البحث عن نهضة وطنية جديدة
أحمد ثلابي كارلي
أستاذ بجامعة الدولة الإسلامية جاكرتا
في العشرين من مايو عام 1908، أطلق عدد من طلاب مدرسة إعداد الأطباء الأهليين (STOVIA) في باتافيا وعياً جديداً أصبح لاحقاً يُنظر إليه بوصفه نقطة انطلاق النهضة الوطنية الإندونيسية.
وقد وُلدت جمعية «بودي أوتومو» من حلقات النقاش التي كان يعقدها شباب يعتصرهم القلق وهم يرون وطنهم يعيش تحت نير الاستعمار. جاؤوا من خلفيات مختلفة، ونشؤوا في بيئات وتقاليد متعددة، ثم التقوا عند فكرة جامعة تمثلت في الحلم بإندونيسيا بوصفها مشروعاً وطنياً مشتركاً.
وبعد أكثر من قرن على ذلك، تحتفل إندونيسيا بالذكرى الـ118 ليوم النهضة الوطنية تحت شعار: «رعاية براعم الأمة من أجل سيادة الدولة». ويبدو هذا الشعار شديد الصلة بالواقع في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم. فقد غيّرت التكنولوجيا الرقمية أساليب التفكير والتفاعل وبناء الهوية لدى الإنسان المعاصر.
ولم يعد الفضاء العام قائماً فقط على المدارس أو الجامعات أو المنظمات أو المنتديات التقليدية. بل إن النقاشات الوطنية أصبحت تدور عبر شاشات الهواتف الذكية التي ترافق الشباب يومياً.
وفي خضم هذه التحولات، برزت حالة من القلق تستحق التأمل. إذ تشير دراسات واستطلاعات متعددة إلى تراجع روح القومية لدى فئة الشباب. وغالباً ما تُطرح وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها أحد العوامل المؤثرة في هذا التحول. فالتدفق اللامحدود للمعلومات أسهم في تشكيل أنماط تفكير أكثر سيولة وعالمية وفردانية.
وأصبحت القومية التي نشأت سابقاً عبر التجارب الجماعية تواجه تحديات جديدة في عصر الخوارزميات.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تراجع حب الوطن. فما يزال الشباب الإندونيسي يحمل اهتماماً واضحاً بمستقبل بلاده. ويتجلى ذلك في المبادرات الاجتماعية، والحملات البيئية، والدفاع عن الديمقراطية، والمحتوى التثقيفي الذي ينتجه الشباب بصورة مستقلة عبر المنصات الرقمية. إن ما تغيّر في الواقع هو طريقة التعبير عن الانخراط في الشأن العام بوصفهم مواطنين.
تراجع المشاركة
تكشف بيانات مؤشر تنمية الشباب لعام 2025 واقعاً لافتاً يحمل في الوقت نفسه إشارات تحذيرية مهمة. فقد حققت مجالات الصحة والتعليم نتائج جيدة نسبياً.
لكن في المقابل، جاءت مجالات المشاركة والقيادة في أدنى المستويات. ويعكس ذلك حقيقة مهمة مفادها أن تنمية الشباب لم تنجح بعد بصورة كاملة في بناء صلتهم بالمجال العام والحياة الوطنية.
ويمثل هذا الوضع تحدياً كبيراً أمام مشروع «إندونيسيا الذهبية 2045». فكثيراً ما يُنظر إلى العائد الديموغرافي بوصفه رصيداً استراتيجياً نظراً إلى العدد الكبير من الشباب في إندونيسيا. غير أن هذا العائد يحتاج إلى قاعدة وطنية متينة حتى يمكن توجيه طاقات الشباب لتصبح قوة إنتاجية فاعلة. فالكثافة السكانية الكبيرة تحتاج أيضاً إلى مستوى عالٍ من المشاركة المجتمعية.
وكان صموئيل هنتنغتون قد أشار عام 1968 إلى أن التحديث الاجتماعي السريع، إذا لم يرافقه ترسيخ للمؤسسات السياسية وتعليم قوي للمواطنة، قد يؤدي إلى توترات داخل الحياة الوطنية.
وتبدو رؤية هنتنغتون وثيقة الصلة بواقع إندونيسيا اليوم، حيث يتطور العالم الرقمي بوتيرة أسرع بكثير من قدرة المؤسسات الاجتماعية والتعليمية على إعداد شخصية المواطنة لدى الأجيال الشابة.
