الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية: يجب تجسيد مفهوم «خير أمة» من خلال العمل الملموس والتعاون بين الدول الأعضاء في مابيمس

الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية: يجب تجسيد مفهوم «خير أمة» من خلال العمل الملموس والتعاون بين الدول الأعضاء في مابيمس

جاكرتا – لا ينبغي فهم مفهوم خير أمة (أفضل أمة) باعتباره مجرد خطاب نظري أو شعار ديني، بل يجب تجسيد قيمه النبيلة في أعمال ملموسة وبرامج وسياسات عملية تحقق آثارًا إيجابية قابلة للقياس في حياة المجتمع، ولا سيما في منطقة جنوب شرق آسيا.

جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية بجمهورية إندونيسيا، الأستاذ الدكتور فيل. حاج. كمار الدين أمين، ماجستير، خلال الندوة العلمية للأوراق الموضوعية، التي عُقدت ضمن فعاليات الاجتماع الخمسين لكبار المسؤولين في دول مابيمس (SOM MABIMS)، بفندق ساري باسيفيك في جاكرتا، يوم الاثنين (2 نوفمبر 2026). وحملت الندوة عنوان: «Khayru Ummah: Berbagi Praktik Baik untuk Membangun Masyarakat Islam Berperadaban» (خير أمة: تبادل التجارب الناجحة لبناء مجتمع إسلامي متحضر)، وجاءت في إطار دعم جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا لوزارة الشؤون الدينية الإندونيسية في إنجاح أجندة التعاون الإسلامي على المستوى الإقليمي.

وأوضح الأمين العام كمار الدين أن روح مفهوم خير أمة، كما وردت في القرآن الكريم في سورة آل عمران، الآية 110، ينبغي أن تنعكس في السلوك اليومي والسياسات العامة وأوجه التعاون بين الدول الأعضاء في مابيمس. وأكد ضرورة ترجمة القيم الدينية، مثل الصدق والنزاهة والرحمة والانضباط، إلى ممارسات عملية تسهم في مواجهة التحديات المختلفة التي تمس الحياة الدينية والإنسانية.

وقال: «إن مفهوم خير أمة (أفضل أمة) لم يعد ذا جدوى إذا اقتصر على الترويج له باعتباره خطابًا نظريًا أو شعارًا دينيًا فحسب. بل يجب ترجمة هذا المفهوم النبيل إلى أعمال وبرامج وسياسات ملموسة تحقق آثارًا إيجابية قابلة للقياس على المستوى الإقليمي».

وأشار إلى أن التحديات التي تواجه المجتمعات المسلمة المعاصرة أصبحت أكثر تعقيدًا في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة وأزمة القيم والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية العالمية. ولم تعد هذه القضايا محصورة في نطاق محلي، بل تحولت إلى تحديات عابرة للحدود ومتعددة الأبعاد.

وأضاف أن التحول الرقمي وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في منظومة القيم، إلى جانب ظاهرة التطرف والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، تمثل قضايا مشتركة لا تستطيع كل دولة مواجهتها بفاعلية إذا عملت بمفردها. ولذلك شدد على أهمية تعزيز ثقافة تبادل التجارب الناجحة (Sharing Best Practices) بين الدول الأعضاء في مابيمس، من خلال تبادل الخبرات والمعارف.

وأوضح قائلًا: «إن تبادل التجارب الناجحة يمثل وسيلة لصياغة استجابات جماعية. فمن خلال جمع نتائج البحوث والبيانات الميدانية والخبرات المتعلقة بالسياسات، تستطيع الدول الأعضاء في مابيمس بناء منظومة قوية من المناعة الثقافية والروحية لحماية الأجيال القادمة من الآثار السلبية للتحولات العالمية».

وتابع أن هذا المنتدى يتيح لكل دولة فرصة التعرف على الحلول المحلية التي طورتها الدول الأخرى، ثم تكييفها وتطبيقها بما يتناسب مع خصائصها واحتياجاتها. وبذلك، لن تضطر الدول الأعضاء في مابيمس إلى البدء من الصفر عند معالجة المشكلات التي تواجه مجتمعاتها.

