السانتري وميلاد القيادة الخضراء

السانتري وميلاد القيادة الخضراء

الأستاذ الدكتور أحمد ثعلبي خارلي
أستاذ كرسي بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا وعضو مجلس التعليم العالي

في خضم التطور التسارع للذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والمنافسة الاقتصادية العالمية، يكمن التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية في جودة القيادة. لقد استطاع العالم تشييد نطاحات السحاب، وتطوير الذكاء الاصطناعي، بل وحتى استكشاف الفضاء الخارجي.

وفي الوقت ذاته، لا تزال الغابات والأنهار والهواء والأرض التي تدعم الحياة تواجه مخاطر دمار متعددة. وتكشف أزمة المناخ في جوهرها عن قضايا بيئية تتشابك بشكل وثيق مع أسلوب التفكير وجودة القيادة في اتخاذ القرارات التي تحدد مستقبل كوكب الأرض.

وتطلق الأمم المتحدة على هذه الحالة اسم الأزمة الكوكبية الثلاثية (triple planetary crisis): التغير المناخي، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث البيئي. ويُظهر تقرير الهيئة الحكومية الدولية معنية بتغير المناخ (IPCC 2023) أن متوسط درجة حرارة الأرض قد ارتفع بأكثر من درجة مئوية واحدة مقارنة بعصر ما قبل الصناعة، بينما تحذر منظمة الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) من أن أكثر من مليون نوع حيواني ونباتي باتت على شفا الانقراض.

كما تواجه إندونيسيا تهديدات متزايدة الحجم والوضوح؛ فباعتبارها دولة أرخبيلية، تشهد إندونيسيا ارتفاعًا في الكوارث المناخية والمائية، وتآكل الشواطئ، وأزمة المياه الصالحة للشرب، فضلاً عن تراجع الإنتاجية الزراعية.

وتشير بيانات الوكالة الوطنية لتدبير الكوارث (BNPB) إلى أن معظم الكوارث التي تحدث سنويًا هي كوارث هيدرومناخية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتدهور البيئي.

لقد أصبح التغيير ضرورة ملحة ومستعجلة، والتحدي التالي يكمن في إيجاد وتنشئة قادة قادرين على توجيه هذا التغيير وقيادته.

ويمكن لهذه القيادة أن تنمو من فضاءات متعددة، بما في ذلك فضاءات التربية الأخلاقية وبناء الشخصية التي تصقل النزاهة والبساطة والمسؤولية الأخلاقية. وفي السياق الإندونيسي، تُعد المعاهد الإسلامية التقليدية (البيسانترين) إحدى محاضن التربية التي تمتلك هذه القوة الفريدة.

طلاب المعاهد قادة الخضرة والبيئة

طالما قِيس نجاح طالب المعاهد الإسلامية (السانتري) بمدى إتقانه للعلوم الشرعية، وقدرته على قراءة أمهات الكتب التراثية، أو نشاطه الدعوي في أوساط المجتمع. وتظل كل هذه المقومات هي الركائز الأساسية الجوهرية.

غير أن تحديات القرن الحادي والعشرين توسع في الوقت ذاته من آفاق القيادة التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. فالمطلوب من "السانتري" اليوم ليس فقط توجيه الناس نحو الخير، بل وأيضًا حماية استدامة الطبيعة باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من أمانة الاستخلاف في الأرض.

ومن هنا تجد فكرة القيادة الخضراء (green leadership) ملاءمتها وأهميتها العميقة. فالقيادة الخضراء هي رؤية قيادية تجعل من الاستدامة منهجًا أساسيًا في كل عملية اتخاذ قرار. فالقائد الأخضر يمتلك رؤية بيئية تتجاوز فترة ولايته، ويلقي بالاً للآثار طويلة المدى لكل سياسة يسنها، فضلاً عن قدرته على تحريك المجتمع نحو بناء ثقافة حياة أكثر استدامة.

وبذلك، يتجلى الانحياز للبيئة كجزء أصيل ومتكامل مع النزاهة الأخلاقية للقائد.

وهذه القيم في واقع الأمر متجذرة منذ القدم في تعاليم الإسلام، حيث يذكرنا القرآن الكريم بقوله تعالى: "وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (سورة الأعراف: 56). وتوضح هذه الآية الكريمة أن الحفاظ على البيئة جزء من طاعة الله ومسؤولية الإنسان باعتباره خليفة في الأرض.

