السعي وراء النمو المرتفع، والحفاظ على العدالة الاجتماعية

السعي وراء النمو المرتفع، والحفاظ على العدالة الاجتماعية

 محمد نور ريانتو العارف

(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية، والأمين العام للمجلس التنفيذي لجمعية المحاضرين الإندونيسيين، وعضو المجلس التنفيذي لرابطة الاقتصاد الإسلامي الإندونيسي، وعضو جمعية الاقتصاد الإندونيسي - فرع جاكرتا)

في خضم تفاؤل الحكومة بدفع عجلة النمو الاقتصادي ليصل إلى ما بين 6 و8% في السنوات القليلة المقبلة، تقف إندونيسيا حقيقةً عند مفترق طرق تاريخي. فمن ناحية، يعد تحقيق نمو اقتصادي مرتفع أمراً ضرورياً لإخراج إندونيسيا من "فخ الدخل المتوسط" (middle income trap). ولكن من ناحية أخرى، فإن النمو الذي يركز بشكل مفرط على الأرقام الإحصائية المجردة يحمل في طياته مخاطر ولادة تفاوات واجتماعية أكثر حدة.

والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا بسيط في صياغته ولكنه جوهري في مضمونه: هل يحقق النمو الاقتصادي المرتفع العدالة الاجتماعية تلقائياً؟ تظهر تجارب العديد من الدول أن الإجابة ليست كذلك دائماً؛ فهناك دول نمت اقتصاداتها بسرعة ولكنها أنتجت فجوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء. وفي المقابل، هناك دول نجحت في تحقيق التوازن بين النمو والعدالة في التوزيع. وإندونيسيا اليوم تمر بهذا الاختبار: هل هي قادرة على السعي وراء النمو المرتفع دون التضحية بالعدالة الاجتماعية؟

إن هذه المسألة تكتسب أهمية بالغة لأن الاقتصاد في جوهره ليس مجرد أرقام تتعلق بالناتج المحلي الإجمالي، بل هو مسألة ترتبط بجودة حياة الإنسان. فالنمو الاقتصادي الذي لا يشعر به غالبية الشعب لا يصنع سوى وهم التقدم. وتمتلك إندونيسيا في الواقع مقومات هائلة؛ فالطفرة الديموغرافية (النافذة الديموغرافية) لا تزال مستمرة، والاستهلاك المحلي قوي، والموارد الطبيعية وفيرة، والاستقرار السياسي مستتب نسبياً. ومع ذلك، فإن هذه المقومات ستبقى مجرد إمكانات معطلة ما لم تصاحبها عدالة أكبر في توزيع الثروة.

وفي السنوات الأخيرة، نجحت الحكومة بالفعل إلى حد كبير في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. حيث استقر النمو الاقتصادي لإندونيسيا طوال عام 2025 عند مستوى يتجاوز 5%، بل إن الربع الرابع من عام 2025 والربع الأول من عام 2026 سجلا نمواً بنحو 5.39% و5.61% على أساس سنوي. ومع ذلك، فإن هذا النمو لم يقدّم بعد إجابة كاملة على التساؤلات المتعلقة بجودة الرفاهية المجتمعية.

ففي العديد من المناطق، لا يزال المواطنون يشعرون بوطأة ضغوط تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على وظائف رسمية عالية الجودة، فضلاً عن ركود الأجور. وفي المناطق الحضرية، باتت ظاهرة "الطبقة المتوسطة الهشة" أكثر وضوحاً. أما في الريف، فلا تزال الإنتاجية الاقتصادية مكبلة بمحدودية البنية التحتية، وضعف الوصول إلى الأسواق، وتدني جودة الموارد البشرية. وهنا تبرز مفارقة التنمية في إندونيسيا: الاقتصاد ينمو، لكن الأمان الاقتصادي للمجتمع لم يتعافَ بالكامل بعد.

