم التي لا تُدرّ أرباحًا مباشرة.

  • فقدان الجامعة لوظيفتها النقدية تجاه المجتمع.

  • تضييق مساحة الاستكشاف الفكري.

  • دفع الطلاب إلى السعي وراء الوظيفة فقط بدل فهم العالم.

  • تهديد التنوع المعرفي بالاندثار.

فعندما تُقاس جميع العلوم بمعيار الربح الاقتصادي، يفقد التعليم إحدى أعظم قيمه، وهي حرية التفكير.

حماية المنظومة المعرفية

ينبغي للجامعة أن تكون فضاءً يحمي تنوع المعرفة. فهناك علوم تنتج التكنولوجيا، وأخرى تعزز الثقافة، وثالثة تنتقد البنى الاجتماعية، وأخرى تثري فهم الإنسان لذاته وللعالم.

وعندما تُغلق التخصصات بدعوى عدم توافقها مع الصناعة، ينبغي الحذر من اختزال وظيفة التعليم العالي. فالعلم لا يجب أن يُسمح له بالحياة فقط عندما يحقق الربح الاقتصادي، لأن المعرفة استثمار طويل الأمد للحضارة الإنسانية.

فمن يستطيع أن يجزم بأن تخصصًا يبدو اليوم غير مهم لن يصبح غدًا أساسًا لمستقبل البشرية؟

عندما تُقاس الفلسفة بمنطق الصناعة

كثيرًا ما تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي آراء تقلل من أهمية تخصصات مثل الفلسفة بحجة أنها لا ترتبط مباشرة بالصناعة. وهذه النظرة تنطلق من فهم ضيق للتعليم، يربطه فقط بالعائد الاقتصادي وفرص العمل القريبة.

غير أن اعتبار بعض العلوم غير مهمة لأنها لا تبدو مرتبطة بالصناعة هو طرح إشكالي؛ فالمعرفة لا تنشأ من الصناعة وحدها، بل إن الصناعة نفسها كثيرًا ما تقوم على تطور الأفكار والمعارف التي ينتجها المفكرون.

فالفلسفة مثلًا تعلم الإنسان التفكير النقدي والمنطقي والتأملي، وكثير من المفاهيم الحديثة المتعلقة بالأخلاق، والديمقراطية، والقانون، والعلم، والتكنولوجيا، ولدت من التقاليد الفلسفية.

فالصناعة لا يمكن أن تتطور دون تفكير أنطولوجي، والتكنولوجيا لا تولد دون تساؤلات إبستمولوجية، والابتكار لا يظهر دون خيال فكري يتحول لاحقًا إلى قيمة تطبيقية ذات بعد أكسيولوجي.

وعندما يُقال إن الفلسفة غير مهمة لأنها لا تحتاجها الصناعة، فإن ذلك يعكس تضييقًا شديدًا في فهم طبيعة العلم، ويتجاهل أن المعرفة تعمل على المدى الطويل، وأن آثارها لا تظهر دائمًا بشكل مباشر.

فكثير من الابتكارات الكبرى في التاريخ لم تنشأ بسبب حاجة صناعية آنية، بل نتيجة بحث معرفي بدا “غير عملي”. لقد وضع العلماء والفلاسفة والباحثون الأسس الفكرية التي استفاد منها المجتمع والصناعة لاحقًا. وبالتالي، فالصناعة ليست صانعة المعرفة الأساسية، بل إحدى الجهات المستفيدة من تطورها.

العلم سيبقى دائمًا ذا صلة بكل عصر

كل تخصص علمي نشأ لأن الإنسان واجه تحديات متغيرة باستمرار. فالعلم ليس مجرد نظريات، بل وسيلة يجيب بها الإنسان عن أسئلة عصره. ولذلك، فإن العلم المرتكز على المعرفة لا يفقد أهميته أبدًا، وإنما تتغير فقط سياقات تطبيقه.

ويُسمى العلم “تخصصًا” لأنه يمتلك منهجية وإطارًا فكريًا وموضوعًا للدراسة يتطور باستمرار. فالتخصصات لا تتوقف عند زمن معين، بل تتحرك مع تحولات العصر.

ومن هنا، فإن أهمية العلم لا تُقاس فقط بحاجة سوق العمل الحالية، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الجديدة التي ستظهر في المستقبل. فحين تواجه المجتمعات تحديات تكنولوجية أو اجتماعية أو ثقافية أو إنسانية، فإن كل مجال معرفي يملك إمكانية الإسهام في الحل.

لذلك، فإن التشكيك في وجود علم ما لأنه لا يبدو مهمًا للصناعة اليوم هو رؤية ضيقة؛ لأن “الجدوى” لا تعني دائمًا “الربح التجاري”.

إن الغاية الأساسية للعلم يجب أن تبقى المعرفة ذاتها. قد تكون الصناعة أحد مجالات تطبيق العلم، لكنها ليست المعيار الوحيد لقيمة أي تخصص. فجميع العلوم لها أدوارها المختلفة، حتى وإن لم ترتبط مباشرة بالربح الاقتصادي أو احتياجات السوق؛ لأن الهدف الأسمى للعلم هو توسيع أفق المعرفة الإنسانية.

الصناعة مهمة بلا شك، لكنها لا تستطيع أن تكون المقياس الوحيد لقيمة التخصصات العلمية. فما دام العلم قائمًا على المعرفة، ويساعد الإنسان على فهم تحديات عصره، فإنه سيظل دائمًا محتفظًا بمكانته وأهميته.