"الأضحية والعدالة التوزيعية: تأملات عيد الأضحى 1447 هـ في خضم التفاوت الهيكلي"
بقلم: .Prof. Dr. Euis Amalia, M.Ag
(أستاذة الاقتصاد الإسلامي بجامعة UIN Syarif Hidayatullah Jakarta؛ ونائبة رئيس مجلس الخبراء بالمجلس المركزي لجمعية الاقتصاد الشامل DPP MES)
REPUBLIKA.CO.ID, JAKARTA -- في نهاية كل شهر من ذي الحجة، يستحضر المسلمون في جميع أنحاء العالم التضحية العظيمة للنبي إبراهيم، والسيدة هاجر، وإسماعيل من خلال عبادة الأضحية (qurban). غالباً ما تُؤطر هذه القصة كَسردية إيمانية شخصية: اختبار لطاعة نبي لأمر ربه. ومع ذلك، فإن حصر الأضحية في مجرد طقس ذبح سنوي أو مجرد تتبع تاريخي يعني فقدان الجوهر الأكثر ملاءمة لعصرنا الحالي. الأضحية هي إعلان عقدي وإعلان اقتصادي في آن واحد: بأن ملكية المال ليست مطلقة أبداً، لأنها تحتوي دائماً على حق الآخرين فيها. هذا الروح هو ما يستحق إعادة الدراسة في خضم التفاوت الهيكلي الذي لا يزال يخيم على الاقتصاد الإندونيسي في وقت عيد الأضحى 1447 هـ.
تظهر بيانات هيئة الإحصاء المركزية (Badan Pusat Statistik) لشهر سبتمبر 2025 أن معامل جيني (Gini ratio) الوطني بلغ 0,363 مسجلاً انخفاضاً طفيفاً من 0,375 في مارس 2025. هذا الانخفاض جدير بالتقدير، لكن هذا الرقم يخفي التفاوت الكبير في توزيع الإنفاق في المناطق الحضرية الذي لا يزال مستقراً عند 0,383، وهو أعلى بكثير من المناطق الريفية التي بلغت 0,295. كما أن الفوارق بين الأقاليم لا تزال واسعة: حيث سجلت بابوا الجنوبية (Papua Selatan) معامل جيني بلغ 0,426، في حين سجلت بانغكا بليتونغ (Bangka Belitung) 0,214. ولا يزال عدد السكان الفقراء يصل إلى 23,36 مليون نسمة أو 8,25 في المائة من إجمالي السكان. هذا هو السياق الاقتصادي والسياسي الذي يجعل الأضحية ليست مجرد طقس، بل أداة لإعادة التوزيع لا تزال إمكاناتها بعيدة عن الحد الأمثل.
بعدا الأضحية: العمودي والأفقي
في تفاصيل فقه العبادات، تمتلك الأضحية بعدين لا يمكن الفصل بينهما. البعد العمودي هو التقرب إلى الله (taqarrub ilallah) من خلال الإخلاص والامتثال. أما البعد الأفقي فهو الإحسان إلى الناس (ihsan ila al-nas) من خلال توزيع اللحوم. وتؤكد الآيتان 36–37 من سورة الحج في القرآن الكريم أن ما ينال الله ليس لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم. إن توجيهات توزيع اللحوم على الفقراء والمساكين والجيران والأقارب هي امتداد تجريبي لتلك التقوى نفسها.
هنا تكمن فرادة الأضحية مقارنة بالعديد من العبادات الطقسية الأخرى. فهي لا يمكن أن تنتهي فقط بين العبد وربه؛ بل تتطلب حدوث إعادة توزيع حقيقية من الطبقة الواجدة إلى الطبقة الكادحة. وتوصي السنة النبوية بتقسيم الأضحية إلى ثلاثة أثلاث: ثلث للأهل، وثلث للجيران، وثلث للفقراء والمساكين. وبدون هذا الانتقال الاقتصادي الملموس، تفقد الأضحية روحها. فالأضحية إذن هي واحدة من العبادات القليلة في الإسلام التي تتضمن هيكلياً آلية إعادة توزيع تتساوى مع الزكاة والوقف، مما يجعل الاقتصاد الإسلامي مختلفاً عن مجرد أخلاقيات فردية.