إن تركز النمو الاقتصادي بشكل مفرط في قطاعات معينة يمكن أن يخلق تفاوتاً جديداً. على سبيل المثال، فإن النمو المدفوع بالقطاعات كثيفة رأس المال غالباً ما يولد أرباحاً هائلة لأصحاب رؤوس الأموال، دون أن يستوعب العمالة بشكل أمثل، ونتيجة لذلك يحدث النمو دون عدالة في توزيع الدخل.

وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في ديناميكيات الاقتصاد الرقمي وسياسات المصب الصناعي (Hilirisasi). ورغم أن هذين القطاعين يمثلان المحركين الجديدين للنمو في إندونيسيا، إلا أن منافعهما الاقتصادية لم تتوزع بعد بشكل متساوٍ؛ إذ لا تزال النسبة الأكبر من القيمة المضافة تتركز في يد المجموعات الاقتصادية الكبرى وفي مناطق جغرافية محددة، لا سيما في جزيرة جاوة والمدن الكبرى.

علماً بأن غاية التنمية في إندونيسيا منذ البداية لم تكن مجرد تحقيق النمو، بل العدالة الاجتماعية. فالمبدأ الخامس من مبادئ "البانشاسيلا" (الدستور العقدي للدولة) يضع العدالة الاجتماعية صراحةً كهدف نهائي للتنمية الوطنية. وهذا يعني أن النمو الاقتصادي يجب أن يكون أداة لتوسيع نطاق الرفاهية، وليس مجرد وسيلة لتضخيم تراكم الثروات. بناءً على ذلك، لا يكفي قياس النجاح الاقتصادي من خلال نمو الناتج المحلي الإجمالي وحده؛ بل نحن بحاجة إلى النظر في مؤشرات أخرى مثل معدلات الفقر، والبطالة، والتفاوت الطبقي، وفرص الحصول على التعليم، وجودة الرعاية الصحية، والحراك الاجتماعي للمواطنين.

وتشير أحدث البيانات إلى أن التفاوت الاقتصادي في إندونيسيا قد شهد تحسناً بالفعل، ولكنه لا يزال يترك وراءه مهاماً جسيمة بحاجة إلى حل. فقد سجل مكتب الإحصاء المركزي أن معامل جيني (Gini Ratio) لإندونيسيا في سبتمبر 2025 استقر عند 0.363، متراجعاً مقارنة بشهر مارس 2025 حيث كان 0.375. ويظهر هذا الرقم أن الفجوة بدأت تضيق، لكنها تظل عند مستوى يذكرنا بأن توزيع الرفاهية لم يصل بعد إلى مرحلة المساواة الكاملة.

والحقيقة الملفتة للانتباه هي أن التفاوت في المدن لا يزال أعلى بكثير مقارنة بالريف؛ إذ سجل معامل جيني في الحضر نحو 0.383، في حين بلغ في الريف حوالي 0.295. وهذا يدل على أن التحديث الاقتصادي في المدن يولد -للمفارقة- فجوة أكبر. فالمدن الكبرى باتت مراكز للنمو ومراكز للتفاوت في آن واحد؛ حيث تحلق أسعار العقارات عالياً، وترتفع تكاليف التعليم، وتصبح الفرص الاقتصادية أكثر تنافسية. ويستمتع أصحاب المؤهلات التعليمية والأصول القوية بثمار هذا النمو بشكل أكبر، في حين تتخلف الفئات الهشة عن الركب.

ومن جهة أخرى، شهد الفقر تراجعاً؛ إذ بلغ عدد الفقراء في سبتمبر 2025 نحو 23.36 مليون نسمة، أي حوالي 8.25% من إجمالي السكان. كما انخفض الفقر المدقع إلى نحو 0.85% أو 2.38 مليون نسمة في مارس 2025. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام تؤكد أن ملايين الإندونيسيين ما زالوا يعيشون في ظروف هشّة؛ فأي هزة اقتصادية طفيفة -مثل ارتفاع أسعار الغذاء، أو موجات التسريح الجماعي من العمل، أو ضعف القوة الشرائية- كفيلة بأن تهوي بهذه الفئات الضعيفة إلى دائرة الفقر مجدداً.

