إلغاء وصمة العنف الجنسي عن المعاهد الإسلامية

إلغاء وصمة العنف الجنسي عن المعاهد الإسلامية

بقلم: سوويندي

(محاضر في كلية الدراسات العليا بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

حظيت قضية العنف الجنسي في بيئة المعاهد الإسلامية (البيسانترين) باهتمام واسع من الرأي العام. فالقضايا العديدة التي ظهرت لم تثر الغضب ضد الجناة فحسب، بل ولّدت أيضًا اتجاهًا إشكاليًا، تمثّل في الوصم الهدام ضد مؤسسة المعهد بوصفها مؤسسة تعليمية إسلامية. وهذا بدوره نقل الخطاب العام من نقد الفعل الإجرامي إلى التعميم على مؤسسة المعهد ككل.

إن هذا الوضع يتطلب استجابة حذرة؛ ففي إطار العدالة الاجتماعية والأخلاق الدينية، هناك تمايز جوهري بين المسؤولية الشخصية للجاني وبين وصم مؤسسة المعهد. وعندما يغيب هذا التمايز، يقع المجتمع في فخ التبسيط المخلوط، وهو أمر ليس غير عادل فحسب، بل يعود بنتائج عكسية على جهود الوقاية من العنف الجنسي نفسها.

وفي التعاليم الإسلامية، يعد مبدأ العدالة من الأصول الأساسية والجوهرية؛ حيث تذكرنا الآية الثامنة من سورة المائدة بأن شنآن (بغض) قوم لا ينبغي أن يدفع المرء إلى عدم العدل: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ». ورسالة هذا النص التشريعي تعلّمنا أن الحكم على قضية ما يجب أن يستند إلى الحقائق بشكل تناسبي، لا على الأحكام المسبقة فضلاً عن التعميم أو أخذ الصالح بالطالح (Geber-uyah). ولذلك، فإن ما يستحق الاستنكار والتجريم في قضايا العنف الجنسي في أي معهد هو: الجاني نفسه، والشبكة التي تحميه، والنظام والظروف التي سمحت بوقوع الانتهاك، وليس مؤسسة المعهد ذاتها باعتبارها كيانًا للتعليم الديني.

ويتوافق هذا المنظور مع رؤية التربية الإسلامية؛ إذ إن حقيقة التربية الإسلامية في الأصل ليست مجرد نقل للمعرفة، بل هي عملية بناء الإنسان الأخلاقي ذي الكرامة القادر على حفظ مصالح الحياة. ومن ثَمَّ، فإن العنف الجنسي يعد في الواقع فعلًا يتناقض تناقضًا جذريًا مع القيم الأساسية للتربية الإسلامية نفسها.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم حالات العنف الجنسي في البيئة المعهدية على أنها انعكاس لتعاليم المعهد أو التربية الإسلامية، بل هي انحراف سلوكي عن قيم المعهد. وإن مساواة المعهد بأفعال الجاني تشبه القول بأن سلوك الفساد من قبل مسؤول ما يمثل نظام الحكم بأكمله، أو أن الانتهاك الأخلاقي من قبل محاضر واحد يصف الجامعة بأكملها. وبالتأكيد، فإن مثل هذا المنطق لا يلبي مبادئ الموضوعية الأكاديمية على الإطلاق.

وفي هذا السياق، يصبح مفهوم "الاعتدال الديني" (Moderasi Beragama) ملائمًا للغاية. فالاعتدال الديني الذي تطوره وزارة الشؤون الدينية يولي اهتمامًا قويًا لمبادئ "التوسط"، و"الاعتدال"، و"التوازن". وتعلّمنا هذه المبادئ وجوب فهم كل مسألة بشكل شمولي وتناسبي، وتجنب الإفراط أو إنكار الحقائق.

وفي منظور الاعتدال الديني، هناك موقفان على الأقل يجب اتخاذهما في آن واحد:

  • أولاً: عدم التسامح مطلقًا مع ممارسات العنف الجنسي وتشديد إنفاذ القانون ضد الجناة.

  • ثانيًا: عدم اتخاذ قضايا فردية معينة ذريعة لإسقاط الشرعية عن مؤسسة المعهد بأكملها. وكلاهما جزء من الالتزام بالعدالة.

