تكامل العلوم: من التفويض المعرفي إلى تقييم السياسة الأكاديمية
سويندي
(أستاذ بمدرسة الدراسات العليا بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا، ومؤلف كتاب "تكامل العلوم: مذهب جامعة شريف هداية الله الإسلامية جاكرتا")
يمثل التحول المؤسسي من المعاهد الإسلامية الحكومية (IAIN) إلى الجامعات الإسلامية الحكومية (UIN) خطوة استراتيجية تهدف إلى تخريج كوادر من مؤسسات التعليم العالي الديني الإسلامي تمتلك كفاءة مزدوجة: عالمٌ متدين أو متدينٌ عالم. أي الجمع بين التخصص في العلوم الدينية والتخصص في العلوم الكونية في آن واحد. وقد أُعيد بناء هاتين الكفاءتين ضمن سياسة التحول المؤسسي هذه، وهو ما كان من بين الدوافع الأساسية لصدور اللائحة الحكومية رقم 46 لسنة 2019 بشأن التعليم العالي الديني الإسلامي وتأسيس الجامعات الإسلامية الحكومية في إندونيسيا.
يمكن فهم هذه السياسة بوصفها خطوة مناسبة لمعالجة الإشكالية الإبستمولوجية المتمثلة في ثنائية المعرفة بين العلم والدين. فمن خلال هذا التحول، يصبح بالإمكان أن يتفاعل العلم والدين، ويتآزرا، ويمارسا النقد المتبادل في إطار الأسس الأنطولوجية والإبستمولوجية الخاصة بكل منهما.
كما تُعد سياسة التحول المؤسسي هذه حلاً بديلاً لردم الفجوة المؤسسية في المناهج التي تطورها الجامعات في إندونيسيا. فثمة ثلاثة توجهات رئيسة في بناء المناهج: أولاً، جامعات تركز على العلوم العامة مع ضعف في العلوم الدينية، مثل جامعة إندونيسيا (UI) ومعهد باندونغ للتكنولوجيا (ITB) وجامعة غاجاه مادا (UGM) وغيرها من الجامعات التابعة لوزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا. ثانياً، مؤسسات تركز على التخصص الديني مع ضعف في العلوم العامة، مثل المعاهد العالية (Ma’had Aly) والمدارس الرعوية وغيرها. ثالثاً، جامعات تجمع بين المجالين معاً، أي بين إتقان العلوم الدينية والعلوم العامة، وهو النموذج الذي تسعى الجامعات الإسلامية الحكومية إلى تحقيقه.
وقد أصدرت المديرية العامة للتعليم الإسلامي القرار رقم 2498 لسنة 2019 بشأن دليل تكامل العلوم في مؤسسات التعليم العالي الديني الإسلامي، ليكون مرجعاً في تطوير إطار التكامل داخل الجامعات الإسلامية الحكومية. ونص القرار بوضوح على أن التكامل المقصود لا يعني “أسلمة العلوم” كما طرحها إسماعيل راجي الفاروقي أو سيد محمد نقيب العطاس، بل هو تكامل قائم على الحوار والتفاعل والتآزر والنقد المتبادل بين التخصصات، دون إخضاع علم لآخر أو فرض هيمنة معرفية من طرف على طرف.
وفي ترجمة هذه السياسة إلى المستوى المؤسسي، ظهرت أنماط رمزية مختلفة لدى بعض الجامعات الإسلامية الحكومية في تصورها للتكامل؛ فجامعة يوجياكرتا اعتمدت استعارة “شبكة العنكبوت” للدلالة على التكامل والترابط، وجامعة مالانغ رمز “شجرة العلوم”، وجامعة باندونغ استعارة “عجلة العلم” التي تؤكد أن الوحي يرشد العلم، وجامعة سورابايا نموذج “المنارتين التوأم”، وجامعة ماكاسار استعارة “بيت الحضارة”، وغيرها. أما جامعة جاكرتا فلم تعتمد استعارة رمزية محددة، بل أكدت نموذج التكامل المفتوح والحِواري.