وهذا الوضع يثبت أن النمو الاقتصادي الإندونيسي لم يرقَ بعد إلى وصف "النمو ذي الجودة الفائقة". فالنمو عالي الجودة يجب أن يتسم بثلاث ركائز أساسية: خلق فرص عمل منتجة، تقليص الفجوة الاقتصادية، وتعزيز الحراك الاجتماعي.

ولسوء الحظ، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه إندونيسيا اليوم يكمن تحديداً في خلق فرص عمل نوعية. فالطفرة الديموغرافية لن تكون نعمة إلا إذا توافرت الوظائف اللائقة. وبخلاف ذلك، يمكن أن تتحول هذه الطفرة إلى كارثة اجتماعية إذا انحصرت خيارات ملايين الشباب في قطاعات العمل غير الرسمية ذات الأجور المتدنية. وتُظهر ظاهرة تنامي العمالة غير الرسمية واقتصاد العمل الحر (Gig Economy) أن سوق العمل الإندونيسي يتغير بسرعة كبيرة؛ حيث يعمل الكثير من الشباب دون حماية اجتماعية كافية، ويتمتعون بمرونة العمل ولكن دون أي أمان مالي طويل الأجل. وقد يدعم هذا النموذج الاستهلاك على المدى القصير، ولكنه ينطوي على خطر خلق حالة من عدم الأمان الاجتماعي على المدى الطويل.

لذلك، يجب أن تبدأ استراتيجية النمو الاقتصادي في إندونيسيا بالتحول من مجرد مطاردة الأرقام إلى بناء تنمية أكثر شمولاً.

  • أولاً: يجب أن تقوم الصناعة على خلق قيمة مضافة محلية واستيعاب الأيدي العاملة. إن سياسة المصب للموارد الطبيعية أمر مهم، ولكن يجب ألا تتوقف عند حدود تصدير المواد نصف المصنعة؛ بل تحتاج إندونيسيا إلى تحفيز الصناعات التحويلية ذات التكنولوجيا المتوسطة والمتقدمة القادرة على استيعاب العمالة الماهرة على نطاق واسع. لقد نجحت دول شرق آسيا في تحقيق نمو سريع لأنها تمكنت من بناء قاعدة صناعية تحويلية صلبة؛ فكوريا الجنوبية والصين لم تكتفيا بتصدير المواد الخام، بل خلقتا منظومة صناعية متكاملة شارك فيها ملايين العمال المحليين. وعلى إندونيسيا أن تتعلم من تلك التجارب؛ فسياسة المصب لمعدن النيكل -على سبيل المثال- يجب أن ترتبط بتطوير صناعات بطاريات السيارات الكهربائية، والبحث التكنولوجي، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة المغذية لهذه الصناعة، لكي لا تقتصر المنافع على كبار المستثمرين بل تمتد للمجتمع بأسره.

  • ثانياً: يجب أن تتوجه التنمية الاقتصادية نحو تحقيق التوازن بين الأقاليم والمحافظات. فلطالما تمركز النمو الاقتصادي لإندونيسيا في جزيرة جاوة، وهذا التفاوت الإقليمي جعل فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية غير متكافئة. ورغم أن بناء البنية التحتية في السنوات الأخيرة قد ساعد في فتح قنوات التواصل، إلا أن البنية التحتية الفيزيائية (المادية) وحدها لا تكفي؛ بل الأهم هو بناء بنية تحتية اقتصادية مثل المناطق الصناعية، ومراكز الابتكار، والتعليم المهني، وتسهيل الوصول إلى التمويل المحلي. لا يجوز أن تبقى المناطق مجرد أسواق استهلاكية، بل يجب أن تتحول إلى مراكز إنتاج جديدة.

