التعليم في فخ البيروقراطية
أحمد ثلابي خارلي
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا)
من جهةٍ، يضع القانون رقم 14 لسنة 2005 بشأن المعلمين وأعضاء هيئة التدريس المربي في مكانة مهنية مرموقة، ذات سلطة فكرية ودور استراتيجي في بناء حضارة الأمة. غير أن الواقع العملي يُظهر أن المعلمين وأعضاء هيئة التدريس كثيرًا ما يُحاصرون في أدوار إدارية، يُطلب منهم ملء استمارات متعددة الطبقات، ورفع الوثائق إلى المنصات الرقمية، واستيفاء مؤشرات كمية بعيدة في كثير من الأحيان عن جوهر تحسين جودة التعليم.
ما يبدو ظاهريًا شكوى تقنية من تعقيد التطبيقات، يعكس في حقيقته مشكلة بنيوية أعمق، هي عملية “نزع المهنية”. إذ يفقد المعلمون وأعضاء هيئة التدريس المساحة اللازمة للتفكير والبحث وبناء الحوار الفكري، لأن طاقتهم تُستنزف في التكيف مع منطق بيروقراطي تفرضه أنظمة تنظيمية متعددة.
من الناحية المعيارية، يمنح قانون المعلمين وأعضاء هيئة التدريس أساسًا قويًا لاحترافية المهنة. لكن على مستوى التطبيق، تتشكل السياسات في كثير من الأحيان وفق لوائح قطاعات أخرى تحمل منطقًا غير تربوي.
أولًا، نظام الخدمة المدنية وفق القانون رقم 20 لسنة 2023 بشأن الجهاز الإداري للدولة. فالمعلمون وأعضاء هيئة التدريس بوصفهم موظفين حكوميين يُدرجون ضمن آلة بيروقراطية تفرض نظام مساءلة قائمًا على الأداء، يتطلب تقارير يومية، ومؤشرات مخرجات، والامتثال لمعايير تقييم إداري صارمة. هذا النموذج يعزز علاقة هرمية تقوم على الطاعة أكثر من الإبداع المهني.
ثانيًا، نظام المالية العامة والخزانة، استنادًا إلى القانون رقم 17 لسنة 2003 بشأن المالية العامة، والقانون رقم 1 لسنة 2004 بشأن الخزانة، وما يتبعهما من آليات تقارير الميزانية والمساءلة والمراجعة. وقد أدى ذلك إلى إلزام المدارس والجامعات بإعداد تقارير مفصلة ومتكررة، مما جعل وقت المربين يُستهلك في الإثباتات الورقية والتعديلات الإدارية.
ثالثًا، نظام الحكم المحلي وفق القانون رقم 23 لسنة 2014، الذي منح الحكومات المحلية صلاحيات واسعة في إدارة التعليم الأساسي والثانوي، فبات المعلمون يخضعون لمعايير تقارير مختلفة من منطقة إلى أخرى.
رابعًا، نظام البيانات المتكامل، حيث أوجدت منصات متعددة لإدخال البيانات ورفع الوثائق، ما خلق تكرارًا في التقارير وضعفًا في التنسيق، وأدى إلى تقليص الوقت المخصص لتطوير الكفاءة الأكاديمية.
تُظهر هذه الحالة أن مشكلة نزع المهنية لا تنبع من ضعف المعلمين أو أعضاء هيئة التدريس، بل من عدم انسجام المنظومة التنظيمية التي تحكم التعليم، إذ تعمل كل لائحة بمنطقها الخاص دون مراعاة أثرها على الاحترافية.
وقد تناول الباحث في سياسات التعليم بجامعة لندن، ستيفن ج. بول (2003)، مفهوم “الأدائية”، أي ميل الأنظمة الحديثة إلى قياس كل جوانب عمل المعلم بالأرقام والمؤشرات. وبذلك يُقاس المعلم بمدى امتثاله للمعايير الشكلية، لا بجودة تفاعله التربوي. كما يؤكد أندرياس شلايخر (2018)، مدير التعليم في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الدول الناجحة هي التي تمنح المعلمين استقلالية مقرونة بالمساءلة، لا مساءلة بلا استقلالية.