ويؤكد الاعتدال الديني على الموقف التناسبي، أي رفض الإفراط (الزيادة المبالغ فيها) والتفريط (النقصان والتقصير). وفي هذا السياق، تعني التناسبية الشجاعة في الاعتراف بوجود المشكلة دون فقدان الموضوعية في تقييم المؤسسة. وفي المقابل، فإن التستر على القضايا يتناقض تمامًا مع قيم الصدق والمحاسبة التي يدعو إليها الدين.

إن المعهد في الأساس هو مجتمع مصغر، يضم بشرًا من خلفيات وثقافات وطبائع وقدرات متنوعة. ومثل أي مؤسسة تعليمية أخرى، لا يخلو المعهد من احتمال حدوث انحرافات سلوكية. ومع ذلك، فإن هذه الانحرافات لا تلغي تلقائيًا مساهمات المعهد تاريخيًا وحتى الآن في مجالات التعليم، وتمكين المجتمع، وتعزيز القيم الوطنية، والارتقاء الأخلاقي لأبناء الأمة.

وتشير بيانات نظام معلومات الإدارة التعليمية (EMIS) التابع لوزارة الشؤون الدينية في نهاية عام 2025 إلى وجود 42,391 معهدًا إسلاميًا تدير العملية التعليمية يوميًا لنحو 2.5 مليون طالب وطالبة (سانتري). وتؤدي هذه المعاهد وظائفها كمؤسسات للتعليم والدعوة والتمكين الاجتماعي بشكل طبيعي. ولا تهدف هذه الحقيقة إلى التهوين من القضايا التي حدثت، بل للحفاظ على الرأي العام من الوقوع في فخ التعميم المفرط (Overgeneralization)، وهو استخلاص نتائج عامة بناءً على حالات خاصة.

ولذلك، فإن الأجندة العاجلة التي يجب القيام بها ليست تعزيز وصمة العنف الجنسي ضد المعاهد، بل تقوية "نظام الحماية" (Protection System) داخلها. وتحتاج المعاهد إلى الدعم المستمر لبناء آليات الوقاية، ونظام إبلاغ آمن، والتعليم حول العلاقات الصحية، فضلًا عن إدارة مؤسسية أكثر شفافية ومسؤولية. هذا الجهد يعد أكثر بناءً بكثير من مجرد توسيع الصور النمطية التي لا تقدم نفعًا للضحايا ولا للمؤسسة في نهاية المطاف.

وفي منظور التربية الإسلامية، تقدَّم عملية الإصلاح دائمًا على مجرد العقاب الاجتماعي. بينما في منظور الاعتدال الديني، تتطلب العدالة الشجاعة لرفض الجريمة دون إدانة المجتمع بأكمله. ويعلّمنا هذان المنظوران أن الانحياز للضحية والموضوعية تجاه المؤسسة ليسا أمرين متعارضين.

وخلاصة القول، يجب وضع العنف الجنسي باعتباره تحديًا مشتركًا يمكن أن يحدث في أي مكان عندما يضعف الإشراف وتُساء إدارة السلطة. إن تحدينا الأكبر لا يقتصر على معاقبة الجناة فحسب، بل يمتد إلى كيفية بناء أنظمة وآليات تستبق وقوع ضحايا جُدد. ولأجل ذلك، يحتاج الفضاء العام إلى وعي وعقلانية أكثر نضجًا: تنحاز إلى العدالة، وترفض الإفلات من العقاب، ولكنها تتجنب أيضًا الوصم الذي يبسط الحقائق بشكل مخل.

ذلك لأن المعهد في حقيقته ليس مكانًا يحمي جناة العنف الجنسي، بل هو مؤسسة تصون الكرامة الإنسانية بوصفها أحد المقاصد الغائية للتربية الإسلامية. وعند هذه النقطة، لا يعني رفع الوصم (Destigmatisasi) دفاعًا أعمى عن المعهد، بل هو سعي لإقامة العدالة بشكل كامل، وتناسبي، وحضاري.

نُشر هذا المقال في موقع وزارة الشؤون الدينية (Kemenag) يوم الثلاثاء، 2 يونيو 2026م.