تأثير الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران على الاقتصاد العالمي
محمد نور ريانتو العارف
(أستاذ بجوا معة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية)
في الثامن والعشرين من فبراير، شهد العالم تصعيداً عسكرياً خطيراً بشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران. هذا الحدث ليس مجرد صراع إقليمي عابر، بل هو هزة عنيفة ستتردد أصداؤها في أروقة الاقتصاد العالمي؛ حيث اضطربت الأسواق المالية، وقفزت أسعار الطاقة، وبات قادة العالم يتحدثون لا عن الأمن فحسب، بل عن الاستقرار الاقتصادي المهدد. في عالمنا المعاصر المتشابك، يمكن لانفجار واحد في الشرق الأوسط أن يتحول إلى ارتفاع في أسعار الغذاء في آسيا، وتضخم في أوروبا، وتقلبات حادة في بورصات أمريكا. هذا الهجوم يذكرنا بأن العولمة ليست مجرد تكامل تجاري، بل هي أيضاً تكامل في المخاطر.
خارطة الطاقة ومضيق هرمز: الشريان الحيوي المهدد
لفهم أبعاد التأثير، يجب العودة إلى خارطة الطاقة العالمية. إيران ليست دولة هامشية؛ فهي تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم. ورغم سنوات العقوبات، ظلت لاعباً محورياً في الإمدادات، خاصة للدول الآسيوية. والأهم من ذلك هو موقعها الجغرافي المتحكم في مضيق هرمز؛ ذلك الممر الضيق الذي يعد "شريان الحياة" لتجارة النفط العالمية، حيث يعبره ما بين خمس إلى ثلث النفط المتداول بحرياً. إن أي تهديد لاستقرار هذه المنطقة هو تهديد مباشر لمنظومة الطاقة العالمية بأكملها.
علاوة المخاطر الجيوسياسية واشتعال الأسعار
تتفاعل أسواق النفط بسرعة مع "المخاطر المتوقعة" قبل وقوع "الأزمات الفعلية". فبمجرد اندلاع الصراع، ارتفعت أسعار النفط الخام بشكل حاد نتيجة ما يسمى "علاوة المخاطر الجيوسياسية" (Geopolitical Risk Premium)، وهي القيمة الإضافية التي يدفعها العالم ثمناً لعدم اليقين. يضع المستثمرون الآن في حساباتهم سيناريوهين مريرين: تعطل الإنتاج الإيراني المباشر، واحتمال توسع رقعة الصراع لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
دوامة التضخم ومعضلة البنوك المركزية
إن ارتفاع أسعار الطاقة ليس مجرد أرقام على شاشات البورصة، بل هو وقود الأنشطة الاقتصادية كافة. فعندما ترتفع تكلفة الطاقة، تزداد تكاليف الإنتاج في الصناعات الكيماوية والتحويلية والزراعة والنقل. وهنا تواجه الشركات خيارين: إما امتصاص التكلفة أو تحميلها للمستهلك، مما يؤدي إلى ضغوط تضخمية ترهق ذوي الدخل المحدود. هذا التضخم يضع البنوك المركزية أمام معضلة قاسية؛ فإما تشديد السياسة النقدية لرفع الفائدة وكبح التضخم (مما يهدد بركود اقتصادي)، أو الإحجام عن ذلك والمخاطرة بترك التضخم ينهش الاستقرار طويل الأمد.
الهروب إلى الملاذات الآمنة واهتزاز الأسواق المالية
تتسم الأسواق المالية بحساسية مفرطة تجاه الأزمات. وفي ظل هذا الصراع، يتجه المستثمرون إلى تقليل المخاطر والهروب نحو "الملاذات الآمنة" (Safe Havens) كالذهب وسندات الخزينة الأمريكية. يؤدي هذا إلى ضغوط على مؤشرات الأسهم العالمية وتدفق رؤوس الأموال خارج الدول النامية، مما يتسبب في انخفاض قيمة عملاتها المحلية وزيادة أعباء ديونها المقومة بالدولار.
أزمة اللوجستيات وتعثر سلاسل الإمداد
لا يتوقف التأثير عند الطاقة، بل يمتد إلى اللوجستيات العالمية. فإغلاق الأجواء يرفع تكاليف الطيران، وفي قطاع الملاحة البحرية، ترتفع أقساط التأمين وتضطر السفن لسلوك مسارات أطول وأكثر تكلفة. في اقتصاد يعتمد على كفاءة الوقت ونظام الإنتاج "في الوقت المحدد" (Just-in-Time)، فإن أي تأخير في توريد المكونات الصناعية قد يؤدي إلى شلل في الإنتاج العالمي، مما يعيد للأذهان ذكريات تعثر سلاسل الإمداد إبان الجائحة.
تجزئة الاقتصاد وتسريع التحول الطاقي
إذا استمر التصعيد، فقد يؤدي ذلك إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتعميق "تجزئة الاقتصاد". ستصبح الدول أكثر حذراً في الاعتماد على مناطق جغرافية معينة، مما يعزز توجهات "تنويع سلاسل الإمداد". ومن جانب آخر، قد تكون هذه الأزمة حافزاً لتسريع "التحول الطاقي"؛ حيث ستنظر الدول المستوردة للطاقة إلى المصادر المتجددة (الشمسية والرياح) كقضية "أمن قومي" وليست مجرد قضية بيئية، هرباً من تقلبات الوقود الأحفوري.
تحديات مضاعفة للدول النامية وضرورة الدبلوماسية
تواجه الدول النامية، ومنها إندونيسيا، تحديات مزدوجة: ضغوط التضخم وتآكل الحيز المالي (Fiscal Space). فالحكومات ستكون بين مطرقة رفع أسعار الوقود محلياً وسندان زيادة الدعم الحكومي المرهق للميزانية. وفي الختام، يظل نزع فتيل الصراع بالوسائل الدبلوماسية هو السبيل الوحيد لاستعادة الثبات الاقتصادي. إن الرصاصة التي تطلق في الشرق الأوسط اليوم، قد ترتد غداً على شكل تضخم أو ركود في أي ركن من أركان العالم.
نُشر هذا المقال في جريدة "كومباس" (KOMPAS) بتاريخ الأحد، 1 مارس 2026.