مقاصد الشريعة والعدالة التوزيعية
يوفر منهج مقاصد الشريعة ركيزة نظرية صلبة لقراءة الأضحية كأداة للعدالة التوزيعية. حيث يضع M Umer Chapra في كتابه The Islamic Vision of Development in the Light of Maqāṣid al-Sharīʿah (2008) العدالة الاجتماعية والاقتصادية في قلب التنمية في الاقتصاد الإسلامي. ويؤكد Chapra أن الدولة في الإسلام ليست محايدة أيديولوجياً؛ بل عليها واجب أخلاقي لتعزيز العدالة الاجتماعية والاقتصادية وإزالة التفاوت. وتتجاوز هذه الرؤية نموذج الرأسمالية الذي يترك التوزيع لآليات السوق، والاشتراكية التي تعتمد على قسر الدولة. وفي إطار Chapra، يظل السوق حراً ولكنه عادل، وتكون الدولة نشطة ولكنها أخلاقية.
وتماشياً مع Chapra، يضع Monzer Kahf في تحليله للمالية العامة الإسلامية كلاً من الزكاة، والإنفاق، والصدقة، والوقف، والأضحية كمؤسسات لإعادة التوزيع تعمل قبل وخارج آليات الضرائب الحكومية. ويسمي هذه الأدوات بأعمدة اقتصاد القطاع الثالث (third sector economics) التي تلعب دوراً في سد الفجوات التي يفشل السوق أو الدولة في معالجتها. بينما يؤكد Abdul Mannan أن الرفاهية في الإسلام متعددة الأبعاد ولا تقتصر على الجانب المادي بل تشمل الجانب الأخلاقي والروحي أيضاً. وتوسع الفكر المعاصر لـ Jasser Auda من خلال منهج النظم في المقاصد ليمتد مفهوم حفظ المال من مجرد صيانته إلى صيانة تداول المال بشكل عادل.
والأضحية، في هذه القراءة، هي الآية التي تضمن عدم دوران المال بين الأغنياء فقط، كما أكد القرآن الكريم في سورة الحشر الآية 7: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. هذه عقيدة ضد تركيز الثروة منصوص عليها مباشرة في الوحي. وحتى قبل ولادة الاقتصاد الحديث بفترة طويلة، حذر Ibn Khaldun في المقدمة (Muqaddimah) من أن الحضارات تنهار عندما تتركز الثروة في أيدي قلة من النخبة وتصبح أعباء الحياة على الشعب لا تُطاق. وتصبح الأضحية إحدى البوابات التشغيلية لمنع هذا التركيز: ففي يوم العيد، يُدفع القادرون تكنولوجياً (وعقدياً) لتوجيه جزء من ثرواتهم إلى الفقراء، من خلال استهلاك البروتين الحيواني الذي يكون عادةً بعيداً عن متناولهم.
التفسير السوسيولوجي: الأضحية كتضامن اجتماعي
يفتح المنهج السوسيولوجي أفقاً آخر للفهم. فقد أظهر Marcel Mauss في عمله الكلاسيكي The Gift (1925) أن العطاء في المجتمعات التقليدية ليس مجرد صفقة اقتصادية، بل هو فعل اجتماعي يبني التماسك المجتمعي من خلال واجب العطاء، والقبول، والرد. وتعمل الأضحية وفق منطق مشابه: فالـ shahibul qurban (المضحي) لا يقدم اللحم فحسب، بل يؤكد مجدداً ارتباطه بالمجتمع ومسؤولية الطبقة الموسرة تجاه الطبقة الفقيرة. والمتبادَل هنا ليس مجرد شيء مادي، بل هو معنى اجتماعي: اعتراف بالكرامة، وتأكيد على الروابط، وإعادة إنتاج للتضامن.
