الأضحية الحكومية وأخلاقيات السلطة
الأستاذ الدكتور أحمد ثولابي خارلي
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
أثار الجدل الدائر حول تقديم الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو 1098 رأساً من الأبقار للأضاحي، بتمويل من الموازنة العامة للدولة (APBN) بقيمة تقارب 100 مليار روبية، من خلال برنامج المساعدات المجتمعية الرئاسية (Banmaspres)، نقاشاً واسعاً في الفضاء العام.
فبينما رأى بعض أفراد المجتمع في هذه المبادرة شكلاً من أشكال الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة بمناسبة عيد الأضحى، تساءل آخرون عن مشروعية استخدام الأموال العامة لتمويل أضاحٍ تُنسب إلى اسم رئيس الجمهورية.
وقد تجاوز النقاش حدود المسائل القانونية المتعلقة بالموازنة العامة، ليتناول قضايا أوسع تتعلق بالفقه والأخلاق السياسية ورمزية السلطة وكيفية إدارة الدولة للشأن الديني في المجال العام.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن عيد الأضحى يجسد دائماً وجهين متلازمين للإسلام؛ فمن جهة، تُعد الأضحية شعيرة تعبدية وروحية ذات طابع شخصي عميق، ومن جهة أخرى، يحمل العيد بعداً اجتماعياً قوياً يتمثل في توزيع الغذاء وتعزيز التضامن والتكافل مع الفئات المحتاجة.
وفي مجتمع ما زال يواجه تحديات التفاوت الاقتصادي، يكتسب لحم الأضاحي دلالة اجتماعية واضحة بوصفه تجسيداً للعناية الاجتماعية وتعزيزاً للتضامن الإنساني.
وتشير بيانات هيئة الإحصاء المركزية الإندونيسية (BPS) إلى أن عدد الفقراء في إندونيسيا عام 2025 ما زال يناهز 24 مليون نسمة. وفي الوقت نفسه، يبقى استهلاك لحوم الأبقار على المستوى الوطني منخفضاً نسبياً، إذ يتراوح بين 2 و3 كيلوغرامات للفرد سنوياً، وهو معدل أقل بكثير من نظيره في عدد من دول جنوب شرق آسيا.
وبالنسبة إلى العديد من الأسر ذات الدخل المحدود، لا يظهر لحم الأبقار على موائدها إلا في مناسبات محددة، وعلى رأسها عيد الأضحى. ومن هذا المنطلق، فإن توزيع لحوم الأضاحي يحمل بالفعل قيمة اجتماعية ملموسة.
كما أن برنامج المساعدات الحكومية المتمثل في توفير الأبقار يترك أثراً اقتصادياً مهماً؛ فشراء آلاف الأبقار من المربين المحليين يسهم في تنشيط الاقتصاد الريفي، وتعزيز حركة قطاع تربية الماشية، وفتح أسواق أوسع أمام المنتجين المحليين.
وبذلك تؤدي الدولة دورها ليس فقط بوصفها جهة تنظيمية، بل أيضاً باعتبارها محركاً لتوزيع الرفاه الاجتماعي مستفيدة من الزخم الديني الذي يوفره عيد الأضحى.
ومن منظور دولة الرفاه، فإن حضور الدولة في المجال الاجتماعي يُعد جزءاً من مسؤوليتها الدستورية. فالدولة الحديثة لا تقتصر مهمتها على إدارة السلطة والشؤون الإدارية، بل تشمل كذلك بناء التضامن الاجتماعي.
وفي التاريخ الإسلامي الكلاسيكي، أُنشئ نظام بيت المال ليكون أداة لدعم الحكم وضمان التوزيع العادل للثروة والرفاه بين أفراد المجتمع.
وقد أوضح الإمام الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» أن من واجبات الحاكم إدارة الأموال العامة بما يحقق مصالح الرعية. كما أكد ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية» مشروعية استخدام الموارد المالية العامة لخدمة المجتمع ما دام ذلك قائماً على مبادئ العدالة وتحقيق المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن استخدام الموازنة العامة للدولة في برامج توزيع الغذاء المرتبطة بعيد الأضحى يمتلك سنداً اجتماعياً وتاريخياً قوياً. غير أن الإشكالية تنتقل بعد ذلك إلى كيفية فهم هذه البرامج وتقديمها للرأي العام.
فاستعمال الرموز الدينية في البرامج الحكومية يستدعي وجود أساس قانوني واضح للإنفاق العام، كما يتطلب قدراً عالياً من الوضوح الأخلاقي في ممارسة السلطة.
