اقتصاد المنصات وحماية العاملين في اقتصاد المهام

اقتصاد المنصات وحماية العاملين في اقتصاد المهام

محمد نور ريانتو العارف
أستاذ بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بباكارتا
الأمين العام للمجلس التنفيذي المركزي لرابطة المحاضرين الإندونيسيين
عضو المجلس التنفيذي المركزي للجمعية الإندونيسية للاقتصاد الإسلامي
عضو الجمعية الإندونيسية للاقتصاديين (فرع جاكرتا)
عضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة تطوير الاقتصاد والأنشطة التجارية التابعة لمجلس العلماء الإندونيسي

هناك مشهد أضحى مألوفاً للغاية اليوم في المدن الإندونيسية؛ سائقو الدراجات النارية عبر التطبيقات الذين ينتظرون الطلبات عند زوايا الشوارع، وعمال التوصيل الذين ينقلون الوجبات من المطاعم إلى منازل العملاء، والمستقلون الذين يعملون على التصميم عبر المنصات الرقمية، أو الشخص الذي ينجز أعمالاً قائمة على التطبيقات من غرفة نومه. إنهم حاضرون في كل مكان، لكن وضعهم في الاقتصاد ما زال غالباً غير واضح. إنهم يعملون، ويحققون قيمة اقتصادية، ويحركون عجلة الاستهلاك، بل ويشكلون جزءاً حيوياً من البنية التحتية للحياة الحضرية. ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بحماية العمال، فإنهم غالباً ما يجدون أنفسهم في منطقة رمادية.

هذه هي مفارقة اقتصاد المنصات. لقد فتحت التكنولوجيا الرقمية فرص عمل جديدة بسرعة لم تكن متوقعة من قبل، لكنها في الوقت نفسه ولّدت شكلاً جديداً من هشاشة القوى العاملة. لم يعد العامل بالضرورة يعمل تحت سقف شركة، أو يتقاضى راتباً شهرياً، أو يرتبط بعلاقة عمل واضحة. إنهم يعملون من خلال التطبيقات، ويتلقون الطلبات بناءً على الخوارزميات، ويحصلون على دخل يتغير من يوم لآخر.

تطلق عليهم المنصات اسم "شركاء"، وتعتبرهم الدولة غالباً "عمالاً مستقلين". ولكن في الممارسة العملية، لا يملك العديد من عمال التشارك (gig workers) الحرية الكاملة في تحديد أسعار خدماتهم، أو اختيار العملاء، أو التحكم في الخوارزمية، أو حتى الحفاظ على فرصة وصولهم إلى العمل. فهناك منصات تحدد التعرفات، وتقدم الحوافز، وتنظم نظام التقييم، ويمكنها تعطيل الحسابات.

لقد أنتج الاقتصاد الرقمي ما يُعرف شائعاً باسم "اقتصاد التشارك" (Gig Economy)، وهو نموذج اقتصادي يجمع بين طلب الخدمات وعرضها عبر المنصات الرقمية. وفي هذا النموذج، يتم العمل بناءً على مهام أو مشاريع محددة، وليس بالضرورة من خلال روابط عمل طويلة الأجل. يقدم هذا النموذج المرونة، لكن هذه المرونة تنطوي على مفارقة.

فالعامل حر بالفعل في تحديد وقت عمله، لكنه في الوقت نفسه يتحمل بمفرده تقلبات الدخل، والتكاليف التشغيلية، ومخاطر الحوادث، وغياب التغطية التأمينية عند المرض أو العجز عن العمل. ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية لاقتصاد المنصات، حيث تطورت التكنولوجيا بسرعة أكبر بكثير من نظم الحماية الاجتماعية والعمالية.

إن التغير في عالم العمل ليس أمراً جديداً؛ فالثرورة التكنولوجية طالما غيرت هيكل الوظائف. لكن الاختلاف في اقتصاد المنصات يكمن في السرعة والنطاق. فلم تعد المنصات الرقمية مجرد ملتقى للبائعين والمشترين، بل أصبحت بنية تحتية لسوق العمل.

تحدد التطبيقات كيفية عرض الأعمال، وكيفية حصول العمال على الطلبات، وكيفية تقييم الأداء، بل وتحدد الدخل في كثير من الحالات. ولذلك، لا يقتصر عمال المنصات على سائقي التوصيل فقط، بل يشملون عمال الشحن، وموصلي الأطعمة، والمستقلين الرقميين، والمبدعين، والمترجمين، والبرمجيين، وغيرهم من المهن التي يمكن ربطها عبر التكنولوجيا الرقمية.