وقد استمرت سياسة التحول المؤسسي قرابة ربع قرن. وكانت جامعة جاكرتا أول جامعة إسلامية حكومية تُؤسَّس عام 2002، ثم تبعتها جامعات أخرى، حتى بلغ عدد الجامعات الإسلامية الحكومية في عام 2026 أربعين جامعة موزعة في مختلف الأقاليم. غير أن هذه السياسة، بوصفها سياسة عامة، تحتاج إلى تقييم جاد لقياس مدى تفعيل التكامل المعرفي في السياسات الأكاديمية، ومدى اتساقه وفعاليته واستدامته.
وتبرز أهمية هذا التقييم في ظل وجود نزعة لدى بعض الجامعات إلى اختزال التكامل في أطر إدارية ورمزية. فعلى الرغم من إدراج مفهوم التكامل في الوثائق الرسمية، فإن الثنائية بين العلوم الدينية والعلوم العامة لم تُحل عملياً بشكل كامل. فقد أظهرت دراسة صادرة عن مركز البحوث والتطوير بوزارة الشؤون الدينية عام 2020 بعنوان “تنفيذ تكامل العلوم في PTKI” أن المفهوم حاضر نظرياً في عدد من الجامعات، إلا أن تطبيقه في مجالات التعليم والبحث وخدمة المجتمع لم يتجسد بوضوح. كما بينت دراسة نورلينا رفعي عام 2014 أن تنفيذ التكامل في تطوير المناهج لم يتم بصورة منهجية ومستدامة، وأشارت دراسات أخرى إلى نتائج متقاربة، مما يدل على وجود إشكاليات بنيوية وصعوبات في تحويل الإطار المفاهيمي إلى ممارسة عملية.
لذلك، يرى الكاتب أن تكامل العلوم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مسألة إبستمولوجية فلسفية معيارية فحسب، بل بوصفه أيضاً سياسة عامة تؤثر في طريقة التفكير المعرفي لدى أعضاء هيئة التدريس والطلاب. فلا ينبغي أن يتوقف التكامل عند مستوى الشعارات أو مسميات المناهج أو الرؤى المؤسسية، بل يجب أن يتجسد في ممارسات التعليم والبحث العلمي. وعليه، لا ينبغي أن يعتمد تطبيق التكامل على المبادرات الفردية، بل على نظام أكاديمي مؤسسي متكامل.
كما ينبغي توجيه تكامل العلوم نحو نموذج أكثر إنتاجية، يقوم على الانتقال من ثنائية المعرفة إلى حوار إبستمولوجي بين التخصصات، مع الحفاظ على استقلالية كل علم ضمن إطاره المعرفي دون تبعية. وينبغي أيضاً ترجمة هذا النموذج من التركيز على المناهج إلى بناء منظومة بحثية تكاملية، والتحول من المقاربة المعيارية إلى التكامل القائم على المشكلات، أي الانطلاق من قضايا المجتمع الواقعية. وهذا التوجه يتطلب تحولاً في الثقافة الأكاديمية ونمط إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي الديني الإسلامي.
وباعتبارها سياسة عامة، ينبغي تقييم تكامل العلوم وفق مؤشرات واضحة، منها فعاليته في العملية التعليمية، ومدى ارتباطه بقضايا المجتمع والأمة، واتساقه بين التصميم النظري والممارسة الأكاديمية، وقدرته على التكيف مع تحولات العصر. وبهذا يصبح التقييم أداة معرفية لا مجرد إجراء إداري.
ومن ثم، إذا أُحسن توظيف تكامل العلوم بوصفه قضية إبستمولوجية وسياسة عامة في آن واحد، فإنه سيسهم في ردم الهوة بين دراسات السياسات التعليمية وفلسفة التربية الإسلامية، ليغدو التكامل إطاراً تحليلياً ومعياراً لتقويم أداء مؤسسات التعليم العالي الديني الإسلامي، لا مجرد شعار، بل ممارسة علمية مؤسسية ذات أثر حقيقي. والله أعلم.
نُشرت هذه المقالة في صحيفة كيميناج يوم الاثنين الموافق 23 فبراير 2026.