  • ثالثاً: يعد إصلاح قطاع التعليم أجندة ملحة لا تقبل التأجيل. إذ يستحيل خلق نمو عالي الجودة دون وجود موارد بشرية متميزة. وتحدي إندونيسيا لا يكمن في كمية العمالة بل في نوعيتها؛ فلا يزال هناك فجوة بين مؤهلات الخريجين واحتياجات السوق الصناعي، مما أدى إلى ارتفاع البطالة بين المتعلمين، في حين تواجه المصانع صعوبة في العثور على عمال بمهارات محددة. لذا، يجب تعزيز التعليم المهني وتفعيل سياسة الربط والمواءمة (link and match) مع قطاع الصناعة. كما يتعين على الجامعات أن تكون أكثر مرونة وتكيفاً مع تغيرات الاقتصاد الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي. علاوة على ذلك، يجب تحقيق العدالة في فرص الحصول على التعليم الجيد؛ فلا يجوز أن تقتصر جودة التعليم على سكان المدن والفئات الاقتصادية العليا، لأنه إذا تُرِك التفاوت التعليمي على حاله، فإن التفاوت الاقتصادي سيستمر بالتوارث عبر الأجيال.

  • رابعاً: يجب تعزيز شبكات الأمان والحماية الاجتماعية كركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية. فالكثير من الدول المتقدمة استطاعت الحفاظ على استقرارها الاجتماعي لأنها تملك أنظمة ضمان اجتماعي قوية تضمن للمواطنين الحماية الأساسية عند تباطؤ الاقتصاد. وإندونيسيا تمتلك بالفعل برامج مساعدات اجتماعية متنوعة، لكن التحدي يكمن في دقة الاستهداف، وتكامل البيانات، والاستدامة المالية. إن الحماية الاجتماعية في المستقبل لا يجب أن تقتصر على الطابع الرعائي أو الخيري الفوري، بل يجب أن تكون تمكينية؛ أي أن ترتبط برامج المساعدات برفع القدرات الاقتصادية للمواطنين من خلال التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير التمويل الإنتاجي.

  • خامساً: يمثل تمكين الاقتصاد الشعبي المفتاح السحري للحفاظ على التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية. ولا تزال المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة (UMKM) تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، ومع ذلك، فإن هذه المساهمة الكبيرة لم تقابلها فرص كافية للحصول على التمويل والتكنولوجيا. ورغم أهمية تحويل هذه المشروعات إلى الرقمية، إلا أن ذلك يجب أن يصاحبه توجيه ودعم مستمر؛ فالكثير من المشروعات الصغيرة دخلت المنصات الرقمية ولكنها ظلت عاجزة عن التطور بسبب ضعف قدرتها الإنتاجية ومحدودية وصولها إلى الأسواق. من هنا، تحتاج الدولة إلى حضور أقوى لبناء منظومة متكاملة للاقتصاد الشعبي، ويمكن أن تشكل التعاونيات الحديثة، والتمويل الإسلامي الشامل، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية أدوات فعالة لتحقيق التوازن الاقتصادي.

وفي ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، يتعين على إندونيسيا الحذر من "فخ النمو الزائف". فثمة توجه لدى بعض الدول بالتركيز المفرط على تحقيق نمو قصير الأجل مدفوع بالاستهلاك والديون، مع إهمال الإنتاجية طويلة الأجل. إن النمو الصحي يجب أن يرتكز على الإنتاجية، والابتكار، والكفاءة الاقتصادية؛ وبخلاف ذلك، لن يكون النمو سوى فقاعة مؤقتة.

بالإضافة إلى ذلك، تحمل الطفرة التكنولوجية تحديات جديدة للعدالة الاجتماعية؛ فالأتمتة والذكاء الاصطناعي يهددان بإحلال الآلة مكان العديد من الوظائف النمطية الدورية، وإذا لم يستبق صانع القرار هذا الوضع، فإن فجوة المهارات ستتسع بشكل مخيف، حيث ستنطلق الفئات التي تملك المال والتكنولوجيا بسرعة فائقة، بينما تتخلف الفئات الهشة خطوات إلى الوراء. وبناءً عليه، يجب أن يتزامن التحول الرقمي مع أجندة جادة للاحتواء الرقمي (Inklusi Digital) عبر توفير إنترنت منخفض التكلفة، ونشر الثقافة الرقمية، وتقديم التدريب على المهارات الجديدة كجزء من السياسة التنموية الوطنية.

