الأساتذة، البحث، وتهديد فخ الدخل المتوسط
محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بجاكرتا
الأمين العام للرابطة المركزية لمحاضري إندونيسيا
عضو مجلس إدارة الرابطة الإندونيسية لخبراء الاقتصاد الإسلامي (IAEI)
عضو مجلس إدارة رابطة الاقتصاديين الإندونيسيين (ISEI) فرع جاكرتا
موجه في معهد تطوير الاقتصاد والأمة (LPEU) التابع لمجلس العلماء الإندونيسي
إندونيسيا تقف عند مفترق طرق تاريخي. فمن ناحية، يستمر التفاؤل بشأن المستقبل الاقتصادي في التصاعد؛ حيث أصبحت أهداف التحول إلى دولة متقدمة بحلول عام 2045، والاستفادة من العائد الديموغرافي، وتطوير الصناعات النهائية، والتحول الرقمي، وطموح تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 8 بالمائة، هي السرديات التي تملأ الفضاء العام. ومع ذلك، من ناحية أخرى، هناك تهديد أساسي أكثر يغيب غالبًا عن الاهتمام، وهو "فخ الدخل المتوسط". هذا التهديد ليس مجرد مسألة تباطؤ في النمو الاقتصادي، بل هو انعكاس لفشل الدولة في تحقيق قفزة من الاقتصاد القائم على الموارد إلى الاقتصاد القائم على المعرفة.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يكون المحاضرون والبحث العلمي في موقع استراتيجي. وللأسف، هذان الجانبان هما اللذان لا يزالان يمثلان نقطة ضعف في تنمية إندونيسيا. الدول التي نجحت في الخروج من "فخ الدخل المتوسط" (middle-income trap) تشترك جميعها تقريبًا في سمة واحدة، وهي بناء جامعات قوية، وتعزيز قدرات أعضاء هيئة التدريس، وجعل البحث العلمي الركيزة الأساسية للتنمية الوطنية. وعلى العكس من ذلك، فإن الدول التي تعتبر الجامعات مجرد مؤسسات لمنح الشهادات تعاني عمومًا من ركود في الإنتاجية على المدى الطويل. ويبدو أن إندونيسيا لا تزال عالقة بين هذين الخيارين.
خلال السنوات القليلة الماضية، كان النمو الاقتصادي في إندونيسيا مستقرًا نسبيًا عند حوالي 5 بالمائة. بل في الربع الأول من عام 2026، سجل الاقتصاد الإندونيسي نموًا بنحو 5.61 بالمائة. ورغم أن هذا الرقم يبعث على التفاؤل، إلا أن النمو وحده لا يعكس تلقائيًا تحولًا اقتصاديًا نوعيًا. يحذر العديد من الاقتصاديين من أن هذا النمو لا يزال يعتمد على الاستهلاك المحلي واستغلال الموارد الطبيعية، بينما لم تصبح زيادة الإنتاجية القائمة على الابتكار المحرك الرئيسي للاقتصاد. وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ حيث يظهر التاريخ أنه لا توجد دولة نجحت في أن تصبح دولة متقدمة بمجرد الاعتماد على السلع، أو الاستثمار المادي، أو تصدير المواد الخام. فقد نجحت كوريا الجنوبية وتايوان وفنلندا وسنغافورة في تحقيق قفزات لأنها بنت نظمًا ابتكارية جعلت من الجامعات مراكز لإنتاج المعرفة. إن النمو الاقتصادي الحديث يولد في الواقع من المختبرات، وليس من المناجم فحسب.
للأسف، لا يزال الاستثمار الإندونيسي في البحث العلمي منخفضًا نسبيًا. وتُظهر بيانات اليونسكو والبنك الدولي أن إنفاق إندونيسيا على البحث والتطوير لا يزال في حدود 0.28 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من المتوسط العالمي والدول المتقدمة التي تخصص عادة أكثر من 2 بالمائة من ناتجها المحلي للبحث العلمي. هذا الاستثمار المنخفض يؤدي إلى عواقب طويلة الأمد؛ فعدد براءات الاختراع لا يزال محدودًا، وعمليات تطوير التكنولوجيا تسير ببطء، والابتكار الصناعي لم يتطور بالشكل الأمثل، ومساهمة الجامعات في التنمية الاقتصادية لم تصل إلى حدها الأقصى. وهذا على الرغم من أن الموارد الأكثر قيمة في الاقتصاد الحديث لم تعد النفط أو الفحم أو النيكل، بل أصبحت المعرفة والابتكار والإبداع البشري هي العوامل الأكثر حسمًا.
