السياحة الصديقة للمسلمين: لماذا لم تدخل إندونيسيا ضمن المراكز الخمسة الأولى عالمياً؟
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بروفيسور في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
دخلت صناعة السياحة الحلال، أو ما يُعرف بالسياحة الصديقة للمسلمين، مرحلة جديدة. فبينما كان هذا القطاع يُنظر إليه في الماضي على أنه سوق متخصصة تقتصر على الرحلات الدينية، تحولت السياحة الصديقة للمسلمين اليوم لتصبح واحدة من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة السياحة العالمية. إن نمو عدد السكان المسلمين في العالم، وصعود الطبقة المتوسطة المسلمة، وتسهيل حركة التنقل الدولي، فضلاً عن زيادة الوعي بالاحتياجات والخدمات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، قد جعل من هذا القطاع ساحة تنافسية جديدة بين الدول.
يُظهر تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي (SGIE) لعام 2025/2026 أن الاقتصاد الإسلامي العالمي في قطاعاته الاستهلاكية الستة قد بلغت قيمته نحو 2.6 تريليون دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 3.56 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2029. ويُعد قطاع السفر والسياحة للمسلمين أحد أسرع القطاعات نمواً. وفي الوقت نفسه، أشار تقرير المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية (GMTI) لعام 2025 إلى أن عدد السياح المسلمين الدوليين قد بلغ 176 مليون شخص في عام 2024، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 245 مليون شخص بحلول عام 2030، بحجم إنفاق سياحي يصل إلى 230 مليار دولار أمريكي. وتدل هذه الأرقام على أن سوق السياحة الإسلامية لم تعد سوقاً هامشية، بل أصبحت سوقاً رئيسية تتنافس عليها العديد من الدول.
هل لا تزال إندونيسيا جاذبة للاستثمارات الأجنبية؟
ومن المثير للسخرية أن إندونيسيا، وهي الدولة التي تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم، لم تتمكن بعد من أن تصبح القائد المطلق في صناعة السياحة الصديقة للمسلمين على مستوى العالم. بل إن إندونيسيا تراجعت في تصنيف المؤشر العالمي للسياحة الإسلامية (GMTI) لعام 2025 إلى المركز الخامس عالمياً، بعد أن كانت قد احتلت الصدارة لمدة عامين متتاليين بالاشتراك مع ماليزيا. وحصلت إندونيسيا على درجة 76، لتتراجع أمام تفوق كل من ماليزيا، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وهنا يطرح سؤال كبير نفسه: لماذا لم تتمكن إندونيسيا من البقاء ضمن المراكز الخمسة الأولى بشكل مستمر، بل وأن تصبح رائدة العالم في السياحة الصديقة للمسلمين، على الرغم من امتلاكها لمقومات أكبر بكثير مقارنة بالعديد من الدول المنافسة؟
من الصعب العثور على دولة تمتلك مقومات للسياحة الصديقة للمسلمين تضاهي ما تملكه إندونيسيا.
- المقومة الأولى: هي أن إندونيسيا تمتلك أكبر تجمع سكاني مسلم في العالم؛ حيث يدين أكثر من 240 مليون نسمة من سكانها بالإسلام. هذا السوق المحلي الضخم ينبغي أن يكون قاعدة قوية لتطوير منظومة متكاملة للسياحة الصديقة للمسلمين.
- ثانياً: تمتلك إندونيسيا ثروة هائلة من الوجهات السياحية الاستثنائية؛ فمن آتشيه إلى بابوا، تقدم إندونيسيا سياحة طبيعية، وثقافية، وتاريخية، وسياحة طهي، ودينية في باقة واحدة يصعب على الدول الأخرى منافستها.
- ثالثاً: تتمتع إندونيسيا بتنوع الوجهات التي تلبي احتياجات السياح المسلمين، حيث تنتشر في مختلف المناطق المساجد التاريخية، والأطعمة الحلال، والتقاليد الإسلامية المحلية، والمهرجانات الثقافية القائمة على القيم الإسلامية.
