أفكار الأستاذ الدكتور زبير في تنصيبه أستاذًا: عندما تستمر قضايا الإنسان في التطور، كيف تجيب نصوص الوحي عليها؟
قاعة هارون ناسوتيون، أخبار الجامعة – قد يتوقف نص الوحي عند نفس الكلمات، في حين تستمر حياة البشرية في التطور وفقًا لعصرها، مما يفرز بلا شك إشكاليات جديدة لم تكن موجودة في عصر نزول الوحي. عندما تتغير أشكال المعاملات بسبب التكنولوجيا، وعندما يغير الطب الطريقة التي يفهم بها الإنسان الحياة والموت، يبرز التساؤل: "كيف يمكن للفقه الإسلامي قراءة واقع حياة الإنسان المتغيرة باستمرار، بينما نصوص الوحي التي تُستخدم كمرجعية محدودة؟"
هذا التساؤل هو الإشكالية الأساسية التي حاول الأستاذ الدكتور زبير، الماجستير، الإجابة عليها من خلال فكرة "الأكسيولوجيا اللغوية التأويلية (الهيرمنيوطيقا) للفقه الإسلامي". وفي خطابه العلمي بمناسبة تنصيبه أستاذًا في مجال لغويات الفقه الإسلامي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، أظهر أن مرونة الفقه الإسلامي لا ينبغي تحقيقها بترك النص، بل بتطوير طريقة قراءته للإجابة على قضايا حياة الإنسان المتطورة باطراد. وقد برز هذا الفكر في الجلسة العلنية لمجلس الشيوخ الأكاديمي لتنصيب أساتذة الجامعة في قاعة هارون ناسوتيون، يوم الأربعاء (30/09/2026).
تطفو هذه القضية على السطح لأن مشكلات الحياة التي يواجهها الإنسان تزداد تعقيدًا، في حين أن الوحي له حدود كمية. وصف الأستاذ الدكتور زبير هذه الحالة بالفجوة بين "النصوص المتناهية" (نصوص الوحي المحدودة) و"الوقائع غير المتناهية" (واقع الحياة المستمر في التطور). لذلك، لا تكمن المشكلة في وجود النص من عدمه، بل في كيفية قراءة هذا النص عند مواجهة ظروف متغيرة باستمرار. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة الأكسيولوجيا اللغوية التأويلية في قراءة نصوص الوحي.
وصرح قائلاً: "إن تقليد أصول الفقه يمتلك في الواقع أدوات لغوية دقيقة لفهم النص، ولكن قراءته تعتمد في الغالب على اليقين الحرفي الذي يجعل الفقه عالقًا في الجمود المعياري. ومن ناحية أخرى، فإن التفسير الذي يعتمد بشكل مفرط على العقلانية الحرة يخاطر أيضًا بإبعاد الأحكام الشرعية عن سلطة النص. وهنا تأتي الأكسيولوجيا اللغوية التأويلية كطرح منهجي تكاملي".
تجمع هذه المقاربة بين ثلاثة عناصر في وقت واحد. يُستخدم التحليل اللغوي لقراءة بنية ومرونة معاني النص، وتُستخدم الأكسيولوجيا القائمة على "مقاصد الشريعة" لربط المعنى بأهداف المصلحة، بينما تُستخدم الهيرمنيوطيقا السياقية للجمع بين النص والواقع المتطور باستمرار.
من خلال هذه المقاربة، يرى الأستاذ الدكتور زبير أن لغة الوحي لا تتوقف دائمًا عند المعاني المغلقة. فالمصطلحات المعيارية في النص يمكن أن تمتلك مساحة دلالية تتطور عند مواجهتها لاحتياجات وسياقات حياة مختلفة.
وأوضح قائلاً: "الكلمات المعيارية مثل (العدل) أو (المعروف) ليست مفاهيم مغلقة. هذه الكلمات هي مفاهيم مفتوحة (open-ended concepts) تتسع قيمتها الأكسيولوجية باستمرار. ومن خلال الأكسيولوجيا، نفهم أن لغة الوحي تمتلك مرونة دلالية (semantic flexibility)".
يمكن رؤية هذه المرونة، على سبيل المثال، عندما يواجه الفقه الإسلامي تطور الاقتصاد الرقمي. فظهور الأصول المشفرة (العملات الرقمية) يقدم أشكالاً من الأموال والمعاملات تختلف عن الممارسات الاقتصادية التقليدية. لذلك، فإن مفهوم (المال) وتحريم (الغرر) لا يكفي قراءتهما فقط من شكلهما المادي.