إن Émile Durkheim سيقرأ الأضحية كطقس يعزز التضامن الآلي (mechanical solidarity) في المجتمعات الزراعية الدينية، وفي الوقت نفسه التضامن العضوي (organic solidarity) في المجتمعات الحديثة ذات الوظائف المتمايزة. فالطقس الجماعي السنوي يذكر المجتمع بوجود روابط أخلاقية خارج علاقات السوق. وقبل ذلك بكثير، صاغ Ibn Khaldun في المقدمة مفهوم العصبية (ashabiyah)، أي التماسك الاجتماعي كشرط أساسي لقيام الحضارات. وتوزيع لحوم الأضاحي الذي يصل إلى أعماق القرى، وقرى الصيادين، والمناطق العشوائية في المدن هو ممارسة معاصرة للعصبية: تأكيد لروابط المجتمع العابرة للطبقات والتي تزداد تصدعاً في ظل المجتمع الرأسمالي الفردي.
الإمكانات الاقتصادية غير المستغلة بالكامل
يتوقع مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لـ BAZNAS (المعروف بـ Puskas BAZNAS) أن تصل القيمة الاقتصادية للأضاحي على المستوى الوطني لعام 2025 إلى 34,85 تريليون روبية، بتقدير يتجاوز 2,8 مليون رأس من أضاحي الأنعام و 3,56 مليون أسرة كـ shahibul qurban. وجاءت نتائج دراسة معهد (IDEAS) أي Institute for Demographic, Poverty and Welfare Studies أكثر اعتدالاً، حيث تراوحت بين 27,1–28,2 تريليون روبية، أخذاً في الاعتبار الضغوط الاقتصادية على الطبقة المتوسطة. ويُقدر إنتاج اللحوم بنحو 195,5 ألف طن. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء؛ بل يعبر عن أكبر دوران اقتصادي موسمي في منظومة الاقتصاد الشامل والشرعي في إندونيسيا.
ويصل الأثر المضاعف (Multiplier effect) إلى صغار المربين، وتجار الأعلاف، وخدمات النقل، والمجازر (rumah potong hewan)، وصولاً إلى المشروعات الصغيرة والمتوسطة (UMKM) في قطاع الأغذية. بالنسبة للمربين الصغار في الريف، تمثل الماشية "مدخرات تسير على الأقدام" يكون حصادها الاقتصادي في عيد الأضحى. وتظهر بيانات وزارة الزراعة أن توفر الأضاحي لعام 2024 بلغ 2,06 مليون رأس مع فائض قدره 88 ألف رأس، وهو مؤشر على أن سلاسل الإمداد لدى المربين المحليين باتت ناضجة بما يكفي لتلبية الطلب الموسمي. وتتصدر جاوة الشرقية (Jawa Timur) أعداد الماشية الوطنية بنحو 3,11 مليون رأس، في حين تعد جاوة الغربية (Jawa Barat) مركزاً للأغنام بنحو 6,97 مليون رأس. وإذا أديرت بشكل صحيح، يمكن للأضحية أن تكون محركاً لإعادة التوزيع ينشط اقتصاد القرى في آن واحد.
والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو ارتباط الأضحية بقضية التقزم (stunting). لا يزال معدل انتشار التقزم في إندونيسيا يراوح حول نسبة 20 في المائة، بعيداً عن المستهدف البالغ 14 في المائة. وجذر المشكلة لا يكمن فقط في الفقر، بل في انخفاض استهلاك البروتين الحيواني. وتذكر بيانات منظمة FAO أن استهلاك اللحوم في إندونيسيا يقل عن 40 جراماً للفرد يومياً، وهو أقل بكثير من معدلات الكفاية الغذائية. وتخصص إندونيسيا حوالي 8 في المائة فقط من الإنفاق الغذائي للبروتين، متخلفة كثيراً عن ماليزيا (28 في المائة)، وتايلاند (20 في المائة)، بل وحتى الفلبين (21 في المائة).
وتؤكد دراسة حديثة في المجلة الوطنية للتغذية (2025) أن استهلاك الأغذية الحيوانية يرتبط بشكل كبير بانخفاض معدلات انتشار التقزم. بناءً على ذلك، فإن توزيع 195 ألف طن من لحوم الأضاحي بشكل دقيق ومستهدف –خاصة للحوامل، والأطفال الصغار، والفئات الهشة في المحافظات ذات المعدلات المرتفعة من التقزم– يحمل إمكانية أن يكون تدخلاً غذائياً موسمياً ذو أثر بيولوجي ملموس. والأضحية، بهذا المعنى، هي برنامج للأمن الغذائي والصحة العامة يمول بالتكافل الاجتماعي من قبل المجتمع المدني المسلم، دون تحميل ميزانية الدولة العامة (APBN) أي أعباء.
