النظام البيئي لاقتصاد الحج: الحلقة المفقودة نحو الريادة الإندونيسية كمركز عالمي للحلال

النظام البيئي لاقتصاد الحج: الحلقة المفقودة نحو الريادة الإندونيسية كمركز عالمي للحلال

بقلم: أ. د. أويس أماليا

(أستاذة الاقتصاد الإسلامي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

مع اقتراب موسم الحج لعام 1447 هـ / 2026 م، يستعد نحو 221,000 حاج إندونيسي – يتألفون من 203,320 حاجاً في البعثة الرسمية و17,680 حاجاً في بعثات الحج الخاص – للانطلاق نحو الأراضي المقدسة. وخلف هذه الأرقام تكمن حقيقة غالباً ما تغيب عن أنظار العامة: إن فريضة الحج ليست مجرد حدث روحي فحسب، بل هي أيضاً حدث اقتصادي ضخم الحجم. وتتوقع وزارة الحج والعمرة أن يصل حجم التداول المالي في موسم حج 2026 إلى 18.2 تريليون روبية. وإذا ما أضيف إليه العمرة، فإن الرقم يتجاوز حاجز 50 تريليون روبية سنوياً. بل وتتوقع وزارة المالية أن النظام البيئي للحج والعمرة يمتلك القدرة على النمو من 65 تريليون روبية في عام 2023 إلى 194 تريليون روبية بحلول عام 2030.

ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو مدى حجم هذه الإمكانات، بل إلى أين تتجه تدفقاتها. فالمعهود طوال هذا الوقت أن الجزء الأكبر من نفقات الحج يتم استيعابه وإنفاقه داخل المملكة العربية السعودية، بدءاً من السكن، والنقل، وصولاً إلى الإعاشة والتغذية، في حين يقتصر دور إندونيسيا غالباً على كونها مجرد مستهلك؛ هذا بالرغم من أن إندونيسيا هي أكبر مرسل للحجاج في العالم. إن هذه هي الحلقة المفقودة في الطموح الكبير لجعل إندونيسيا مركزاً عالمياً للمنتجات الحلال: إن اقتصاد الحج لم يتحول بالكامل بعد إلى اقتصاد يخدم الأمة الإندونيسية نفسها.

إن الموقف الأولي لإندونيسيا يعد واعداً للغاية؛ حيث وضع تقرير "واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي 2024/2025" إندونيسيا في المرتبة الثالثة ضمن النظام البيئي لصناعة الحلال العالمية، بعد ماليزيا والمملكة العربية السعودية، مسجلةً أعلى قفزة في المؤشر بمقدار 19.8 نقطة مقارنة بالعام السابق. كما بلغت الصادرات الوطنية من منتجات الحلال الصناعية 64.11 مليار دولار أمريكي طوال عام 2024. ومع ذلك، فإن ميزاننا التجاري للحلال مع دول منظمة التعاون الإسلامي (OIC) لا يزال يعاني من خلل وتفاوت؛ إذ لم تتجاوز الصادرات في عام 2023 حاجز 12.33 مليار دولار أمريكي، في حين بلغت الواردات 29.64 مليار دولار أمريكي. وينبغي أن يكون موسم الحج أحد الأبواب الرئيسية لإصلاح هذا التفاوت الميزاني.

سلاسل القيمة للحلال: من المنتجات حتى التصدير

الحلقة الأولى التي يمكن إصلاحها وتطويرها هي منتجات الحلال اللازمة للعبادة، مثل ملابس الإحرام، ومستلزمات الصلاة، ومستحضرات التجميل، ومستلزمات الفنادق (amenities)، والأطعمة، والأدوية، فضلاً عن هدايا الحج (الهدايا التذكارية). وطوال هذا الوقت، يسيطر على سوق الهدايا المنتجات المستوردة التي يشتريها الحجاج من الأراضي المقدسة ليعودوا بها إلى أرض الوطن. وتقوم وزارة الحج والعمرة حالياً بتطوير منصة رقمية لهدايا الحج تجمع بين الحجاج ومنتجات المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM) الوطنية، وفي الوقت نفسه تحميهم من ممارسات الاحتيال. إنها فكرة بسيطة ولكنها استراتيجية: تحويل الإنفاق الاستهلاكي للحجاج ليكون بمثابة حافز للمنتجين المحليين، بدءاً من توفير مستلزمات الحجاج وحتى توريد التوابل لشركات الإعاشة والتغذية.

