إعادة صياغة شعائر الحج: من الطابع الشكلي إلى الجوهر الحقيقي

إعادة صياغة شعائر الحج: من الطابع الشكلي إلى الجوهر الحقيقي

حسني أحمد سعيد
محاضر بكلية أصول الدين في UIN Jakarta
نائب أمين لجنة الدعوة في Majelis Ulama Indonesia

يصف عالم الاجتماع Thomas F. O'Dea الدين بأنه يوحّد أسمى تطلعات الإنسان، ويعد مصدرًا عظيمًا للأخلاق، ومنبعًا للنظام الاجتماعي والسلام الداخلي للفرد، كما أنه عنصر يسمو بالإنسان ويجعله متحضرًا.

ولكل دين نظامه الطقوسي ومنظومته القيمية، والإسلام ليس استثناءً من ذلك. فالحج أحد الأنظمة الشعائرية في الإسلام، وهو ركن من أركانه. وإن أداء الحج من دون التعمق في قيمه لن يجعله سوى رحلة عادية، بحيث لا يترك أثرًا قويًا في سلوك الحاج بعد عودته.

لذلك لا ينبغي أن نستغرب إذا وجدنا من أدى الحج ثم ما زال يمارس الفساد، أو يتخذ قرارات ظالمة، أو يعتدي على حقوق الآخرين. فكل ذلك نتيجة لغياب التفاعل الحقيقي مع القيم الكامنة في شعائر الحج.

الحج أحد أركان الإسلام الخمسة. قال الله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].

في هذه الآية، يدعو الله الناس إلى الحج ولو مع المشقة، كما ورد في الآية، سواء بالمشي على الأقدام أو بركوب الإبل الهزيلة. والغاية من فرض الحج هي تلبية نداء الله لإحياء سلسلة من الأعمال التي قام بها النبي Ibrahim بوصفه واضع أسس الشريعة الإسلامية، كما يظهر في سورة إبراهيم الآية 37.

وقد استجاب الله لدعاء إبراهيم، فأمر الناس بزيارة ذلك المكان المبارك، كما تشير الآية السابقة.

وفي كل عام، خلال شهر ذي الحجة، يتوافد ملايين المسلمين إلى بيت الله الحرام في مدينة Makkah. يقطعون المسافات البعيدة، رغم اختلاف المناخ وصعوبة السفر، ويتركون أسرهم وأعمالهم استجابة لنداء الله.

ومن أكثر الأدعية التي تتردد هناك:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
ويتردد هذا النداء جماعيًا وسط حرارة الصحراء، وكأن صوته يجعل أرض العرب باردة، فيما تغفو قلوب الحجاج في أجواء شعائر إبراهيم الخليل.

إن ارتفاع إقبال الناس عامًا بعد عام على أداء الحج يعكس، من الناحية الإحصائية، تحسن مستوى الرفاه الاقتصادي لدى المجتمع. لذلك نجد الناس يدخرون للحج بطرق متعددة، مثل الادخار الشهري الإجباري، أو تنظيم جمعيات للحج، أو الاستثمار في الأراضي والذهب والحقول وغيرها.

بل إن حصص الحج للسنوات الخمس القادمة ممتلئة بالكامل. ولذلك فإن من يرغب في التسجيل الفوري لن يتمكن من ذلك بسبب نظام الحوسبة الذي يصعب التلاعب به، حيث تُرتب أسماء الحجاج بحسب أسبقية التسجيل وسداد التكاليف، إلا في حالات الطوارئ التي تؤدي إلى استبدال أحد الحجاج بمن يليه في القائمة.

ويرى Farid Esack في كتابه On Being a Muslim أن الحج يتضمن لقاءً بجذور الأمة الإسلامية: الجذور النَسَبية، والدينية، والروحية.
فالجذر النسبي يتمثل في لقاء آدم وحواء في صعيد عرفة بعد خروجهما من الجنة، ويرمز إليه العمود القائم فوق جبل الرحمة. أما الجذر الديني فيتمثل في غار حراء، حيث تلقى النبي Muhammad أول الوحي، وهو البداية المادية للإسلام كدين. وأما الجذر الروحي، فيتمثل في الكعبة المشرفة بوصفها رمزًا لحضور الله.

وعليه، فإذا أُديت مناسك الحج وفق تعاليم الدين، استحق الحاج لقب “الحاج” منذ وقوفه بعرفة عند الزوال بعد الصلاة والخطبة. لكن الأهم من اللقب هو أن تبقى معاني الحج حاضرة في نفسه بعد عودته إلى وطنه. ويأمل المسلم أن ينال الحج المبرور إذا التزم بأوامر الله واجتنب نواهيه وفق القرآن والسنة.