- رابعاً: أظهرت إندونيسيا أيضاً أداءً جيداً في تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي العالمي (SGIE). ففي تقرير 2024/2025، احتلت إندونيسيا المرتبة الثانية عالمياً في قطاع السياحة الصديقة للمسلمين. ويؤكد هذا الإنجاز أن إندونيسيا تمتلك بالفعل قدرة تنافسية قوية في هذه الصناعة.
تحول مفهوم السياح المسلمين المعاصرين
ومع ذلك, فإن المقومات الكبيرة لا تؤدي دائماً إلى نتائج نهائية متطابقة، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية لإندونيسيا. فلفترة طويلة، كان يُنظر إلى نجاح السياحة الحلال في إندونيسيا على أنه يقتصر فقط على عدد المطاعم الحاصلة على شهادات الحلال، أو الفنادق المتوافقة مع الشريعة، أو وجود المساجد. في حين أن احتياجات السياح المسلمين على مستوى العالم قد تغيرت.
يُظهر تقرير "ماستركارد-كريسنت ريتينج" أن السياح المسلمين اليوم لا يبحثون فقط عن الطعام الحلال وأماكن العبادة، بل يتطلعون أيضاً إلى تجربة سفر آمنة، ومريحة، وشاملة، ورقمية، وسهلة الوصول، تضمن تلبية احتياجاتهم الدينية دون أي عوائق. وبعبارة أخرى، لقد تطورت السياحة الحلال لتصبح سياحة صديقة ومرحبة بالمسلمين.
هذا التحول في المفهوم لم يستوعبه بالكامل العديد من أصحاب المصلحة في إندونيسيا. ونتيجة لذلك، غالباً ما تتوقف استراتيجيات تطوير السياحة الحلال عند جوانب منح الشهادات والترخيص، في حين لم تصبح تجربة السائح هي التركيز الأساسي بعد. ورغم ذلك، فإن السائح المسلم المعاصر يقيس جودة الوجهة السياحية ليس فقط من خلال شعار "حلال"، بل وأيضا من خلال جودة وسائل النقل، وسهولة الدفع الرقمي، والأمان، والنظافة، والخدمات المعلوماتية، وصولاً إلى جودة الاتصال بالإنترنت.
تحديات البنية التحتية، والهوية التسويقية، والمنافسة العالمية
المشكلة التالية تكمن في ضعف تكامل البنية التحتية. تمتلك إندونيسيا بالفعل وجهات سياحية رائعة، لكن الوصول إلى هذه الوجهات لا يزال يمثل تحدياً في كثير من الأحيان. فالعديد من المواقع السياحية المتميزة لا تدعمها وسائل نقل عامة كافية، كما أن المطارات، والموانئ، والمحطات، وشبكات النقل بين المناطق لم تتكامل بشكل كامل لتلبي احتياجات السياح الدوليين.
وإذا قارنا ذلك بماليزيا، نجد أنها حافظت على صدارتها كأفضل وجهة صديقة للمسلمين في العالم طوال عقد من الزمن بشكل مستمر. ولم يكن نجاح ماليزيا مدفوعاً بشهادات الحلال فحسب، بل جاء نتيجة لتكامل سياسات النقل، والفندقة، والترويج السياحي، وصولاً إلى الخدمات الرقمية المرتبطة معاً في منظومة بيئية واحدة. أما في إندونيسيا، فإن العديد من الوجهات المتميزة لا تزال تعمل بشكل منفصل ودون تنسيق قوي بين الجهات الفاعلة، مما يؤدي إلى عدم اتساق تجربة السائح وجعلها غير متجانسة.
ومن المشكلات الأخرى التي يغفل عنها النقاش كثيراً هو ضعف التسويق الدولي. تمتلك إندونيسيا جزيرة "بالي" الشهيرة عالمياً، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياحة الصديقة للمسلمين، فإن الهوية التسويقية (Branding) لإندونيسيا ليست بقوة ماليزيا أو تركيا. فقد نجحت ماليزيا على مدى سنوات طويلة في بناء صورة ذهنية باعتبارها وجهة "صديقة للمسلمين" حديثة، ومريحة، واحترافية. ونجحت تركيا في دمج التاريخ الإسلامي والثقافة والسياحة الحديثة في سرد قصصي قوي ومترابط. كما تقوم المملكة العربية السعودية بتحولات هائلة من خلال رؤية 2030 عبر تطوير وجهات سياحية خارج نطاق سياحة الحج والعمرة.