أما الحلقة الثانية والأكبر بكثير، فهي التصدير المباشر لمنتجات الحلال إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة. ففي كل عام، تستقبل المملكة العربية السعودية الملايين من ضيوف الرحمن؛ حيث بلغ عدد معتمري الخارج وحدهم 18.03 مليون معتمر في عام 2025، والمستهدف هو الوصول إلى 30 مليون معتمر بحلول عام 2030 تماشياً مع "رؤية السعودية 2030" التي بلغت نسبة تنفيذها 93%. وتخلق هذه الطفرة طلباً هائلاً على الأطعمة والمشروبات الحلال، والأزياء الإسلامية، ومستحضرات التجميل، والأثاث، والمنتجات الصحية. وتمتلك إندونيسيا فرصة سانحة لتكون المورد الرئيسي، لا سيما لتلبية احتياجات حجاجها ومعتمريها أثناء تواجدهم في الأراضي المقدسة.

وبدأت العقبة الكلاسيكية المتمثلة في شهادات الحلال بالانفراج؛ حيث أبرم "مركز الحلال السعودي" التابع للهيئة العامة للغذاء والدواء (SFDA) مع "هيئة تنظيم ضمان المنتجات الحلال" في إندونيسيا (BPJPH) اتفاقية الاعتراف المتبادل (MRA) بمعايير وشهادات الحلال. وهذا يعني أن شهادة الحلال الصادرة عن (BPJPH) – والتي تعد حالياً إلزامية (mandatory) لمنتجات الأطعمة والمشروبات بموجب القانون رقم 33 لعام 2014 بشأن ضمان المنتجات الحلال – باتت معترفاً بها من قبل السلطات السعودية. وما نحتاجه الآن هو جسارة المصدرين، والمرافقة المستدامة، وعمليات التوفيق بين الشركات (Business Matching) بشكل متسق، وليس مجرد المشاركة العابرة في المعارض السنوية.

وتميز إندونيسيا بميزة تنافسية حقيقية في قطاع الأطعمة والمشروبات المصنعة، والأزياء الإسلامية، ومستحضرات التجميل الحلال. وغالباً ما تكمن العقبة ليس في جودة المنتج، بل في سلاسل التوريد الخاصة بالتصدير: مثل استمرارية الإمدادات، ومعايير التعبئة والتغليف، والشهادات الداعمة، وتكاليف اللوجستيات. وتتميز سوق الحج والعمرة بأن الطلب فيها ليس موسمياً كباقي الأسواق الاستهلاكية العادية، بل هو طلب متكرر سنوياً وبأحجام يمكن التنبؤ بها. وهذه الخاصية هي ما يجعل نظام الحج البيئي جديراً بالتعامل معه كسوق ارتكازية (Anchor Market) للمشروعات الصغيرة والمتوسطة للحلال في الوطن، وليس كسوق موسمية تُدار بشكل عشوائي ومتفرق. كما أن المفاوضات التجارية الجارية مع مجلس التعاون الخليجي يجب أن تتضمن فصلاً خاصاً بالاقتصاد الحلال لضمان وصول أوضح وأضمن إلى الأسواق.

الهدي (الدم): قيمة اقتصادية مقطوعة عن الوطن

قضية "الدم" (الهدي) تمثل النموذج الأكثر وضوحاً لكيفية انقطاع القيمة الاقتصادية للعبادات عن أرض الوطن طوال السنوات الماضية. فحجاج التمتع والقران ملزمون بذبح الهدي، وهو غالباً شاة واحدة. ومع وجود 221,000 حاج، فإن القيمة الاقتصادية الكامنة للهدي الإندونيسي تُقدر بنحو 663 مليار روبية، أي ما يعادل نحو 2,500 طن من اللحوم في كل موسم. وطوال هذا الوقت، يتم ذبح الأنعام وتوزيع لحومها داخل المملكة العربية السعودية، مما يجعل تدفق المنافع يتوقف في الأراضي المقدسة، بل وينطوي أحياناً على خطر الهدر نتيجة الفائض الكبير في البروتين هناك، في الوقت الذي لا يزال فيه ملايين الأطفال الإندونيسيين يواجهون خطر التقزم (stunting) في بلادهم.