وبيّن الأستاذ الدكتور زبير: "مفهوم المال وتحريم الغرر لم يعودا يُفسران بشكل مادي ثابت، بل يُقاسان بوظيفة المنفعة، والإجماع الاجتماعي أو (العرف)، وكذلك الآثار المترتبة على حماية الأصول أو (حفظ المال)".
كما تظهر مشكلة مماثلة في تطور العلوم الطبية. يطرح التقدم التكنولوجي الطبي أسئلة جديدة حول حدود الحياة والموت، بما في ذلك مسألة التبرع بالأعضاء. بالنسبة للأستاذ الدكتور زبير، يُظهر هذا الوضع أن قراءة الفقه الإسلامي يجب أن تتحاور مع المعرفة المتطورة، والتي هي في هذا السياق العلوم الطبية، حتى تظل أهداف حماية الحياة قابلة للتحقيق في سياق الحياة الحديثة.
وأضاف: "يتم تحويل وتكييف تحديد حدود الموت أو التبرع بالأعضاء لتحقيق (حفظ النفس) وحماية الأرواح".
توضح القضيتان اللتان عرضهما الأستاذ الدكتور زبير كيف أن أفكاره لا تتوقف عند الجدل حول لغة النص. تُوضع الأكسيولوجيا اللغوية التأويلية كمقاربة للجمع بين دقة قراءة النص والتغيرات في الواقع، بحيث يظل الفقه الإسلامي يمتلك أساسًا معياريًا مع قدرته على الاستجابة للقضايا المتطورة.
هذه الأفكار لم تأت من فراغ، بل وُلدت من خلال رحلة طويلة في عالمه الأكاديمي، حتى تمكن في النهاية من تجسيدها. قبل تفرغه لعلم لغويات الفقه الإسلامي، أكمل الأستاذ الدكتور زبير تعليمه في مرحلة البكالوريوس في اللغة العربية وأدابها في معهد علاء الدين الإسلامي الحكومي (IAIN Alauddin) بماكاسار وتخرج عام 1996. وبعد أربع سنوات، أكمل درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية بجامعة شريف هداية الله (UIN Jakarta)، قبل أن يواصل دراساته للدكتوراه في نفس المجال حتى حصل على الدرجة في عام 2008.
هذا المسار الفكري هو الذي قاده في النهاية إلى التعمق في العلاقة بين اللغة والقرآن والفقه الإسلامي. ناقشت رسالته للبكالوريوس تأثير الحضارة العباسية على تطور اللغة العربية وأدبها. وفي مرحلة الماجستير، تحول اهتمامه إلى فكر الزمخشري في الفقه الإسلامي من خلال دراسة تفسير آيات الأحكام في "تفسير الكشاف". بينما ناقشت رسالته للدكتوراه الأسلوب اللغوي لآيات الأحكام في القرآن الكريم.
من هذه السلسلة، التقى اهتمام الأستاذ الدكتور زبير باللغة مع دراسة الفقه الإسلامي. هذا اللقاء بين المجالين هو الذي شكل أحد أسس خبرته في لغويات الفقه الإسلامي، والذي قاده لاحقًا إلى فكرة "الأكسيولوجيا اللغوية التأويلية" التي طرحها في خطابه بمناسبة تنصيبه أستاذًا.
بالنسبة للأستاذ الدكتور زبير، هذه الرحلة لم تتوقف عند فكرة منهجية واحدة. بل يرى أن هناك مجالاً واسعاً لمزيد من التطوير، خاصة لكي تتمكن دراسات أصول الفقه من الحوار مع تطور التخصصات العلمية المختلفة.
وأكد قائلاً: "هناك حاجة لإعادة توجيه تطور أصول الفقه من الوضعية الجامدة نحو مقاربة متعددة التخصصات".
يُوجه هذا التوجه الجديد نحو دمج نظريات اللغويات الحديثة، والسيميائية، وفلسفة القيم. وفي نص خطابه، تم توجيه تطوير هذا الإطار أيضًا للإجابة على قضايا القانون العام، وقانون البيئة، وصولاً إلى أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وبالتالي، فإن المرونة التي يقصدها الأستاذ الدكتور زبير ليست مجرد تساهل في فهم النص، بل هي محاولة لبناء منهجية تجعل قراءة نصوص القرآن الكريم تظل أساسًا شرعيًا للإجابة على قضايا الحياة الحديثة.