والقضية الأخرى التي تستوجب التدقيق هي الضغوط التي تتعرض لها الطبقة المتوسطة. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مخاوف جدية بشأن تراجع القوة الشرائية لهذه الطبقة، بل إن بعض المحللين يرون أن أعداداً كبيرة من الطبقة المتوسطة قد انزلقت إلى فئة "الفئات الهشة" تحت وطأة تكاليف المعيشة وركود الدخل، وهو نقاش عام بات يتردد صداه بقوة في مجتمعات الفضاء الرقمي. والخطورة تكمن في أن الطبقة المتوسطة تلعب دوراً محورياً كمحرك للاستهلاك، وصمام أمان للاستقرار الاجتماعي، ووعاء أساسي للضرائب؛ وإذا ضعفت، فإن القدرة على الصمود للاقتصاد المحلي ستصاب بالخلل. لذلك، يجب أن تكون السياسات المالية والنقدية أكثر حساسية واستجابة للضغوط التي تواجهها الطبقة المتوسطة، من خلال ضمان استقرار أسعار الغذاء، وتوفير السكن ميسور التكلفة، وضبط تكاليف التعليم، وتسهيل الوصول إلى وسائل النقل العام.

وفي نهاية المطاف، فإن التنمية الاقتصادية ليست سباقاً لمطاردة أرقام النمو، بل هي عملية لبناء كرامة الإنسان. وإذا كان النمو الاقتصادي المرتفع أمراً مهماً، فإن العدالة الاجتماعية تظل المبدأ الأكثر أصالة ورسوخاً. ولا تملك إندونيسيا رفاهية اختيار أحدهما دون الآخر؛ فالنمو والتوزيع العادل يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب. إننا بحاجة إلى نمو يصنع الأمل لا القلق، نمو يفتح الآفاق والفرص ولا يوسع هوة التفاوت، ونمو يعزز التماسك الاجتماعي ولا يولد شعوراً بالاغتراب الاقتصادي.

وهنا تظهر القيادة الاقتصادية الحقيقية تحت مجهر الاختبار؛ إذ لا يكفي أن تكون الحكومة مجرد ميسّر للاستثمار، بل يجب أن تكون حارساً للعدالة الاجتماعية. فالسوق وإن كان مهماً، إلا أن الدولة تظل حاملة للمسؤولية الأخلاقية لضمان أن يلمس ثمار التنمية كل فرد من أفراد الشعب.

إذا نجحت إندونيسيا في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين النمو المرتفع والعدالة الاجتماعية، فإن الطفرة الديموغرافية ستتحول إلى فرصة ذهبية للانتقال نحو مصاف الدول المتقدمة. أما إذا تُركت الفجوة تتسع، فإن النمو ذاته قد يتحول إلى فتيل لعدم الاستقرار الاجتماعي في المستقبل. وتاريخ العديد من الدول يؤكد أن التفاوت الطبقي الحاد غالباً ما يكون البذرة الأولى للاضطرابات الاجتماعية، والاستقطاب السياسي، بل والأزمات الاقتصادية الخانقة. ومن ثم، فإن الحفاظ على العدالة الاجتماعية ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو شرط أساسي لاستدامة التنمية.

إن السعي وراء النمو المرتفع هو ضرورة حتمية، لكن الحفاظ على العدالة الاجتماعية هو أمانة دستورية، وإندونيسيا بحاجة إليهما معاً في آن واحد. وفي ظل كل التحديات العالمية الراهنة، لعل هذا هو الاختبار الأكبر لمسيرة التنمية في إندونيسيا: كيف نضمن أنه عندما يرتفع الاقتصاد إلى أعلى، يقف كل أفراد الشعب بظهور أكثر استقامة وكرامة.

 ملحوظة: نُشر هذا المقال في شبكة "سي إن بي سي إندونيسيا" (CNBC Indonesia) يوم الأحد، 24 مايو 2026.