وهنا تلتقي النقاشات الفقهية بالسياسات العامة؛ إذ تنص فتوى مجلس العلماء الإندونيسي (MUI) رقم 41 لعام 2011 على أن ذبح الهدي خارج الحرم (الأراضي المقدسة) غير مجزئ. وفي المقابل، فتحت فتاوى جمعية "المحمدية" المجال لذبح الهدي داخل الوطن بشروط معينة. واستجابة لهذه الديناميكية، قامت الوكالة الوطنية لإدارة الزكاة (BAZNAS) – استناداً إلى القانون رقم 23 لعام 2011 بشأن إدارة الزكاة – بفتح خيارات دفع وذبح الهدي داخل إندونيسيا للحجاج الذين يتبعون هذا الرأي الفقهي.

ويجب احترام هذا التباين في وجهات النظر الفقهية دون فرض رأي على الآخر. وقد أحسنت الحكومة صنعاً بوضع نفسها في موقع الموفر للخيارات وترك الأمر لقناعة كل حاج. وما يجب الحفاظ عليه وضبطه هو الحوكمة الإدارية: بحيث تكون آمنة شرعياً، وواضحة تنظيمياً بين المؤسسات، وتحقق قيمة مضافة حقيقية. وإذا أُديرت هذه المسألة بشكل جيد، يمكن أن يصبح الهدي أداة للاقتصاد الدائري الذي يحرك قطاع تربية الماشية الشعبية، وفي الوقت نفسه يمثل تدخلاً غذائياً مدروساً، شريطة أن يعتمد توزيعه على بيانات الفقر وخرائط التقزم، بعيداً عن مجرد المراسم الاحتفالية لتوزيع اللحوم.

وكالة إدارة الشؤون المالية للحج (BPKH) واستدامة أموال الأمة

يمثل الجانب المالي المحرك الأساسي لاقتصاد الحج. فحتى نهاية عام 2025، بلغت الأموال التي تديرها وكالة (BPKH) نحو 180.72 تريليون روبية، بمعدل نمو سنوي مركب (CAGR) قدره 7.03%، حيث تأتي 97.83% من هذه الأموال من مدفوعات الحجاج المسبقة. وتجاوزت قيمة العوائد الاستثمارية (القيم النافعة) حاجز 12.08 تريليون روبية في الفترة نفسها.

وبفضل هذه العوائد الاستثمارية، تم تحديد التكلفة الإجمالية للحج (BPIH) لعام 2026 بمبلغ 87.4 مليون روبية، بتراجع قدره نحو مليونين عن العام السابق. ووفقاً للقرار الرئاسي رقم 34 لعام 2025، يدفع الحاج مبلغ 54.19 مليون روبية (أي 62%)، في حين تغطي وكالة (BPKH) مبلغ 33.21 مليون روبية (أي 38%) من خلال العوائد الاستثمارية. ويخضع هذا الإطار للقانون رقم 34 لعام 2014 بشأن إدارة الشؤون المالية للحج، والقانون رقم 14 لعام 2025 بشأن تنظيم الحج والعمرة.

ومع ذلك، وخلف هذه الأخبار السارة تكمن هشاشة مستترة؛ إذ بلغت قوائم الانتظار الوطنية للحج نحو 5.5 مليون شخص، بمتوسط فترة انتظار تصل إلى 26 عاماً. وإن دعم التكلفة عبر العوائد الاستثمارية بنسبة 38% يمس في جوهره مسألة العدالة بين الأجيال؛ فالحجاج الذين يغادرون اليوم يشاركون في استهلاك عوائد استثمارية تولدت من أموال حجاج آخرين لن يأتيهم الدور إلا بعد عقود من الزمن. ولذا، يتوجب الدفع تدريجياً نحو تركيبة مالية أكثر صحة تقرب التكلفة الفعلية التي يتحملها الحاج من القيمة الواقعية، وذلك لحماية أموال الأمة من التآكل بسبب التضخم. كما أصبح تنويع الاستثمارات الشرعية نحو أدوات أكثر إنتاجية – بما في ذلك الاستثمار في نظام الحج البيئي نفسه – أمراً حتمياً. ويجب الحفاظ على الشفافية؛ فظهور حاجة مالية إضافية بنحو 1.77 تريليون روبية في عام 2026 نتيجة قفزات أسعار وقود الطائرات (الآفتور) وأسعار الصرف يعد بمثابة تذكير صارم بأن الحذر المالي لا يجوز أن يسترخي.