ويمتاز الحج بخصوصية فريدة، لأنه يجمع بين العبادة البدنية والمالية، وكأنه يجمع أركان الإسلام كلها. والحج في الاصطلاح يعني التوجه إلى بيت الله لأداء الأعمال المفروضة، مثل الطواف والوقوف بعرفة، في حال الإحرام مع نية الحج.

ومن الرموز المهمة في الحج التي ينبغي تأملها: الكعبة، والإحرام، والسعي، والوقوف بعرفة.

فالإحرام يعني خلع الثياب المعتادة وارتداء قطعتين بيضاوين غير مخيطتين. وخلع الملابس العادية يرمز إلى التخلي عن الفوارق الاجتماعية والتكبر الناتج عن المكانة الاجتماعية. أما لباس الإحرام فيرمز إلى المساواة الإنسانية، ويُحدث أثرًا نفسيًا يذكّر الإنسان بالحالة التي سيقف بها أمام الله عند موته. لذلك لا عجب أن يصف البعض الحج بأنه “بروفة للموت”.

أما اللون الأبيض في لباس الإحرام، فهو رمز للطهارة الكاملة. فالحجاج هم ضيوف الله، ويأتون إلى بيت الله بثياب بيضاء، ما يعني أن التوجه إليه ينبغي أن يكون بقلب نقي ونية خالصة، دون أي غرض سوى تلبية نداء الله.

وفي أثناء الإحرام، يلتزم الحجاج بقيود صارمة، مثل عدم قتل الحيوانات، وعدم قطع النباتات، وعدم استعمال العطور، وعدم الجماع، وعدم ممارسة العنف وغير ذلك، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.

وتهدف هذه المحظورات في حقيقتها إلى تعليم الحجاج ضبط الاستهلاك، وكبح الشهوات، والابتعاد عن الطمع. فكلمة “إحرام” نفسها تحمل معنى المنع والحدود والمحظور.

أما السعي بين الصفا والمروة، فهو رمز لديناميكية الحياة والسعي الدؤوب من أجل البقاء، كما فعلت Hajar حين كانت تبحث عن الماء في الصحراء. لم تجلس تنتظر المعجزة، بل سعت بين الجبلين حتى وجدت زمزم.

ويُؤدى السعي سبع مرات بدءًا من الصفا. وكلمة “الصفا” ترمز إلى المحبة والرحمة تجاه الآخرين، بينما “المروة” ترمز إلى الكمال الإنساني. ومن ثم فإن السعي يعلم الإنسان المحبة والرحمة حتى تتحقق الإنسانية المثالية والسلام الاجتماعي.

ومن الرموز المهمة أيضًا الوقوف بعرفة. وكما قال Ali Shariati، فإن الناس في عرفات يتجردون من كل الصفات والمكانات الاجتماعية، ويلبسون جميعًا الثوب الأبيض نفسه، ويقفون في المكان ذاته، يعبدون الله الواحد الأحد. لا فرق بينهم إلا بالإنسانية والأخوة والتضامن والشعور بالآخرين.

وفي عرفة يُستحب للحجاج أن يقضوا يوم التاسع من ذي الحجة كله في الدعاء. وكلمة “عرفة” تعني المعرفة. فالوقوف بعرفة هو لحظة المشاهدة والمعرفة الروحية، حيث يبلغ الإيمان ذروته، ويتقد الحب الإلهي في القلب.

ومن شدة هذا الحب، يعيش الحاج – بلغة التصوف – حالة الفناء، حيث يذوب وجوده فلا يرى إلا محبوبه سبحانه. ويصبح مشتاقًا إلى الله لدرجة أنه يغار حتى من عينيه اللتين تريان غيره.

فالذهاب إلى عرفة يعني التوجه نحو لذة الحوار مع الله. وهناك تُبنى الصلة بين الحاج وربه، فيتعرف الحاج على “مرادات الله” التي ينبغي تطبيقها في الحياة.

إن المعاني العميقة لشعائر الحج، كما سبق بيانه، ليست مجرد طقوس فارغة من الدلالة. بل إن الحج الذي شرعه Ibrahim ثم مارسه ملايين البشر، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالبُعد الاجتماعي.

وبعبارة أخرى، فإن الحج المبرور هو الحج الذي ينجح في الجمع بين العبادة الروحية والعمل الاجتماعي.

نُشر هذا المقال في قسم “الخزانة” بصحيفة Republika يوم الأحد 17 مايو 2026.