وخلال الندوة، أعرب الأمين العام كمار الدين أمين عن تقديره للوفود المشاركة من الدول الأعضاء في مابيمس. فقد ترأس وفد بروناي دار السلام سعادة أوانغ حاج شمشول بن حاج عمر، الأمين الدائم للسياسات والشؤون الدينية بوزارة الشؤون الدينية. وترأس الوفد الماليزي السيد محي الدين بن عزيز ساري، نائب المدير العام للسياسات في إدارة التنمية الإسلامية الماليزية (JAKIM)، فيما ترأس وفد سنغافورة السيد قادر ماديين، الرئيس التنفيذي للمجلس الإسلامي في سنغافورة (MUIS).

وشارك رؤساء الوفود الثلاثة برفقة أعضاء وفودهم. أما إندونيسيا، بصفتها الدولة المضيفة، فقد شارك في هذا الحدث مسؤولون من وزارة الشؤون الدينية وعدد من مؤسسات التعليم العالي، ومن بينها جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، التي اضطلعت بدور الشريك الأكاديمي في تنظيم الندوة.

أربع دول تستعرض تجاربها الناجحة

كان من أبرز محاور الندوة جلسة علمية شارك فيها أربعة متحدثين يمثلون الدول الأعضاء في مابيمس، وهي بروناي دار السلام وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة. وعُقدت الجلسة يوم الاثنين (2 نوفمبر 2026)، من الساعة التاسعة صباحًا حتى الحادية عشرة والنصف قبل الظهر بتوقيت غرب إندونيسيا، وأعقبتها مناقشات وجلسة للأسئلة والأجوبة.

مثّلت بروناي دار السلام الدكتورة حاجة سيتي جورية، المعروفة أيضًا باسم حاجة رانيا فتحه بنت حاج جابر، من كلية جامعة سيري بيغاوان للتربية الدينية. وقدمت ورقة بعنوان: «Pembinaan Khaira Ummah Berasaskan Pendekatan Maqasid al-Syari‘ah: Peranan Keluarga dalam Membentuk Masyarakat Islam Berkeadaban di Negara Brunei Darussalam» (بناء خير أمة انطلاقًا من مقاصد الشريعة: دور الأسرة في تشكيل مجتمع إسلامي متحضر في بروناي دار السلام).

وأكدت الدكتورة حاجة سيتي جورية في عرضها أهمية الأسرة باعتبارها مؤسسة أساسية في إعداد أجيال مؤمنة ومتعلمة وكريمة ومسؤولة. ويستند هذا النهج إلى المبادئ الخمسة لمقاصد الشريعة، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، باعتبارها أساسًا لبناء مجتمع إسلامي متحضر.

أما إندونيسيا، فقد مثلها رئيس جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، الأستاذ الدكتور أسيب سيف الدين جهر، ماجستير ودكتوراه، الذي قدم ورقة بعنوان: «Pendidikan dan Beragama Maslahat: Praktik Baik Indonesia di Tengah Disrupsi Multidimensi» (التعليم والممارسة الدينية النافعة: التجربة الإندونيسية الناجحة في ظل التحولات متعددة الأبعاد).

وتناول عرضه ثلاثة محاور رئيسية، هي تعزيز التعليم وترسيخ الفهم الديني من خلال منهج قائم على المحبة (Kurikulum Berbasis Cinta)، إلى جانب تطوير منظومة المدارس الإسلامية والمعاهد الدينية الداخلية (Pesantren)؛ ورفع كفاءة الدعاة والمعلمين الدينيين؛ والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي (AI)، مع الالتزام بالضوابط الأخلاقية والقيم الدينية.

وفي السياق ذاته، مثّلت ماليزيا السيدة زوريني بنت يحيى من إدارة التنمية الإسلامية الماليزية (JAKIM)، وقدمت ورقة بعنوان: «Praktik Baik Harmonisasi Sosioekonomi: Pengalaman Malaysia» (التجارب الناجحة في تحقيق التناغم الاجتماعي والاقتصادي: التجربة الماليزية).