لقد وسّع التحول الرقمي علاقات العمل من علاقة مباشرة بين صاحب العمل والعامل إلى علاقة تتوسطها المنصة، مما جعل الحد الفاصل بين العامل والشريك يزداد ضبابية. والقصور يكمن في أن نظامنا القانوني للعمالة بُني أساساً على علاقات العمل التقليدية؛ حيث يوجد صاحب عمل، وعامل، وأجر، وساعات عمل، ومكان عمل محدد. بينما يغير اقتصاد المنصات كل هذه الفرضيات تقريباً.

فالعامل يُسمى شريكاً، والأجر يصبح دخلاً، وساعات العمل هي الوقت المقضي على التطبيق، ومكان العمل يتنقل باستمرار، والمدير يُستبدل بالخوارزمية. ومع ذلك، هناك شيء واحد لا يتغير: وهو أن الفرد يواصل العمل من أجل كسب العيش.

وهنا يجب على الدولة أن تتصرف بحذر، لكي لا تؤدي تغييرات المسميات إلى ضياع حقوق العمال. مصطلح "شريك" يبدو أكثر تكافؤاً من "عامل"، حيث يُفترض في علاقة الشراكة أن الطرفين في موقف متساوٍ، ولكن في واقع اقتصاد المنصات، هذه العلاقة ليست بالضرورة متكافئة.

فالمنصة تمتلك التكنولوجيا، والبيانات، ورأس المال، والسيطرة على النظام. بينما يملك العامل جهده، ووقته، ومركبته، ومهاراته. المنصة تحدد قواعد اللعبة، والعامل يتكيف مع تلك القواعد. يمكن للعامل أن يختار قبول الطلب أو رفضه، لكن هذا الخيار لا يخلو دائماً من العواقب؛ فنسبة قبول الطلبات، وتقييمات العملاء، والأداء، وميكانزمات الحوافز قد تؤثر جميعها على فرصه في الحصول على العمل المستقبلي.

عند هذه النقطة، يحق لنا أن نتساءل: إلى أي مدى تُعد هذه العلاقة شراكة حقيقية؟ ويزداد هذا السؤال أهمية عندما تُتخذ القرارات المتعلقة بدخل الشخص بواسطة الخوارزميات. فبينما كان العامل سابقاً يتعامل مع مدير أو مسؤول مادي، فإنه اليوم يتعامل مع نظام رقمي ليس من السهل دائماً فهمه.

عندما تتغير التعرفة، لا يعرف العامل دائماً المعادلة المستخدمة. وعندما يُحظر حسابه، لا تكون آلية تقديم التظلم كافية دائماً. لقد أضحت الخوارزمية بمثابة "مدير جديد" غير مرئي. ولذلك، فإن حماية عمال التشارك لا ينبغي أن تقتصر على مناقشة مقدار الدخل، بل يجب أن نتحدث أيضاً عن شفافية الخوارزميات. من حق العمال معرفة كيفية عمل النظام الذي يحدد دخلهم، والحصول على تفسير عند تعطيل حساباتهم، والمطالبة بآليات استئناف عندما تؤثر القرارات الآلية مباشرة على مصدر رزقهم. لا ينبغي للتكنولوجيا أن تكون مساحة خالية من المساءلة.

يجب وضع قضية عمال التشارك في context سوق العمل الإندونيسي الأوسع. فاستناداً إلى بيانات هيئة الإحصاء المركزية (BPS)، بلغ عدد القوى العاملة في إندونيسيا في أغسطس 2025 نحو 154 مليون شخص، منهم 146.54 مليون شخص يعملون بالفعل، وسُجلت نسبة البطالة عند 4.85 بالمائة. وفي الفترة نفسها، بلغ متوسط أجر العامل 3.33 مليون روبية شهرياً، بزيادة قدرها 1.94 بالمائة مقارنة بـ أغسطس 2024.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام لا تعكس كامل واقع العمال في إندونيسيا. فهيئة الإحصاء تفرق بين العمال الأجراء وغير الأجراء، مثل أولئك الذين يعملون لحسابهم الخاص والعمال المستقلين. وفي منشوراتها الإحصائية لـ أغسطس 2025، أشارت الهيئة صراحة إلى أن الاهتمام والحماية الممنوحة للعمال غير الأجراء ليست بقوة تلك الموجهة للعمال الأجراء، لا سيما في سياق الحماية القانونية وتحديد الحد الأدنى للأجور، مما أدى إلى وجود فجوة في الدخل والحماية بين المجموعتين.