ووفقًا للشيخ يوسف القرضاوي (2001)، فإن حماية البيئة تُعد جزءًا من مقاصد الشريعة؛ لأن الدمار البيئي يهدد في نهاية المطاف حماية النفس (حفظ النفس)، والمال (حفظ المال)، والنسل (حفظ النسل)، واستمرار الحياة الدينية نفسها. وبذلك تصبح العناية بالبيئة تجسيدًا حيًا للمقاصد الكلية للشريعة في حياة البشر.

وتستند المكانة الاستراتيجية للمعاهد الإسلامية إلى نظامها التعليمي الذي يصقل الشخصية من خلال الحياة الجماعية المستمرة على مدار أربع وعشرين ساعة. فالمرجعية الأخلاقية للشيوخ (الكيائي)، وثقافة القدوة الحسنة، والعيش البسيط، والتكافل الاجتماعي، والانضباط، والسيطرة على الاستهلاك؛ كلها تشكل رصيدًا اجتماعيًا وثيق الصلة بمبادئ الاستدامة البيئية.

ويمكن ترجمة هذه القيم إلى ممارسات عملية واقعية، مثل إدارة النفايات المتكاملة، وترشيد استهلاك المياه، والتشجير، واستخدام الطاقة المتجددة، وتطوير الاقتصاد الدائري القائم على المعاهد الإسلامية.

وقد بدأت هذه التطلعات تتحقق بالفعل؛ فخلال السنوات الأخيرة، قامت عدة معاهد إسلامية في إندونيسيا بتطوير حركة المعهد البيئي (Eco Pesantren) من خلال إدارة البيئة، وتخضير المساحات، وتدوير النفايات، وتوفير التربية البيئية للطلاب.

وتُظهر المبادرات المختلفة المدعومة من الحكومة والمؤسسات المجتمعية والجمعيات البيئية أن المعاهد الإسلامية تمتلك القدرة على أن تكون مختبرات للاستدامة تجمع بين القيم الدينية والممارسات العملية لحماية البيئة.

وتتضاعف هذه الإمكانات لأن غالبية الطلاب اليوم ينتمون إلى الجيل الرقمي. وإذا كانت الدعوة البيئية في الماضي تنتشر عبر الدروس الدينية والقدوة الحسنة والخدمة المجتمعية، فإن الرسالة ذاتها اليوم قادرة على الوصول إلى الملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والفتيان التعليمية، والبودكاست، والتعاون بين المجتمعات المختلفة. لقد أضحت الدعوة البيئية حاضرة في الفضاء الرقمي الذي يشكل ساحة صياغة وعي الشباب.

ولذلك، ينبغي توجيه تطوير القيادة الخضراء في المعاهد الإسلامية بنمط أكثر منهجية وتنظيمًا؛ فيجب دمج التربية البيئية في المناهج الدراسية، وإدارة المعاهد، والحياة اليومية للطلاب. وتُعتبر برامج ترشيد المياه، والحد من النفايات البلاستيكية، والتشجير، واستخدام الطاقة النظيفة، وتطوير الريادة الخضراء، مساحات عملية وملموسة لتعلم مهارات القيادة.

ومن خلال هذه التجربة، يدرك الطلاب أهمية حماية كوكب الأرض وفي الوقت ذاته تتاح لهم الفرصة لقيادة التغيير بشكل مباشر.

إن إندونيسيا بحاجة إلى المزيد من القادة القادرين على الجمع بين الذكاء الفكري، والعمق الروحي، والمسؤولية البيئية. وقد أثبت التاريخ أن المعاهد الإسلامية قد خرجت العلماء، ورجال الدولة، والمربين، والمناضلين من أجل الاستقلال.

وتوجه تحديات هذا القرن المعاهد الإسلامية لتخريج جيل قادر على صيانة استدامة الأرض مع البقاء متمسكًا ورسيخًا في القيم الإسلامية الاصيلة.

فالصلاح في نهاية المطاف يتجلى في جودة العبادات الشعائرية إلى جانب الأثر الصالح والأفعال النافعة التي يتركها الإنسان لسائر المخلوقات. وعندما يقود طلاب المعاهد الحركة نحو مجتمع أكثر صديقًا للبيئة، فإنهم يحيون المعنى الحقيقي لـ خلافة الأرض كما علمنا القرآن الكريم.

في القرن الماضي، أنجبت المعاهد الإسلامية حماة استقلال الوطن، ويحمل هذا القرن نداءً تاريخيًا لإنجاب حماة استدامة الأرض. وهناك تكتسب القيادة الخضراء (green leadership) أعمق معانيها باعتبارها القيادة التي تبني الحضارة وتصون الأرض لتظل صالحة للعيش ولتوريثها للأجيال القادمة.

نُشر هذا المقال في عمود الرأي بموقع وزارة الشؤون الدينية (Kemenag) يوم الجمعة، 31 يوليو 2026.