نظرة نقدية وأجندة إعادة الصياغة
هذه الإمكانات الكبيرة تواجه للأسف ثلاثة تحديات هيكلية. أولاً، لا يزال توزيع اللحوم يتركز في مواقع الذبح وغالباً ما تكون مساجد المدن، في حين أن الحاجة الأكبر توجد في جيوب الفقر النائية. ثانياً، نمط التوزيع التقليدي الذي يستهلك مباشرة يميل إلى فقدان بعد التمكين طويل الأجل؛ فاللحوم تنفد في أيام معدودة، بينما يستمر الفقر. ثالثاً، لا يزال المربون الصغار يواجهون صعوبة في منافسة كبار المستوردين، مما يؤدي إلى تسرب جزء من القيمة الاقتصادية للأضحية إلى خارج البلاد بدلاً من دورانها في القرية.
لذا، يجب دفع أجندة إعادة صياغة الأضحية في أربعة اتجاهات. أولاً، مأسسة وترسيخ تربية الماشية المحلية عبر التعاونيات المشتركة والشرعية لكي تتحول الأضحية إلى أداة تمكين وليس مجرد استهلاك. وإن نموذج (Tebar Hewan Kurban) لـ Dompet Dhuafa والشراكة مع المربين لـ BAZNAS يستحقان التوسع في جميع المحافظات بدعم مالي من الحكومة. ثانياً، دمج البيانات الوطنية للأضاحي رقمياً –من يضحي، وأين يذبح، ومن يستلم، وما الحجم– لكي يصبح التوزيع العادل مقاساً ومبنياً على الأدلة. ثالثاً، منح الأولوية في التوزيع للمناطق ذات التقزم المرتفع وجيوب الفقر المدقع، بالتنسيق بين BAZNAS، وزارة الصحة، وزارة الشؤون الاجتماعية، والوكالة الوطنية للتغذية (Badan Gizi Nasional). رابعاً، توعية الجمهور بأن الأضحية عبادة اقتصادية بقدر ما هي عبادة شخصية، وهي رسالة يجب أن تصدح من منابر الخطب إلى غرف صناعة السياسات العامة.
خاتمة: إنزال روح التضحية إلى أرض الواقع
إن روح الأضحية الحقيقي هو الشجاعة في "التخلي"؛ التخلي عن المال، والأنا، والمصالح الفئوية الضيقة من أجل إرساء تضامن يعبر حدود الطبقات. لقد علمنا النبي إبراهيم أن التضحية الكبرى لا تكمن في الذبح، بل في إخلاص تسليم ما هو أحب إلينا من أجل المصلحة الأوسع. وبالنسبة لأمة لا تزال تكافح التفاوت، والفقر، والتقزم، فإن هذا الروح ليس ترفاً لاهوتياً، بل هو حاجة اقتصادية ملحة.
يجب إنزال الأضحية إلى أرض الواقع كمؤسسة لاقتصاد العدالة، لا أن تُغرق كاحتفال سنوي ينتهي بمجرد نفاد اللحم. وهنا يأتي دور الحكومة، و BAZNAS، ومؤسسات الزكاة، والمنظمات الإسلامية، والمعاهد، والجامعات، والأكاديميين: لضمان أن تثمر كل عبادة عدالة، وأن يعنى كل ذبح خطوة أقرب نحو اقتصاد ينحاز للفقراء. إن عيد الأضحى 1447 هـ / 2026 م ينبغي أن يكون محطة لإعادة صياغة الأضحية من مجرد عبادة طقسية إلى حركة اقتصاد شعبية كريمة. لأنه في النهاية، وكما قال عز وجل في سورة الحج، لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، وتلك التقوى، في الاقتصاد الإسلامي، تصب دائماً في مصلحة العدالة التوزيعية.
نُشر هذا المقال في جريدة Republika يوم الأحد، 29 مايو 2026.