وهنا يقع عمال التشارك في معضلة أكبر؛ فهم يقفون عند مفترق الطرق بين الاقتصاد غير الرسمي والاقتصاد الرقمي. يستخدمون تكنولوجيا حديثة للغاية، لكن حمايتهم لا تزال تعتمد على مقاربات قديمة. إنهم يعملون ضمن منصات قادرة على إدارة ملايين المعاملات في الوقت الفعلي، بينما يتعين عليهم تدبر حمايتهم الاجتماعية بشكل فردي.

هذه هي مفارقة اقتصاد المنصات في إندونيسيا: نحن نمتلك تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، لكن أجزاءً من نظام حماية العمال لدينا لا تزال مصممة لهياكل اقتصاد القرن العشرين.

غالباً ما يُروج للمرونة باعتبارها الميزة الأساسية لاقتصاد التشارك؛ حيث يمكن للعامل تحديد وقت عمله بنفسه، دون الحاجة للذهاب إلى المكتب، وملاءمة العمل مع احتياجات أسرته. لكن المرونة لا تكون ذات معنى إلا إذا كان العامل يمتلك قوة تفاوضية. وبدون هذه القوة، تتحول المرونة بسهولة إلى شكل جديد من أشكال الهشاشة.

ولذلك، فإن معيار نجاح اقتصاد المنصات لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم المعاملات الرقمية، أو نمو المستخدمين، أو التقييم المالي للشركات. بل يجب أن نتساءل أيضاً: ما هو صافي دخل العمال؟ كم ساعة يتعين عليهم العمل؟ هل هم محميون عند وقوع الحوادث؟ هل لديهم تأمين صحي عند المرض؟ وهل يمكنهم رفض قرارات المنصة الإجحافية؟

تحدد هذه الأسئلة ما إذا كان اقتصاد المنصات شاملاً بحق، أم أنه مجرد نقل للمخاطر من الشركات إلى الأفراد. ففي علاقات العمل التقليدية، تتحمل الشركة جزءاً من مخاطر الإنتاج، بينما في اقتصاد التشارك، يُنقل جزء كبير من هذه المخاطر إلى العامل.

صحيح أن الاقتصاد الرقمي يحقق الكفاءة، لكن الكفاءة لا ينبغي أن تُبنى على تحويل كافة المخاطر إلى الفئة الأضعف تفاوضياً. وإذا تجمعت الفوائد الاقتصادية في جهة واحدة وتوزعت المخاطر على العمال، فسنكون أمام شكل جديد من التفاوت الاجتماعي في الاقتصاد الرقمي.

من هنا، فإن حماية عمال التشارك ليست أجندة معادية للمنصات، بل هي مطلوبة لضمان نمو اقتصاد المنصات بشكل مستدام. تحتاج إندونيسيا إلى نهج جديد؛ إذ لم يعد من الممكن أن تعتمد حماية العمال كلياً على صفة الفرد كموظف في شركة. ولذلك يجب أن تتبع الحماية الاجتماعية العامل وليس الشركة، وهو ما يمكن تسميته بـ "الحماية الاجتماعية المحمولة" (Portable Social Protection).

بحيث يمتلك العامل حساب حماية اجتماعية يظل ملازماً له حتى لو تنقل بين المنصات. ويمكن تصميم الاشتراكات بشكل تناسبي بين العامل، والمنصة، والحكومة، مع تعديل قيمتها حسب مستوى الدخل أو حجم النشاط. هذا النموذج أكثر واقعية من فرض إدخال جميع عمال التشارك في فئة عمل موحدة وقسرية.

أما الشرط الأساسي فهو ضمان حد أدنى من معايير الحماية: أولاً، وصول العمال إلى تأمين حوادث العمل والوفاة. ثانياً، الحصول على التغطية الصحية. ثالثاً، وجود ميكانزم حماية عند انخفاض الدخل بشكل حاد أو فقدان الوصول إلى المنصة. رابعاً، توفير آليات تسوية النزاعات بشكل بسيط ومتاح. خامساً، حق العمال في الحصول على تفسيرات للقرارات الخوارزمية التي تؤثر على دخلهم وفرص عملهم. الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تكون رفاهية يقتصر التمتع بها على عمال القطاع الرسمي فقط.

التحدي التالي يتعلق بالدخل. لقد اقتصر النقاش حول عمال المنصات لفترة طويلة على تعرفة الرحلة أو الطلب، بينما الأهم هو "صافي الدخل". يجب أن يأخذ صافي الدخل في الاعتبار تكاليف الوقود، وصيانة المركبة، وإهلاك الأصول، وقت الانتظار، والتكاليف الأخرى المترتبة على العمل. قد يظهر العامل وكأنه يحقق دخلاً إجمالياً مرتفعاً، لكن بعد خصم كافة التكاليف، يصبح الصافي أقل بكثير. لذا، يحتاج الحكومة إلى تطوير مؤشرات للدخل العادل لعمال المنصات، لا يعني ذلك فرض التعرفات بشكل صارم، بل إرساء معايير للشفافية وعدالة تحديد الأجور.

وهنا يجب توسيع الحوار الثلاثي ليصبح حواراً بين الحكومة، والمنصات، والعمال. لا ينبغي أن يكون العمال مجرد موضوع للسياسات، بل يجب أن يكونوا جزءاً من عملية صياغتها.

وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي القدرة التفاوضية. فالعامل الفردي يكون دائماً في موقف ضعيف أمام المنصات الكبرى، ولذا يحتاج عمال التشارك إلى مساحة للتنظيم الجماعي. لا يلزم أن تكون هذه التنظيمات نقابات بفهومها التقليدي، بل يمكن أن تكون جمعيات لعمال المنصات، أو تعاونيات رقمية، أو أشكالاً أخرى للتنظيم الجماعي. لا ينبغي لاقتصاد المنصات أن يكون سبباً لإلغاء حق العمال في التعبير عن آرائهم.

تحتاج الحكومة إلى البدء في وضع إطار تنظيمي شامل لعمال المنصات يتضمن خمسة محاور: أولاً، تعريف وتصنيف أكثر مرونة لعمال المنصات يواكب التطور التكنولوجي. ثانياً، حد أدنى لمعايير الحماية الاجتماعية. ثالثاً، شفافية الخوارزميات والحق في الحصول على تفسيرات. رابعاً، آليات تسوية النزاعات والاستئناف. خامساً، إتاحة المساحة للعمال للتنظيم والتفاوض الجماعي. ويجب تصميم كل ذلك وفق مبدأ أساسي: عدم القضاء على المرونة، وعدم اتخاذ المرونة ذريعة لإلغاء الحماية.

فالمنصات التي تحتكر البيانات تملك القوة لتحديد قواعد السوق، والخوارزميات التي تنظم توزيع الأعمال تؤثر على الدخل. لذا فإن حوكمة الاقتصاد الرقمي هي في جوهرها حوكمة للقوة الاقتصادية. تحتاج إندونيسيا إلى عقد اجتماعي جديد لعالم العمل الرقمي يضمن لكل عامل حقه في الحماية الأساسية بغض النظر عن مسمى وظيفته. يجب أن نتحول من الحماية القائمة على المسمى الوظيفي إلى الحماية القائمة على طبيعة النشاط ومستوى المخاطر.

فالذي يعمل ويحقق قيمة اقتصادية لا ينبغي أن يفقد حقه في الحماية لمجرد أن عمله يتم عبر تطبيق رقمي. وفي الوقت نفسه، يجب أن نعترف بفوائد اقتصاد التشارك في توفير الفرص والمرونة. الحل ليس في إلغائه بل في إصلاحه؛ لتظل المنصات مبتكرة، والعمال مرنين، والمستهلكون يحصلون على خدمات كفؤة، مع تحكيم العدالة بين الأطراف الثلاثة.

إن التحدي الأكبر لإندونيسيا لم يعد الاختيار بين الاقتصاد الرقمي وحماية العمال، بل التأكد من أنهما يسيران جنباً إلى جنب. فمستقبل الاقتصاد الرقمي الحقيقي لا يتعلق فقط بسرعة تطور التكنولوجيا، بل بمدى قدرتها على جعل حياة الإنسان أفضل.


نُشر هذا المقال في قسم الرأي بصحيفة كومباس (Kompas) يوم الخميس، 23 يوليو 2026.