ولا تزال إندونيسيا تواجه مشكلة تشتت الهوية التسويقية؛ فمن ناحية، ترغب في تطوير السياحة الحلال، ومن ناحية أخرى، تبرز مخاوف من أن يؤدي شعار "حلال" إلى تقليل جاذبية البلاد بالنسبة للسياح غير المسلمين. ونتيجة لذلك، أصبحت الرسالة التسويقية المبنية غير حاسمة. مع أن مفهوم "السياحة الصديقة للمسلمين" في حقيقته هو مفهوم شامل واستيعابي؛ فالوجهة الصديقة للمسلمين لا تعني أنها حصرية للمسلمين فقط، بل هي وجهة توفر خدمات وتسهيلات إضافية تجعل السائح المسلم يشعر بالراحة دون أن تنقص من راحة السياح الآخرين.
وهناك عامل آخر أدى إلى تراجع إندونيسيا وهو تصاعد التنافس العالمي. ففي السابق، كانت السياحة الصديقة للمسلمين مرادفة للدول ذات الأغلبية المسلمة، أما الآن، فقد بدأت الدول غير الإسلامية بالدخول بقوة إلى هذا السوق. وفي مؤشر (GMTI) لعام 2025، احتلت سنغافورة المركز الأول في فئة الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. كما دخلت المملكة المتحدة، وهونغ كونغ، تايوان، وتايلاند، وحتى أيرلندا ضمن قائمة أفضل الوجهات الصديقة للمسلمين في العالم. لقد أدركت هذه الدول أن السياح المسلمين يمثلون سوقاً واعداً للغاية، ولذلك بدأت في توفير المطاعم الحلال، ومصليات في المطارات، وفنادق صديقة للمسلمين، بالإضافة إلى تطبيقات رقمية خاصة بالسياح المسلمين. وبناءً على ذلك، لم تعد المنافسة محصورة بين إندونيسيا وماليزيا فحسب، بل أصبحت منافسة ذات أبعاد عالمية، والدول الأسرع تكيفاً هي التي ستستحوذ على السوق.
جودة الموارد البشرية وضرورة التحول الرقمي
ومن التحديات التي لا تقل أهمية هي جودة الموارد البشرية. إن السياحة الصديقة للمسلمين لا تقتصر على توفير المرافق المادية فحسب، بل تتطلب تقديم خدمات عالية الجودة تستوعب احتياجات السياح المسلمين القادمين من دول وثقافات مختلفة. ويتعين على موظفي الفنادق، والمرشدين السياحيين، ومشرّفي النقل، وأصحاب المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة فهم طبائع وسلوكيات السياح القادمين من الشرق الأوسط، وجنوب آسيا، وإفريقيا، وأوروبا. ولسوء الحظ، فإن التدريب وتوحيد معايير خدمات السياحة الصديقة للمسلمين في إندونيسيا لا يزال غير متساوٍ؛ فهناك مناطق كثيرة تمتلك إمكانات هائلة، لكنها لا تملك بعد الموارد البشرية المستعدة لخدمة السياح الدوليين بطريقة احترافية. وفي صناعة السياحة، غالباً ما تكون جودة الخدمة المقدمة أكثر تأثيراً وحسماً من جمال الوجهة السياحية نفسها.
ويُظهر تقرير (SGIE) لعام 2025/2026 والعديد من التقارير السياحية العالمية أن التحول الرقمي أصبح العامل الحاسم في صناعة السياحة المستقبلية. فالسياح المسلمون الآن يبحثون عن المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات السفر، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية الأخرى قبل اتخاذ قرار السفر. بل إن نحو 68 بالمئة من السياح المسلمين يقرّون بأن قرارات سفرهم تتأثر بما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تواجه إندونيسيا واجباً منزلياً كبيراً؛ إذ إن العديد من الوجهات السياحية لا تتوفر لديها معلومات رقمية كافية حول مواقع المساجد، أو المطاعم الحلال، أو المرافق العائلية، أو خدمات النقل. في حين أن السائح المعاصر يريد الحصول على كافة المعلومات بمجرد لمسة على هاتفه المحمول. وإذا كانت إندونيسيا ترغب في الارتقاء بمستواها، فإن التحول الرقمي في قطاع السياحة يجب أن يكون على رأس الأولويات.