واستعرضت الورقة أربعة محاور للنهج الماليزي في تعزيز التناغم الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع المسلم، وهي اعتماد شهادات الحلال أساسًا للنزاهة والثقة الاقتصادية؛ والزكاة أداةً لتحقيق العدالة في التوزيع؛ والوقف والتمويل الاجتماعي الإسلامي مصدرًا للمنافع المستدامة؛ وتمكين الفئات المستحقة للزكاة (الأصناف) وتعزيز رفاه المجتمع.

أما سنغافورة، فقد مثلها الأستاذ عبد الحفيظ لطيف، المدير الأول لسياسات الشؤون الدينية وتطويرها (الفتوى) في المجلس الإسلامي بسنغافورة (MUIS). وحملت ورقته عنوان: «Pendekatan Berpusatkan Manusia (Human-Centric Approach) dalam Mendepani Kecerdasan Buatan (AI): Pengalaman MUIS» (النهج المرتكز على الإنسان في التعامل مع الذكاء الاصطناعي: تجربة المجلس الإسلامي في سنغافورة).

واستعرض في عرضه تجربة المجلس الإسلامي في سنغافورة في التحول الرقمي للمؤسسات الدينية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في دعم البحوث المتعلقة بالفتوى عبر منصة IftaSG.

وشدد الأستاذ عبد الحفيظ لطيف على أهمية اعتماد نهج يتمحور حول الإنسان عند استخدام التكنولوجيا. وأوضح أن توظيف الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يصاحبه تطوير كفاءات الموارد البشرية، وتعزيز النزاهة العلمية، ووضع آليات حوكمة ورقابة واضحة، بما يضمن بقاء المرجعية الدينية مستندة إلى الاجتهاد العلمي البشري.

وفي سياق منفصل، رأى رئيس الجامعة، الأستاذ أسيب جهر، أن العروض المقدمة من وفود الدول الأربع أظهرت أن لكل دولة أولويات وتجارب مختلفة، لكنها تتكامل فيما بينها في سبيل بناء مجتمع إسلامي متحضر.

وقال: «إن تنمية قدرات الشباب، والتعليم والممارسة الدينية النافعة، والتناغم الاجتماعي والاقتصادي، والوئام الإقليمي، تمثل أربعة محاور استراتيجية يمكن الجمع بينها من خلال التعاون الإقليمي».

وأعرب رئيس الجامعة عن أمله في أن تسهم جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا، من خلال هذه الفعالية، في تعزيز الدبلوماسية العلمية والتعاون بين مؤسسات التعليم العالي الإسلامي في منطقة جنوب شرق آسيا. وأكد أن تبادل الأفكار بين المتحدثين والوفود ينبغي ألا يقتصر على النقاش الأكاديمي، بل يجب أن يتطور إلى تعاون مؤسسي وتبادل للمعرفة وتنفيذ برامج مشتركة تحقق فوائد ملموسة للمجتمع.

وقد نظمت وزارة الشؤون الدينية الإندونيسية الندوة العلمية للأوراق الموضوعية ضمن الاجتماع الخمسين لكبار المسؤولين في مابيمس، تحت عنوان «Khoiru Ummah: Berbagi Praktik Baik Membangun Masyarakat Islam Berkeadaban» (خير أمة: تبادل التجارب الناجحة لبناء مجتمع إسلامي متحضر)، بالتعاون مع مكتب الشؤون القانونية والتعاون الدولي بالوزارة وجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا بصفتها الشريك الأكاديمي. كما شكلت الندوة انطلاقة فعاليات الاجتماع الخمسين لمابيمس، الذي عُقد في جاكرتا خلال الفترة من 1 إلى 4 نوفمبر 2026.

مركز المعلومات والعلاقات العامة، معهد البحوث وخدمة المجتمع (LP2M)، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا