الأخلاق والمعتقد: مفارقة المجتمع الحديث
أحمد ثولابي خارلي
(أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية في جاكرتا)
يقدّم التقرير الأحدث الصادر عن مركز بيو للأبحاث (2026) نتائج لافتة ومثيرة للتأمل. فمن بين 25 دولة شملها الاستطلاع، برزت الولايات المتحدة بوصفها الحالة الوحيدة التي تُظهر ظاهرة غير مألوفة، حيث يرى أغلب مواطنيها أن بعضهم بعضًا يفتقرون إلى الأخلاق. إذ أفاد نحو 53% من المستجيبين بأن مجتمعهم يمتلك معايير أخلاقية وسلوكية سيئة.
تشير هذه النتائج إلى تحوّل أعمق في كيفية فهم الأخلاق. فقد بدأت النظرة إليها تبتعد عن كونها أساسًا للثقة الاجتماعية، لتنشأ بدلًا من ذلك في بيئة يغلب عليها الشك.
وفي سياق الحضارة الحديثة المتسارعة، يلتقط هذا التقرير اتجاهًا نحو تراجع الثقة الأخلاقية بين الأفراد. ويقود ذلك إلى قراءة مفادها أن المشكلة ترتبط بأزمة في إدراك الأخلاق، حيث لم يعد الإيمان بسلامة النزاهة الجماعية راسخًا كما كان.
في هذه المرحلة، تبدو الأخلاق كقيمة آخذة في التفكك، تعيش في أحكام متفرقة يسير كل منها بمعزل عن الآخر.
تآكل الثقة
في معظم الدول الأخرى التي شملها الاستطلاع، لا يزال غالبية الناس ينظرون إلى غيرهم بوصفهم أشخاصًا ذوي أخلاق حسنة. وهذا يشير إلى أن المشكلة ليست تدهورًا أخلاقيًا عالميًا، بل ظاهرة تنشأ في سياقات محددة. وفي هذا الإطار، تبدو الولايات المتحدة كأنها مختبر متطرف، حيث يمتد الاستقطاب الاجتماعي من المجال السياسي ليشكّل تدريجيًا ملامح الحياة الأخلاقية المشتركة.
غالبًا ما يُطرح الاستقطاب السياسي كأحد التفسيرات. فالأفراد خارج دوائر السلطة يميلون إلى إصدار أحكام أكثر سلبية على المجتمع. لكن اختزال المشكلة الأخلاقية في السياسة وحدها غير كافٍ. فالاستقطاب ليس سوى عرض لطبقات أعمق تتعلق بتآكل التماسك الاجتماعي، وتفتت الهوية، وغياب السرديات المشتركة حول الخير.
في هذا السياق، تبرز أفكار فرانسيس فوكوياما في كتابه الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار (1995)، حيث يؤكد أن الثقة الاجتماعية هي الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة. وعندما تضعف هذه الثقة، تضعف المؤسسات، وتُستبدل العلاقات بين الأفراد بالريبة والشك.
ومن اللافت أن التقرير يُظهر أيضًا أن المجتمع الأمريكي ليس أكثر “تشددًا أخلاقيًا” من غيره. ففي تقييم قضايا مثل الكحول، والمقامرة، والطلاق، يأتي موقفه في الوسط. وهذا يعني أن النظرة السلبية تجاه أخلاق الآخرين تنبع من تدهور الإدراك الاجتماعي أكثر من كونها حكمًا موضوعيًا على السلوك.
ويمكن ملاحظة هذا في الحياة اليومية. فوسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، أصبحت فضاءً للتفاعل، لكنها في الوقت نفسه تُنتج الشكوك. فالاختلاف في الرأي يتحول سريعًا إلى حكم أخلاقي، ويُنظر إلى الخصم السياسي كطرف مختلف ومشكوك في نزاهته. في مثل هذه الأجواء، تتحول الأخلاق إلى أداة للتصنيف وإطلاق الأحكام.
اختزال الأخلاق
من المهم التأكيد على أن هذا التقرير يقيس تصورات الأخلاق، لا الأخلاق ذاتها. وهذه نقطة جوهرية، لأن التصورات تتأثر بالعواطف، والإعلام، والاستقطاب، في حين أن الأخلاق كقيمة معيشة أكثر تعقيدًا وعمقًا، ولا تنعكس دائمًا في إجابات الاستطلاعات.