القومية في العصر الرقمي
في المجال التعليمي، لا يزال تعليم المواطنة يقع أحياناً في أسر المقاربة الشكلية، حيث تُقدَّم القومية من خلال حفظ الرموز والمعارف النظرية، في حين يعيش الشباب داخل منظومة معلوماتية شديدة الحيوية والتغير.
فهم يتفاعلون يومياً مع قضايا عالمية مثل التغير المناخي، والفوارق الاجتماعية، والحقوق الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والعدالة الاقتصادية. ولذلك فإن التربية الوطنية تحتاج إلى مقاربة جديدة أكثر ارتباطاً بالواقع، وأكثر حوارية، وأكثر انسجاماً مع تفاصيل الحياة اليومية.
إن المدارس والجامعات بحاجة إلى إعادة النظر في كيفية بناء الوعي الوطني. فالقومية لا يكفي أن تُقدَّم كشعار أو خطاب أخلاقي، بل ينبغي أن تتحول إلى تجربة معيشة يشعر المواطن من خلالها بقيمة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والخدمات العامة، واحترام كرامة الإنسان.
وفي الوقت ذاته، يحتاج الفضاء الرقمي إلى اهتمام أكبر باعتباره ساحة لتشكيل الوعي العام. فالمقاربات السياسية الحالية غالباً ما تركز على مراقبة المحتوى أكثر من تركيزها على تعزيز قدرة المجتمع على فهم المعلومات وتحليلها. بينما يتمثل التحدي الحقيقي للعصر الرقمي ليس فقط في تدفق المعلومات، بل في القدرة على التمييز والتحقق والتفكير النقدي.
ومن هنا، ينبغي اعتبار الثقافة الرقمية جزءاً من البنية التحتية الوطنية. ويتطلب ذلك دعماً منظماً من الدولة بمشاركة المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية والمنظمات الشبابية وصنّاع المحتوى الرقمي. فالشباب بحاجة إلى توجيه يساعدهم على استخدام التكنولوجيا أداةً لتعزيز الديمقراطية والتضامن الاجتماعي.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في القدوة التي تقدمها النخب السياسية والاجتماعية. فالشباب اليوم يعيشون في عصر الشفافية المعلوماتية، حيث يسهل الوصول إلى السلوكيات العامة وتوثيقها. وهم يشاهدون كيف تُرفع شعارات الوطنية في الخطب، ثم يقارنونها بالممارسات السياسية والإدارية اليومية. ومن هنا تصبح الثقة العامة عنصراً حاسماً في بناء الشعور الوطني.
فالوعي الوطني ينمو عندما يرى الناس انسجاماً حقيقياً بين القيم والممارسات. وسوف يؤمن الشباب بفكرة إندونيسيا عندما يشعرون بحضور العدالة في الحياة الاجتماعية، وبسيادة القانون، وبوجود قيادة تتحلى بالنزاهة.
ولذلك، لا ينبغي أن يقتصر الاحتفال بيوم النهضة الوطنية على المراسم السنوية فقط، بل يجب أن يتحول إلى فرصة لإعادة التفكير في استراتيجيات تنمية الشباب.
إن إصلاح تعليم المواطنة، وتعزيز الثقافة الرقمية، وفتح المجال أمام مشاركة الشباب في الحياة العامة، كلها مهام عاجلة ينبغي العمل عليها بصورة جماعية.
لقد بنى مؤسسو «بودي أوتومو» وعيهم الوطني من خلال المساحات المتاحة لهم في زمنهم. أما شباب اليوم فلديهم فضاءات مختلفة؛ فهم يعيشون في قلب شبكة رقمية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية. وما تزال روح النهضة قائمة، لكنها تتحرك عبر وسائط جديدة تحتاج بدورها إلى قراءة جديدة.
وفي هذا السياق، يكتسب شعار «رعاية براعم الأمة من أجل سيادة الدولة» معناه الأعمق. فسيادة الدولة في المستقبل ستتحدد إلى حد كبير بقدرة هذه الأمة على الحفاظ على الوعي الوطني لدى أجيالها الشابة.
إن النهضة الوطنية لا تولد دائماً من المنابر والاحتفالات الرسمية، بل كثيراً ما تنشأ في المساحات الصغيرة التي يجد فيها الشباب سبباً يجعلهم يؤمنون بأن إندونيسيا تستحق النضال من أجلها.
نُشر هذا المقال في صحيفة «جاوا بوس» يوم الأربعاء 20 مايو 2026.