ومن المفارقات أنه في ظل الحاجة الماسة للابتكار، يواجه المحاضرون تحديات هيكلية تعيق إنتاجية البحث. فعبء العمل الإداري المفرط أصبح من المشاكل الكلاسيكية؛ حيث يقضي العديد من المحاضرين وقتًا في ملء التقارير، والشؤون الإدارية، وإجراءات الاعتماد، وتقييم الأداء، والوثائق البيروقراطية أكثر مما يقضونه في إجراء الأبحاث. إن الوقت الذي كان ينبغي استغلاله لقراءة أحدث المجلات العلمية، أو إعداد مقترحات البحوث، أو الإشراف على الطلاب، أو بناء تعاون دولي، يضيع في الأعمال الإدارية. وتظهر هذه الظاهرة أن البيروقراطية الأكاديمية لا تزال تقدّر اكتمال الوثائق أكثر من الابتكار.
المشكلة التالية هي عدم كفاية تمويل الأبحاث. ورغم أن الحكومة زادت في السنوات الأخيرة من برامج منح البحوث، إلا أن الاحتياجات الحقيقية في الميدان أكبر بكثير من قدرة التمويل المتاحة. العديد من المقترحات البحثية ذات الجودة العالية لا تحصل على تمويل، ليس لأن جودتها العلمية منخفضة، بل بسبب محدودية الميزانية. ونتيجة لذلك، ينتهي الأمر بالعديد من المحاضرين إلى إجراء أبحاث محدودة النطاق ذات أثر محدود. فالأبحاث التي كان ينبغي أن تنتج تقنيات جديدة، أو براءات اختراع، أو نماذج أعمال مبتكرة، أو توصيات سياسات استراتيجية، تقف عند حدود النشر الأكاديمي فقط. في حين أن الدول المتقدمة غيرت نموذج البحث العلمي منذ فترة طويلة؛ حيث يظل النشر العلمي مهمًا، لكنه ليس الغاية النهائية. والأهم من ذلك هو كيف يمكن لنتائج البحث أن تتحول إلى منتجات صناعية، أو تحسين السياسات العامة، أو زيادة القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة، أو تعزيز الأمن الغذائي، أو دفع كفاءة الطاقة، أو إنتاج تقنيات قادرة على المنافسة في السوق العالمية.
لا تزال إندونيسيا تواجه فجوة كبيرة بين العالم الأكاديمي وعالم الصناعة؛ فلم يصبح التعاون بين الجامعات والصناعة ثقافة متجذرة بعد. العديد من نتائج البحوث تتوقف عند مكتبات الجامعات، بينما يبحث أصحاب الأعمال عن حلول تكنولوجية من الخارج. ترى الصناعة أن الجامعات نظرية للغاية، بينما ترى الجامعات أن الصناعة براغماتية للغاية، ونتيجة لذلك يسير كل منهما في طريقه الخاص. في حين أنه في الدول ذات النظم الابتكارية الناضجة، تكون العلاقة بين الجامعة والصناعة تكافلية؛ فالجامعة هي مختبر للأفكار، والصناعة هي مساحة للتنفيذ، وتأتي الحكومة كميسر يخلق حوافز لهذا التعاون.
