الصيام واستعادة معنى الحياة

الصيام واستعادة معنى الحياة

أحمد ثولابي خارلي

(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)

في خضم صخب الفضاء العام، يعمل رمضان بصمت في أعماق الباطن، يقود الإنسان للعودة إلى ذات أكثر نقاءً ووعياً بحضور الله (الكلي الوجود).

في سكون السحر وطمأنينة الغروب قبيل الإفطار، يُدعى الإنسان لدخول رحاب الباطن التي نادراً ما تُلمس في زحام الأيام العادية. بلغة الصوفية، هذه هي اللحظة التي تعود فيها الروح إلى حالة فطرة القلب؛ أي النقاء الأصلي قبل أن يتراكم عليه غبار الدنيا.

إن الصوم، في أعمق معانيه، ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو رحلة نحو جلاء القلب. ويسميه العارفون بـ رياضة النفس؛ ترويض الروح للتحرر من هيمنة الرغبات التي لا تنتهي.

فالجوع ليس غاية، بل هو طريق. والعطش ليس معاناة، بل هو تذكير بأن الإنسان ليس كائناً مستقلاً تماماً؛ إنه هشّ، وفي تلك الهشاشة يتعلم الاستناد والافتقار. وكما ذكر الجنيد البغدادي (ت 910 م)، فإن الطريق إلى الله يبدأ عندما يدرك الإنسان عجز نفسه.

وفي تقاليد التصوف، غالباً ما يُفهم الصوم على أنه "فن التخلية"؛ ليس الفراغ بمعنى الخواء، بل الفراغ من أجل التحلية والامتلاء. فالقلب المليء بالطموحات والقلق والمشاغل الدنيوية يصعب عليه استقبال نور المعنى.

يُزيح الصوم ببطء الطبقات التي تغطي هذا الوعي؛ إنه يُطهّر لا بالضجيج، بل بالصمت والسكينة. ويشير ابن عطاء الله السكندري (ت 1309 م) إلى أن الأنوار الإلهية لا تدخل قلباً فيه صور لغيره.

ويوضح الإمام الغزالي (ت 1111 م) أن للصوم درجات؛ فصوم العوام هو كف البطن والفرج، وصوم الخصوص هو كف الجوارح عن الآثام، أما صوم خصوص الخصوص فهو صوم القلب وحفظ الباطن عن كل ما سوى الله.

في هذه المرتبة، يمنح الصوم طمأنينة وسلاماً يتجاوزان مجرد الواجب البدني. وفي رحاب التجربة الباطنية، يتحول الصوم تدريجياً إلى طريق لـ المعرفة؛ تلك المعرفة التي تُعاش وتُحس، ولا تُفهم فحسب.

وعندما يضعف الجسد بالجوع، غالباً ما يزداد الوعي إشراقاً؛ فيسهل على الإنسان سماع صوت قلبه، ويصبح أكثر حساسية للاهتزازات المعنوية اللطيفة التي يحجبها عادةً ضجيج الشهوات.

في تلك الحالة، يعمل الصوم كمرآة؛ يُظهر لنا حقيقتنا كما هي، بلا زينة ولا تبرير. ويصف جلال الدين الرومي (1207–1273 م) الجوع بأنه "السحاب الذي يكشف شمس الباطن".

يظن الكثيرون أن الصوم تدريب على الامتناع عن الدنيا، بينما هو في الحقيقة تدريب على ترميم العلاقة مع الدنيا بشكل صحيح. فالجوع يعلم الشكر، والعطش يربي الصبر، والفاقة تولد اللين. الصوم لا يبعد الإنسان عن الحياة، بل يقوده ليعيش بوعي أعمق؛ حياةً لا نُقاد فيها، بل ندرك غايتها.

وفي التجربة الروحية للصوفية، يُنظر إلى الجوع كـ "نور مستور"؛ ليس لأن المعاناة في حد ذاتها تجلب الرفعة، بل لأن الإنسان في حالة المحدودية يسهل عليه التعرف على جوهر وجوده. فيدرك أن الأساس في الحياة ليس ما يملكه، بل من يواجهه؛ وهو الله الحاضر دوماً، حتى حين يغفل الإنسان.

يعلمنا الصوم الصمت أيضاً؛ ليس فقط الصمت عن فضول الكلام، بل الصمت عن ضجيج الباطن العبثي. في ذلك الصمت، يتعلم القلب أن يسمع؛ يسمع نبض الوجود، ويهمس له الضمير، وفي لحظة معينة، يشعر بقرب لا توصفه لغة. ويسمي الصوفية هذه التجربة بـ الأنس؛ تلك الألفة الباطنية مع الخالق.

إن الطمأنينة الناجمة عن الصوم ليست سكوناً سلبياً، بل هي سلام حيّ؛ سلام يجعل الإنسان أرفق في نظره للخلق، وأصبر في مواجهة الشدائد، وأصدق في رؤيته لنفسه. فالصوم الحقيقي يثمر دوماً ليونة؛ فإن ظل القلب قاسياً، فربما لم يصم إلا الجسد، أما الروح فلا.

لذا، ليس رمضان مجرد سلسلة من الطقوس، بل هو رحلة لتزكية الباطن. إنه موسم الاستشفاء؛ شفاء من تعب الروح، وفوضى الأفكار، وجفاف المعنى. في كل يوم يمر بوعي، يقطر الصوم سكينة تغير تدريجياً نظرة الإنسان للحياة.

وفي الختام، الصوم هو فن العودة للإنسان الكامل: الإنسان الذي يعرف حدوده، ويشعر برقة قلبه، ويستعيد سلامه الذي طالما كان مخبوءاً. إنه يقود إلى ضبط الظاهر، ويحضر السكينة في الباطن.

وعندما ينقضي رمضان، فإن المأمول بقاؤه هو جلاء القلب، وسعة الروح، والقرب الأعمق من مصدر كل طمأنينة. لأن الصوم الحقيقي لا ينتهي عند أذان المغرب، بل يستمر كنور مستقر في القلب؛ نور الوعي الذي إذا اشتعل، لا يطفئه مرور الزمان.

المؤلف أستاذ ونائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا. نُشرت مقالته في قسم الرأي على موقع Detik.com يوم الأحد الموافق 1 مارس 2026.