تشير تقارير دولية إلى أن المعلمين في كثير من البلدان يقضون ما بين 20 إلى 30 بالمئة من وقتهم في مهام إدارية غير تعليمية. وفي إندونيسيا، يُظهر الواقع نمطًا مشابهًا، حيث يُستنزف وقت المربين في التوثيق بدل تطوير المعرفة.
تضم إندونيسيا نحو 3.36 مليون معلم في العام الدراسي 2023/2024، وحوالي 303 آلاف عضو هيئة تدريس في التعليم العالي عام 2024/2025. ومع ذلك، لا تزال تحديات توزيع الموارد والدعم المهني قائمة، إضافة إلى نقص المعلمين في بعض المناطق بسبب التقاعد وعدم التوازن في التوزيع. وفي التعليم العالي، يتراوح عدد الأساتذة (البروفيسور) بين 8,500 و11,000 تقريبًا، ما يدل على أن البيئة الأكاديمية لم تبلغ بعد المستوى الأمثل لإنتاج قيادات فكرية كافية.
تُظهر الدراسات أن تزايد الأعباء الإدارية الناتجة عن تداخل البرامج ومتطلبات التقارير أدى إلى شعور كثير من أعضاء هيئة التدريس بأنهم أصبحوا “مشغلي أنظمة” أكثر من كونهم منتجي معرفة. وهذا ينعكس سلبًا على جودة التعليم والبحث العلمي.
تراكم الضغوط الإدارية يؤدي إلى إضعاف المهنية وتقليل جاذبية المهنة على المدى الطويل. وتشير تقديرات اليونسكو (2024) إلى حاجة العالم إلى نحو 44 مليون معلم إضافي بحلول 2030، ما يعكس حجم التحدي العالمي. ولا ينبغي لإندونيسيا أن تنجرف في المسار ذاته حيث تفقد المهنة جاذبيتها وتتراجع جودة التعليم.
تأثير نزع المهنية لا يقتصر على المعلمين، بل يمتد إلى جودة التعلم. فالمعلم المثقل إداريًا يفقد فرصة التأمل التربوي وتطوير أساليب مبتكرة، ويصبح التعليم إجراءً شكليًا لا عملية عميقة ذات معنى. وفي الجامعات، يميل البحث العلمي إلى أن يكون “آمنًا إداريًا” قليل الابتكار، بسبب انشغال الأساتذة بمتطلبات التقارير والتقييم.
ولإعادة الاعتبار لمهنة التعليم، لا بد من إصلاحات هيكلية. أولًا، مراجعة شاملة وتنسيق اللوائح ذات الصلة بالتعليم، بحيث تُلغى التقارير المكررة وغير الضرورية. ثانيًا، تعزيز الاستقلالية الأكاديمية، مع بقاء المساءلة في إطار متوازن. ثالثًا، إعادة تصميم أعباء العمل بحيث تكون الأنشطة الفكرية جوهرًا لا هامشًا. رابعًا، الفصل بين المهام الإدارية والأكاديمية عبر توفير كادر إداري متخصص. خامسًا، ترسيخ ثقافة الثقة، إذ لا يمكن بناء تعليم عالي الجودة دون الثقة بالمربين.
إذا كان التعليم استثمار الأمة في المستقبل، فإن المعلمين وأعضاء هيئة التدريس هم مهندسوه. والمهندس لا يستطيع البناء ويداه مقيدتان بالاستمارات والتقارير. إن نزع المهنية ليس مسألة تقنية فحسب، بل قضية تتعلق بكيفية نظر الدولة إلى المربي: أهو مجرد موظف إداري أم مثقف عام يُعهد إليه بتشكيل مستقبل الأجيال؟
عندما نمتلك الشجاعة لإعادة تنظيم اللوائح التي تكبل المهنة، يمكن استعادة الاحترافية. فالتعليم لا يتقدم بالتطبيقات والمؤشرات وحدها، بل بصفاء الفكر وحرية العقل لدى معلميه وأساتذته.
نُشر هذا المقال في وكالة أنتارا يوم الجمعة، 27 فبراير 2026.