الفرص والخطوات الاستراتيجية للمستقبل
وعلى الرغم من هذه التحديات المتنوعة، فإن الفرص المتاحة أمام إندونيسيا لا تزال كبيرة جداً. إن نمو عدد السياح المسلمين عالمياً نحو 245 مليون شخص بحلول عام 2030 يمثل سوقاً لا يمكن إهداره، لاسيما وأن إندونيسيا تمتلك مزايا طبيعية، وثقافية، وديموغرافية لا تتوفر للكثير من الدول الأخرى. علاوة على ذلك، أصبحت اتجاهات السياحة الإسلامية الآن أكثر تنوعاً؛ فلم يعد السياح يبحثون عن السياحة الدينية فحسب، بل يتطلعون أيضاً إلى السياحة العائلية، والصحية، وسياحة الطهي، والمغامرات، والتعليم، وحتى السياحة البيئية التي تظل متوافقة مع القيم الإسلامية. وإندونيسيا لديها القدرة على تلبية جميع هذه المتطلبات، وكل ما تحتاجه هو الشجاعة لإجراء تحول شامل وجذري.
ولكي تصبح إندونيسيا رائدة في السياحة الصديقة للمسلمين عالمياً، فإنها تحتاج على أقل تقدير إلى اتخاذ خمس خطوات استراتيجية:
- تغيير المفهوم العام من مجرد "سياحة حلال" إلى تجربة "سياحة صديقة للمسلمين" شاملة ومتكاملة.
- تسريع تكامل البنية التحتية والترابط بين الوجهات السياحية المختلفة.
- تعزيز الهوية التسويقية لإندونيسيا كوجهة صديقة للمسلمين، استيعابية وشاملة، وذات مستوى عالمي.
- رفع كفاءة الموارد البشرية في قطاع السياحة من خلال التدريب والشهادات الدولية المعتمدة.
- تسريع الرقمنة والتحول الرقمي للخدمات السياحية لتمكين السياح من الوصول إلى كافة احتياجاتهم بسهولة وسرعة.
ويجب تنفيذ هذه الخطوات بشكل متزامن ومتكامل، مع إشراك الحكومة المركزية، والحكومات المحلية، والعاملين في القطاع، والأكاديميين، والمجتمعات المحلية.
إن تراجع ترتيب إندونيسيا في مؤشر (GMTI) لعام 2025 وتقرير (SGIE) لعام 2025/2026 يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار وفرصة في آن واحد للمراجعة والتقييم. فإندونيسيا لا تفتقر إلى الإمكانات، وإنما الذي ينقصها هو القدرة على تحويل هذه الإمكانات إلى قوة تنافسية عالمية مستدامة. وفي ظل النمو المتسارع للاقتصاد الإسلامي العالمي، تعد السياحة الصديقة للمسلمين واحدة من أكثر القطاعات واعديةً. وإذا تمكنت إندونيسيا من بناء منظومة متكاملة، ومبتكرة، وموجهة نحو إثراء تجربة السائح، فلن تكتفي بالعودة إلى المراكز الخمسة الأولى فحسب، بل ستكون لديها الفرصة لتصبح القائد الرئيسي لصناعة السياحة الصديقة للمسلمين على مستوى العالم. فلم يعد السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت إندونيسيا تمتلك الإمكانات، فالإمكانات موجودة وضخمة جداً، بل إن السؤال الأكثر أهمية هو: ما مدى سرعة إندونيسيا في إجراء هذا التحول قبل أن تقتنص الدول الأخرى الفرص التي ينبغي أن تكون من حق إندونيسيا؟
نُشر هذا المقال في عمود صحيفة "كومباس" (Kompas) يوم الإثنين (03/05/2026) (حقوق النقل لـ: أزهر رحمت ديتا).