وفي هذا السياق، يصبح وضع المحاضر استراتيجيًا للغاية. فالمحاضر ليس مجرد معلم في الفصل، بل هو منتج للمعرفة؛ فهو الفاعل الذي ينتج الأفكار والأساليب والتقنيات والحلول الجديدة لمشاكل الأمة. وللأسف، غالبًا ما يتم اختزال تصور الجمهور لمهنة المحاضر في التدريس فقط، على الرغم من أن التدريس جزء بسيط من الوظيفة الأكاديمية. فالمهمة الأكثر استراتيجية هي إنتاج معرفة جديدة من خلال البحث العلمي، وهي التي ستزيد من الإنتاجية الوطنية. إن العلاقة بين البحث والإنتاجية بسيطة جدًا: عندما ينتج المحاضر ابتكارًا، تحصل الصناعة على تقنية جديدة، وعندما تتبنى الصناعة تلك التقنية، تزداد الإنتاجية، وعندما تزداد الإنتاجية تتحسن القدرة التنافسية للصادرات، وعندما تتحسن التنافسية يرتفع الدخل القومي. وفي نهاية المطاف، تستطيع الدولة الخروج من "فخ الدخل المتوسط". وبالمقابل، بدون ابتكار، يتوقف نمو الدخل عند نقطة معينة؛ حيث ترتفع الأجور دون تغيير في الإنتاجية، مما يجعل تكاليف الإنتاج أغلى مقارنة بالدول النامية الأخرى، بينما لا تستطيع جودة المنتجات منافسة الدول المتقدمة. وهذه هي الآلية الكلاسيكية التي تجعل العديد من الدول تقع في "فخ الدخل المتوسط".
لقد اتخذت الحكومة بالفعل خطوات تحويلية من خلال تطوير الصناعات النهائية، والرقمنة، وتقوية الصناعات الاستراتيجية، وتطوير الاقتصاد الأخضر. ومع ذلك، تتطلب كل هذه الأجندات أساسًا بحثيًا قويًا. فالتطوير الصناعي بدون ابتكار لا ينتج سوى منتجات ذات قيمة مضافة محدودة، والرقمنة بدون بحث تجعل إندونيسيا مستخدمًا للتكنولوجيا لا صانعًا لها. ولهذا، فإن تعزيز دور المحاضرين يعني تعزيز مستقبل الاقتصاد الإندونيسي. لقد حان الوقت لتغيير نموذج سياسات التعليم العالي؛ حيث لا يكفي قياس نجاح الجامعات بعدد الخريجين أو عدد المنشورات العلمية، بل بمساهمتها في حل مشاكل الأمة. يجب أن تصبح الجامعات مراكز ابتكار تنتج حلولًا حقيقية للغذاء، والطاقة، والصحة، والتعليم، والبيئة، والتحول الصناعي.
كما تحتاج الحكومة إلى زيادة الاستثمار في البحث العلمي تدريجيًا لتقترب من معايير الدول التي نجحت في بناء اقتصاد قائم على الابتكار. يجب أن يكون تمويل الأبحاث مستدامًا وتنافسيًا، وأن يشجع التعاون متعدد التخصصات، وعبر الجامعات، والشراكات مع قطاع الأعمال. وفي الوقت نفسه، يعد تبسيط البيروقراطية الأكاديمية حاجة ملحة لتمكين المحاضرين من قضاء وقت أطول في التفكير والبحث والكتابة والابتكار. بالإضافة إلى ذلك، يجب توجيه نظام الحوافز للمحاضرين نحو أثر البحث لا مجرد عدد المنشورات. الأبحاث التي تؤدي إلى براءات اختراع، أو شركات ناشئة (startup) قائمة على التكنولوجيا، أو توصيات سياسات تتبناها الحكومة، أو ابتكارات يستفيد منها المجتمع، يجب أن تحظى بتقدير أكبر. وبهذا، يتحول توجه البحث من مجرد تلبية مؤشرات إدارية إلى خلق قيمة مضافة اقتصادية واجتماعية.
في النهاية، لا يعد تهديد "فخ الدخل المتوسط" مجرد مشكلة اقتصادية، بل هو مسألة تتعلق بجرأة الأمة في تقدير العلم. الدول التي تتجاهل البحث العلمي ستصبح مستهلكة لابتكارات الدول الأخرى، أما الدول التي تعظم العلم فستصبح منتجة للمستقبل. ولذلك، إذا كانت إندونيسيا ترغب حقًا في أن تصبح دولة متقدمة بحلول عام 2045، فإن أكبر استثمار ليس فقط في الطرق السريعة، والموانئ، والسدود، أو المناطق الصناعية، بل إن الاستثمار الأكثر حسمًا يكمن في الفصول الدراسية، والمختبرات، ومراكز البحث، والمكتبات التي ينمي فيها المحاضرون الأفكار التي ستغير مسار بناء الأمة. هناك بالضبط تبدأ محاولة إندونيسيا للخروج من "فخ الدخل المتوسط".
نُشر هذا المقال في عمود الرأي بجريدة كومباس يوم الخميس، 9 يوليو 2026.