علاوة على ذلك، فإن مؤشرات الأخلاق المستخدمة تركز غالبًا على قضايا خاصة مثل السلوك الجنسي، والكحول، والمقامرة. بينما تشمل الأخلاق في معناها الأوسع قيمًا مثل الصدق، والعدل، والأمانة، والمسؤولية الاجتماعية، والتعاطف مع الآخرين.
وعندما تُختزل الأخلاق في هذه الجوانب المحدودة، فإننا نخاطر بفقدان صورة أشمل عن الصحة الأخلاقية للمجتمع.
تتوافق هذه الرؤية مع نقد ألسدير ماكنتاير في كتابه بعد الفضيلة (1981)، حيث يرى أن الأخلاق الحديثة فقدت إطارها التقليدي وغايتها، وتحولت إلى أحكام ذاتية متفرقة. وفي مثل هذه الحالة، يصبح من الصعب الوصول إلى اتفاق أخلاقي بسبب غياب الأساس المشترك.
على المستوى العالمي، يشير التقرير إلى اتجاه نحو قدر من التخفف الأخلاقي في بعض القضايا، مثل الطلاق والمثلية ووسائل منع الحمل. غير أن هذا الاتجاه، في غياب إطار قيمي متماسك، قد ينزلق نحو نسبية أخلاقية. وهنا تبرز أهمية التمييز بين تغير القيم وانهيارها.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الولايات المتحدة. ففي درجات متفاوتة، بدأت ملامحها تظهر في دول أخرى، منها إندونيسيا. فتصاعد الاستقطاب السياسي، وتعزيز سياسات الهوية، والنقاشات الحادة في وسائل التواصل الاجتماعي، كلها تعكس تزايد تفتت الثقة في المجال العام.
في السياق الإسلامي، يذكّرنا هذا الوضع بأهمية حسن الظن كقاعدة أساسية في العلاقات الاجتماعية. فبدون هذا الأساس، يسهل أن تنزلق العلاقات إلى الشك المتبادل. وفي التراث الإسلامي، تُقاس الأخلاق أيضًا بكيفية نظر الإنسان إلى الآخرين، لا فقط بتقييم الأفعال.
فالمجتمعات لا تفقد الأخلاق دائمًا، لكنها كثيرًا ما تفقد الثقة في وجودها لدى الآخرين.
وعند هذه النقطة، يمكن طرح فكرة أكثر وضوحًا مفادها أن المشكلة الأساسية في المجتمعات الحديثة تكمن في ضعف الإيمان بوجود الأخلاق لدى الآخرين. وعندما يضعف هذا الإيمان، يصبح كل فعل موضع شك، وكل اختلاف موضع حكم أخلاقي، وكل علاقة عرضة للهشاشة.
كما تُظهر بيانات مركز بيو تباينات مثيرة في الدول النامية، ومنها إندونيسيا، حيث لا تزال المواقف الأخلاقية تجاه قضايا مثل الخيانة (92%)، والمقامرة (89%)، والمثلية (93%) قوية نسبيًا. غير أن قوة هذه المعايير لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى الثقة الاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، تظهر فروق واضحة بحسب التعليم والعمر. فالأشخاص الأقل تعليمًا والأكبر سنًا يميلون إلى التشدد في تقييم السلوكيات أخلاقيًا، بينما يُظهر الشباب قدرًا أكبر من التسامح، مع نزعة أكثر نقدًا في تقييم أخلاق المجتمع ككل.
وتشير البيانات عبر الزمن (2013–2025) إلى اتجاه عالمي نحو قدر من التخفف الأخلاقي في بعض القضايا، لكنه ليس اتجاهًا موحدًا. ففي بعض الدول، تظهر في المقابل نزعات لتعزيز مواقف أخلاقية معينة.
وهكذا، يتضح أن المشهد الأخلاقي العالمي معقد ومتعدد الطبقات، ويتشكل بفعل تفاعلات اجتماعية وسياسية وثقافية متباينة.
نُشر هذا المقال في زاوية الرأي بصحيفة “ميديا إندونيسيا” يوم الأربعاء (15/4/2026).