قرية الحج: التحول من مستهلك إلى مالك

تمثل هذه الخطوة القفزة الأكثر تاريخية؛ فلأول مرة، يُسمح لدولة بامتلاك أراضٍ في العاصمة المقدسة مكة المكرمة. ومن خلال مؤسسة "دانانتارا" (Danantara)، تقوم إندونيسيا ببناء "قرية الحج الإندونيسية" في منطقة "ثاخر" وقطع أراضٍ في منطقة "الهنداوية الغربية"، على بُعد نحو 2.5 كيلومتر من المسجد الحرام. وتصل قيمة الاستثمار في منطقة ثاخر وحدها إلى 1.2 مليار دولار أمريكي (ما يقارب 20 تريليون روبية). ومن المخطط أن تضم المنطقة عشرات الأبراج السكنية ومركزاً تجارياً، ومن المستهدف بدء أعمال الإنشاء في الربع الرابع من عام 2026 عبر مخططات استثمارية دون تحميل ميزانية الدولة (APBN) أي أعباء.

إن قرية الحج ليست مجرد مشروع عقاري عابر، بل هي تحول هيكلي في التموضع الاقتصادي: من مستأجر إلى مالك، ومن مستهلك إلى فاعل اقتصادي. وإذا صُممت هذه المنطقة برؤية اقتصادية شاملة – لا تقتصر على كونها مجرد إسكان للحجاج – فيمكنها أن تتحول إلى معرض دائم لمنتجات الحلال الإندونيسية، ومساحة للمأكولات الوطنية، ومركزاً لوجستياً للتصدير المباشر إلى قلب الأراضي المقدسة. وهنا يمكن لجميع حلقات السلسلة – من الهدايا، وصادرات الحلال، والهدي، وأموال الحج – أن تلتقي في نظام بيئي واحد متكامل.

تكامل السياسات

إن الطموح بجعل إندونيسيا مركزاً عالمياً للحلال لن يتحقق إذا سارت سياسات الحج في مسارات منفصلة ومشتتة. ويمثل تأسيس وزارة الحج والعمرة، والمديرية العامة لتطوير النظام البيئي الاقتصادي للحج والعمرة، خطوة في الاتجاه الصحيح. بيد أن المأسسة وحدها لا تكفي؛ بل يتطلب الأمر مواءمة وتكاملاً بين التشريعات والقوانين: قانون تنظيم الحج والعمرة، وقانون إدارة الشؤون المالية للحج، وقانون ضمان المنتجات الحلال، وقانون إدارة الزكاة، لتعمل كلها كمنظومة واحدة متكاملة، لا كأربع جزر معزولة من السياسات.

وثمة ثلاث خطوات يجب أن تحظى بالأولوية؛ أولاً: تحديد مستهدفات ملموسة لنسبة المكون المحلي في نفقات الإعاشة ومستلزمات الحج، لضمان أن تداول الـ 18.2 تريليون روبية ينتقل فعلياً إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة الوطنية، مع وضع مؤشرات قابلة للتدقيق في كل موسم. ثانياً: جعل قرية الحج مركزاً لتوزيع منتجات الحلال الإندونيسية وليس مجرد مكان للمبيت، مع إشراك شركة (BPKH Limited) ورواد الأعمال منذ مراحل التخطيط الأولى للمنطقة. ثانياً: تعزيز حوكمة الهدي والأموال الاجتماعية للحج عبر قاعدة بيانات موحدة، تربط بين بيانات الرعاية الاجتماعية وخرائط التقزم لضمان وصول المنافع إلى مستحقيها بدقة وبشكل ملموس. وتتطلب هذه الخطوات شرطاً أساسياً واحداً: توافر بيانات موثوقة كقاعدة لبناء السياسات، لكي لا تقف ادعاءات الإمكانات الاقتصادية عند حدود الخطابات البلاغية السنوية.

وينبغي ألا يُنظر إلى موسم حج 2026 على أنه مجرد مغادرة 221,000 حاج، بل هو فرصة سانحة لإعادة ترتيب هيكل النظام البيئي للاقتصاد الشمولي الإسلامي في إندونيسيا. وإذا تمكنا من وصل الحلقات التي قطعت طوال هذا الوقت، فلن تقتصر فريضة الحج على إتمام أركان الإسلام الخمسة فحسب، بل ستتحول إلى أحد الأعمدة الفقارية للاقتصاد الإندونيسي في مسيرته نحو ريادة مركز الحلال العالمي. وبركة الأراضي المقدسة، في نهاية المطاف، يجب أن تتدفق لتعود إلى أرض الوطن في إطار من سلاسل العدالة التوزيعية.

 ملحوظة: نُشر هذا المقال في موقع "لانغيت 7" (Langit7) يوم السبت، 23 مايو 2026.